الجزء الحادي عشر ....
مرت ساعات رتيبة قبل ان ينتبه ذاك الاعرابي الى ان حركة الناس في السوق قد شابها نسق غريب .. احس بالوجوه تغيرت والعيون تتلاقط فضاءات السوق الملبدة بالوجس .
خفتت الاصوات وتبدل زعيق المارة الى همس سحيق المدى عصيّ على سمعه ان يستوعب ما تتمتم به شفاههم الجافة ..
اطبق الهدوء على المقهى حتى غازل النعاس عينيه ولكأنما تقمصته روح البرية طاردة كابوس الضجيج والفوضى ...
صوت يقترب رويدا رويدا الجمت الارض من دونه فلا تسمح لسواه ان يقرع غلافها او ينبش فلذاتها من تلبدات عرق وطين .
سطوته نادت على الجميع ان يخرسوا السنتهم ويكتموا انفاسهم فقد حضر رداد ..
وابتدأ حفل الاستقبال مع عزف انفاس الرجال نشيد اللهاث على وقع خطواته فلا تسمع الا همسا وقد انطفأت انوار العيون وأعلنت ولائها للارض الدنيا حتى كادت نظراتها تلامس الاقدام ..!!!
فجأة ملأت أفناء المكان قرقعة عنيفة تطاول صداها الى بين الخافقين . اعداد من اقداح الشاي التي كانت ترقص فزعا على يد حسن صاحب المقهى ارتأت ان تقبل الارض بين رجلي رداد وتعلن انتحارها احتفاء بمقدمه الرهيب ... وطار لب حسن محلقا في سماء الوجل فقرفص يجمع أنيته المنكسرة ذلا ونبضاته تناديه بالنهوض قبل ان تطأ اقدام ضيفه الثقيل مقهاه المترنحة خوفا وتعكر جوها الذي خنقت فيه الطمأنينة ..
استقر رداد على كنبته ذات الطلة المميزة المشرفة على اتجاهات السوق وكأنه ملك يستعرض قوات جيشه المنتصر ..
ما زال ذاك الاعرابي مذهولا مما يرى فتزدحم الأسئلة في خلده بين ذليلة وخجولة فيحوّل مسارها الى اتجاه اللامبالاة لكنها ترتد اليه مرتعشة تطلب منه البيان !!
حانت منه التفاتة يتيمة الى ظل يتحرك في الزاوية اليمنى من عينيه , ايماءات مرتبكة من يدي حسن صاحب المقهى استشف منها دعوته ان يتدارك موقفه وان يسرع الى داخل المقهي ملتفا من وراء رداد متحاشيا النظر اليه .
يد على عقاله والاخرى تعتصر عباءته التي راحت اذيالها تكنس ما علق على الارض وبخطاه المتسارعة قفز داخل المقهى وعيونه تناشد حسن ان يفسر له ما يجري .
اشار عليه حسن ان يجلس على الكنبة القريبة من موقد النار حيث تراصت أباريق الشاي تزفر انفاسا من بخار ملتهب .
أخرج حسن أنية صينية من درج الدولاب الوحيد في المقهى
تتكون من قدح مزكرش صغير وملعقة ذهبية وأناء يوضع فيه السكر يتوسطه مكيال صغير وأبريق موشوم برسوم لصبايا يعزفن على الناي .. وابتدأ يغسلها لتسعد بالشرف بين انامل رداد وشفتيه الغليظتين ..
أخذ حسن يتفقد هيئته ويسوي عليه كوفيته متمعنا بهندامه مستعدا للمثول بين يدي الشيطان .
حمل تلك الأنية بعد أن تثاقل إبريقها بالشاي وتبختر اناء السكر بالحلاوة البيضاء التي تسكن مذاقه .
وسار الهوينى ونبضات قلبه حلت في قدميه تضرب على اوتار الهلع الذي يتنفسه مقتربا من رداد ..
- امساكم الله بالخير عمي ابو حسام
- هلا
لا يستحق هذا القهوجي اكثر من كلمة واحدة تعطر مسامعه .
نصب الآنية على منضدة صغيرة بيدين مرتعشتين ودلق له الشاي وعيناه أثقلتها جفون الرهبة .
تراجع الى الوراء متحاشيا ان يدير ظهره لرداد قبل ان يواصل سيره راجعا الى كنف المقهى وعقله يهندس الخطوة التالية , الارجيلة . تلك الاثيرة المدللة البكر التي ما لثمتها الا شفاه رداد
, وطفق يهيا العروس لمليكها الملهوف الذي ينتظر على منبر الشغف وشوقه يدميه ..
حضرت ارجيلته المزوّقة محمولة على اكف حسن يحيطها بالحنان ويعانقها بالحرص . وضعها بين يديه واحضر لها الفحم المتقد ثم سوى هيئتها تاركا اياها تخلو بعشيقها الولهان .
جلس حسن قرب الاعرابي الذي اثقلته أمتعاضات بدت على محياه المندهش بغرابة ما يحصل ..
- الان قد نلت بغيتك وهذا هو مطلوبك الذي الححت تسال عنه دونك اياه ..
قال حسن هذا الكلام وهو يتفرس بوجه الاعرابي لينظر رد فعله ..
- اهذا هو رداد .. واشار بسبابته صوبه .
- اششش ... اسكت لا ترفع صوتك عاليا فيتصور انك تنادي عليه .. اسمع دعه يشفي غليله من دخان الارجيلة واذهب للسلام عليه , لا تجلس الا اذا طلب منك ذلك هل فهمت ما اقول ؟
- نعم .. نعم فهمت , رجاء حين تعتقد ان الوقت قد حان نبهني ان اقوم من مجلسي لأساله .
بقي الاعرابي يراقب رداد وهو بنفث دخانه يتطلع الى المارة الذين ما دأبوا يسلمون عليه كلما ما مر احد منهم امام حضرته المنيعة وما كان ليجيب اكثرهم وان اجاب فبإيماءة رعناء من يده . وما كان الاعرابي لينسى ان ينظر بين الفينة والاخرى الى حسن متوسلا وجهه بالانفراج ولو قليلا ..
ثم حانت لحظة التلاق .. ابتسم حسن وأشار الى الاعرابي بحاجبيه ان قم وادرك مرادك .
تململ الاعرابي من مكانه محاولا النهوض لكن شجاعته غدرت به والزمته التريث , نظر الى حسن بعيون خجلى ملتمسا منه المشورة , فهم حسم من نظرات الاعرابي انه يستنجد به . جلس الى جانبه مهوّنا عليه ما يجوس خاطره من اعاجيب الفزع محاولا ان يستخرج بسمة شفافة يرتاح بها وتعينه على الكلام .. قال له هامسا وهو يدري انه سيكذب :
- لا تخف منه انه رجل طيب ولا تغرك هيئته العابسة تشجع وقم اليه فانت قطعت مسافة طويلة من اجل ان تصل الى هنا فقم ولا تخف .
لم يجب الاعرابي الا بهزة راس خفيفة وتوكأ على كتف حسن مستعينا به للنهوض سائرا الى تلك الكنبة القصية .
وقف الاعرابي متلعثما قرب رداد وقد أنسته الرهبة كيف يبتدا السلام
- كيف الحال أخويه رداد ..
قالها بصوت مبحوح ضعيف ثم تمنى لو انه يستطيع استرجاع تلك العبارة بسرعة ليعيد صياغتها من جديد !! ولكن هيهات ان يسترد ما ابيحت ملكيته للأذن .
رفع رداد بصره ليرى من هذا الوقح الذي تجرأ ان يناديه بأسمه هكذا مجردا من اي اضافة ولم يناديه حتى بكنيته !!
- من انت وما الذي تريده .. قال رداد وفمه وانفه يغيبان خلف سحابة من دخان كثيف ..
- نعم شيخ نعم ... انا حنجل من اعراب الشيخ مغانم وجئتك طامعا باستشارة فنية .
- أهاااا ... وماذا تريد مني ؟
- عفوا شيخنا , لي ثأر قديم وغريمي رجل ناصح الجسد قوي البنية ولا املك غير هذا المسدس , فجئت مستفهما من جنابك هل مسدسي هذا يستطيع ان يرديه قتيلا من مسافة كافية ؟
- اي مسدس ؟ ارني اياه
اخرج الاعرابي مسدسا متوسط الحجم من عيار 7 ملم كان محشورا تحت حزامه على جنبه الايمن وسلمه الى رداد وهو ينظر الى وجهه القاسي مرتقبا ما سيؤول اليه الامر .
ارتفع صوت رداد بضحكة هستيرية عالية زعزعت اركان الصمت الذي يسكن السوق ... ههههههههههههههههههههههه ..
ضحكه العالي الذي لم يزر مسامع أحد من قبل ونغماته التي حملت الدهشة في طياته وهي ترن في اذان افراد مرعوبين جعلتهم يقتربون بضع خطوات ليروا تلك الفريدة اليتيمة التي جاد بها رداد على قلوبهم الوجلة ..
اثناء ضحكه الهستيري كانت يده تكفكف اذيال ثوبه حتى بان فخذه الايسر الذي عانقته السمرة وقد بدت عليه اثار خدوش وندوب من غزواته الليلية التي لا يعرف احد شيئا عنها ...
ثم ...... انطلق عيار من المسدس الذي كان يحمله رصاصة اصابت فخذ رداد واصابت عقول الجميع بالفزع وما زالت ضحكته العالية تبحر في اسماع المذهولين ..!!!
انكفأ الاعرابي على وجهه وهو يحاول التراجع الى الخلف وسما غبار كثيف خلفته ركضات الناس المتجمهرين وما زالت ضحكة رداد هي المتسيدة كانها قعقعة سلاح !!
هدأ الصوت وانتبه الاعرابي الى شيء يتطوح في الهواء متجها اليه ليسقط على مقربة منه .. مسدسه الذي انطلقت منه رصاصة افقدنه رشده واغتصبت سكينة رواد السوق ..
وصوت جهور يقول :
- هه اهذا سلاح قاتل ايها المعتوه ؟ اذهب من هنا هيا .. اشتري شيئا يقتل هيا هيا .
لملم الاعرابي نفسه وتوكأ على بقية من صمود يرتعش وفر هاربا لا يلوي على شيء !!
.... هذا اخر ما سانقله من اقاصيص رداد ..
وما دمنا قد عدنا الى السوق الكبير لنتابع اذن ما آل اليه حال مدحت في الجزء التالي ... وأيضا سنعرف قصة اختفاء درة وما فعلت بها الايام ...
وللحديث بقيــــــــــــــة .......