"الراجي".. أيها الشاعر البارع والقاص الموهوب.. هذا وقلمك "مرتعش"! لو كان العكس.. ماذا كان سيحدث؟!
هناك قاعدة أدبية معروفة تقول إن "الكاتب أسير والقارئ أمير"، وتفسير هذه المقولة هو أن الكاتب أو المؤلف مهما أبدع يبقى أسيراً لرغبات القراء الذين هم غير مجبرين في الحقيقة على إكمال قراءة ما كتبه ذلك الكاتب شاعراً كان أم روائياً، والكاتب الذكي يعرف كيف يشد قراءه، ذلك لأنه يجب أن يضع في اعتباره أنه لا يكتب فقط للنخبة، وأقصد هنا المثقفين والمتعلمين، إنما لشرائح المجتمع وفئاته كافة، الصغير والكبير، المرأة والرجل، الشاب والمسن، أو بالأحرى، يكتب لقارئ بغض النظر عن عمره وجنسه وجنسيته ومكانه، يكتب ويريد أن يخلف بصمة وانطباعاً لا ينسى، كونه يكتب من وحي الواقع الذي يعيشه القراء، ويستقي أفكاره من الحياة بما فيها من صراعات ومشاعر واضطرابات وعذابات وخبرات وتجارب بشر، لذا فإنه يجد نفسه تحت رحمة قيود ذلك القارئ، الذي لا يدرك كيف خرج هذا النص إلى النور، وكم من الوقت والجهد وعصارة التفكير استنفذها الكاتب من أجل إمتاع من كتب لهم، كل ما يعني القارئ هو أن يجد أمامه نصاً محبوكاً قوياً يشبع ذائقته الأدبية ويتماشى مع فلسفته ورؤيته، ويكون بالطبع قريباً إلى نفسه.
لكن الأمر يختلف مع "الراجي"! إذ يبدو في حالته كما جاء في "أشعاره وخواطره وروايته السوق الكبير"، أن الأسير هنا هو الكاتب والقارئ معاً، وسأشرح كيف:
"الراجي" أسير، لأننا كقراء وضعناه في تحد مع نفسه، لأننا لا نتوقع منه إلا المميز والأفضل دائماً وليس أقل من ذلك، وإلا سيخسر شريحة كبيرة من متابعيه وقراءه الذين أصبحوا "أسرى" كتابات "الراجي" ويتابعونها أولاً بأول وينتظرون جديده باستمرار، وإني لأجد أن هذه الحالة الفريدة من نوعها تجعل الكاتب والقارئ في عملية تعاون وتكامل وكأن القارئ أحد عناصر وأدوات الكاتب والوقود الذي يمده بالدعم والتشجيع ليظهر أفضل ما لديه كي لا يخذل قراءه الأوفياء، وهذا يعني أن القارئ يشارك الكاتب في الكتابة والتأليف من حيث لا يدري.
كل هذه المقدمة الطويلة تقودني إلى إبداء رأيي المتواضع حول رواية "السوق الكبير" بكل صراحة وموضوعية بعيداً عن المجاملات الأدبية التي لا أجيدها مطلقاً.
إن أول أمر فعلته بعد الدخول إلى المنتدى هذا المساء، هو قراءة روايتك، بأجزائها الثمانية، واستغرقني الأمر زهاء ساعتين أو يزيد قليلاً وإني لأجد الأمر يستحق أكثر من ذلك.
يدور في خاطري سؤال: هل هذه هي روايتك الأولى؟ إذا كانت إجابتك بنعم، فهذا يبدو جلياً، وأصدقك القول: شعرت بأن هناك بعض الثغرات من حيث الحبكة والتفاصيل وتسلسل الأفكار والانتقال من حدث لآخر، وهذا أمر يمكن التغلب عليه من خلال الإكثار من القراءة للاستفادة، لكنك في المقابل وفقت في تصوير المشهد فأجدت، جعلتني كقارئة أشعر بروح المكان، وأشم رائحة اللحم والدم، وأسمع همهمة البشر، وزحمة السوق، وأغوص في نفسية شخصيات الرواية، وأتخيل قسماتهم وتصاويرهم وأشكالهم، لاحظت كذلك أنك استخدمت السكين مرتين.. الأولى بيد الجزار "تقص اللحم لتطعم الناس" والأخرى للثأر للشرف المهدور، ولا أدري حقيقة لماذا تأخر "الأخ" في ذلك ألم يكن يدرك أن "أخته" سيئة السمعة من قبل؟ أم تراك أنت الذي استعجلت بقتلها؟!
أصفق لك طويلاً على لغتك السليمة السلسة القوية، أحسنت استخدام اللغة ببلاغتها وجزالة ألفاظها، وتشبيهاتها، وهذا أمر يحسب لك كروائي، علماً بأنه أقوى وأبلغ عند "الراجي" كشاعر.
"السوق الكبير" حسب ما قرأت، ما هي إلا تصوير مصغر لـ"عالمنا الكبير" بما فيه من تناقضات وصخب وواقع مرير، أحسب أنك عبرت عنه بأسلوبك السهل الممتنع.
أعتذر على الإطالة، عذري أني وجدت نفسي –لحسن الحظ- أمام نص استفز ملكات عقلي وتملك من حواسي، حتى أن الوقت مر ولم أشعر به.. لا تتأخر علينا رجاء.. ننتظر الجزء التاسع بشغف.
أشكرك أيها "الراجي".. القراءة متعتي الأولى.. وقراءتي لما تكتب متعة أخرى إضافية.