خـَــطـَــرَاتٌ في فِكر حُجَّةِ الإسلام..
أثارَ في نفسي المقالُ المنهجيُّ الثرُّ الذي كتبه أستاذنا الكريم طارق فايز العجاوي عن حجة الإسلام أبي حامدٍ محمدٍ بن محمدٍ الطوسيِّ الغزالي ؛ ( مع حجة الإسلام في فلسفته ) عدة أفكار ورُؤًى،كانتْ تعيشُ معي في خبيئةِ قناعاتي،أيام كنت طالباً ناشئاً،أسترزقُ المعرفة َعلى موائدِ أساتذتي الكبار وأستشرف منها لحياتي ومستقبلي أقباساً من هُدى ويَقين...
وعندما كنا ندرسُ فلسفة المعرفة الإسلامية ( في المذهب والمنهج والطرائق والسلوك ) كان أبو حامدٍ رحمه الله تعالى يطلُّ من عليائه علينا في هالةٍ وهيْلمان وصوْلوجان،جعلتـْه مِلْءَ قلب العالم وعَقله-في عصره من النصف الثاني من القرن الخامس هجري أو في العصور الفكرية العريضة اللاحقة-ومع التصاقي الوثيق بفكره وإقبالي على قراءة إرثه وكثير من الدراسات الأكاديمية،وما أكثرَها-فقد كان سؤالٌ يُلِحُّ عَليَّ-ولا يزال-عن سر هذه المكانةِ ( الفريدة ) التي نالها على خلاف أقرانه العلماء والفقهاء الآخرين من أرباب الرسوخ الإسلامي في المعرفة،وعن مصدر هذا الإجلال الذي يُحيط به،وعن حقيقةِ هذا الإعجاب والاحتفاء الذي حازه من أهل الفكر-الإسلامي أو الأجنبي-قاطبة ًكما لمْ يَحُزْ مثله أيُّ فيلسوفٍ آخر من فلاسفةِ المسلمين الأسلاف أبداً...
ولقد استقرَّ عندنا-بعد دراسةٍ واقتفاء-أن مَــرَدَّ هذا السِّرَّ يكمُنُ في ميزتيْن اثنتيْن امتازَ بهما حُجة ُالإسلام أبو حامدٍ عن أقرانه،وعن الذين جاؤوا من بعْدِه،بل وكثيرٌ من الذين خلوْا من قبله....
ــ أولى هاتيْن المِيزتيْن ؛ أنه لم يكنْ على غِرار مَنْ عاصَرَه أو جاءَ مِنْ بَعْدِه من العلماء،في التوجه إلى اختصاص عِلمِيٍّ واحدٍ،مع المشاركة في سائر العلوم الأخرى أو بعْض منها،مشاركة ًعامة ً. بل إننا لننظرُ فنجدُ اسمَهُ يلتمع في كل قائمةٍ،تضمُّ أسماءَ ذوي الاختصاص،في أيٍّ من العلوم الإسلاميةِ النقلية والعقلية المتداوَلـَة..
إنه الاسمُ الوحيدُ الذي يتكرر في تلكَ القوائم كُلـِّها...!!
ننظرُ في قائمةِ علماء الفقه..فنجد اسمَه مستقِرًّا في قلبها..!! ونلتفتُ إلى قائمة علماء أصول الفقه ( قواعد تفسير النصوص )،وإذا اسمُهُ يلتمعُ في أعلاها..!! وننتقلُ إلى قائمةِ علماء الكلام،فنجده مُستقرًّا في مقدمتها..!! ثم ننظرُ في قائمة علماء التربية والسلوك والتصوف،فإذ هو يتبوأ مركزَ ( الأستاذيةِ ) والصدارة فيها..!! ونتحول إلى قائمة علماء النفس التربوي،فإذا اسمُه قد سبقَ سبقاً بعيداً إليها أيضاً..
وبقيَ فقط-كما يعرف مَنْ لديه أدنى وصال بحياته المعرفية-عِــلمٌ واحدٌ،لم يظهرْ لحجةِ الإسلام اسمٌ بين أسماء المتخصصين فيه،بل لعله كانَ دون مستوى المشاركة فيه أيضاً..وهو ( عِلمُ الحديث في روايته وجرحه وتعديله )،وهو ذاته قد اعترفَ بذلكَ عن نفسه،ويبدو أن السببَ الرئيسَ في نضوبِ إرثه الزاخر من هذا العِلم كما ذكر علماءُ التراجم والسِّيَر الثقاتِ في كتبهم-كالإمام السبكي في طبقاتِ الشافعية،وكابن العِماد في شذرات الذهب-كان لأنه أخذ يشتغلُ بعلم الحديث في آخر أيامه،ولكن الموتَ عاجله ولمَّا يُنجزْ في ذلكَ إلا النزرَ اليسير...
ــ أما الميزة الثانية..فهي منهجيته الفكرية الدقيقة التي لازمتْ طرَحَ كتاباته ورسائله وردودِه،أيًّا كانَ الموضوع أو العِلم الذي يُعالجه،إلى جانب ما أوتيَ من القدرة العجيبة النادرة على إفراغ المعنى في صياغةٍ دقيقةٍ وعبارةٍ رشيقةٍ،وتطويع الأداة اللغوية لتصوير ما يريدُ أن يُنهيَه إلى ذهن القارئ من المعاني والأفكار...
وقد تساءَلَ كثيرٌ من أساتذتنا الكبار..كالدكتور زكي نجيب محمود..كالدكتور عبد الرحمان بدوي...كالدكتور سليمان دينا في تحقيقه لـ ( تهافت الفلاسفة )...وتساءلنا-نحن التلامذة-أيضاً عن مصدر هذه المزية الثانية العجيبة لديه ؛ أهيَ مَلكَة ٌفِطرية ٌفطرَهُ الله تعالى عليها ومِن ثـمَّ فهو منذ نشأته العلمية الفكرية الأولى كان يتناولُ المباحثَ والمسائلَ العلمية المختلفة بتلكَ الطريقة المستقرأة الممنهَجَة الفريدة..؟؟ أم هي أثرٌ خلـَّفتـْهُ في فكره وقناعاته دراساتتُهُ المنطقية والفلسفية المستوعِبة،فتمرَّسَ فيها وعرَكها ذهنـُه الوقادُ،واعتادَ عليها،ولازمَها في كل سطر يكتبه ويؤلف فيه..؟؟!!!
فأيًّا ما تكونُ احتمالاتُ الإجابة..فإن الواحدَ منا لا يكاد يقرأ لحجة الإسلام بحثاً في أيٍّ من العلوم النقلية أو العقلية التي بَرع فيها إلا ونجده يسيرُ بنا في تحليل هذا البحث ودراسته من خلال منهجٍ استقرائي عجيبٍ في دقته واستنتاجاته..!!
إنه يبدأ بتفتيت كل مسألةٍ إلى أجزائها..ثم يأتي إلى تلك الأجزاء ليضعنا أمام جزئياتها التي تجزأتْ عنها وتفرعتْ،ثم يضع كل الأجزاء-بجزئياتها-تحت مجهر السبر والتقسيم،ويُخضعها جميعاً لاستقراء الاحتمالات العقلية الكاملة،ثم يبدأ في نقدِ تلك الاحتمالات،ويُغربلها في منخل العقل الموْضوعي واحداً إثرَ آخر،ويكشف عما قد يكون في تضاعيف كُلٍّ منها من الزغــل والبطلان،إلى أن ينتهي به منهج السبر العقلي وطريقة الطرح والإسقاط إلى مَكمَن الحق ومنبعِه بين تلكَ الفرَضيات والاحتمالات كلها،فيُمعِنُ عندئذٍ في تجليته وصقلِه باستخراج البراهين العلمية المتفقة مع نوْع ذلكَ العلم وطبيعته،ثم لا يتركه إلا وقد حصنه في سور من القناعةِ العلمية داخلَ كِسْوَةٍ من البيان الرائع والأسلوب المُبَسَّطِ الأخاذ...
ولنا أن نقرأ مثلاً كلامَه في كتابه ( المستصفى )،وكذا كتابه ( تهافت الفلاسفة ) وشرْحَه المستقرئ العجيب لما سماه بـ (( سبق الوهم إلى العكس ))..وهي النظرية التي زعمَ العالم الفيزيولوجي المعروف ( بافلوف ) أنه واضعها،وسماها ( نظرية المنعكس الشرطي )،مع أن حجة الإسلام قد شرحها وأفاض فيها فيْضا علميا فريداً قبل ذلك بقرون طوال..!! وكتاب ( المستصفى ) أمامي الآن،ولكم أن تفتحوا الجزء الأول منه ص: 59 وما بعدها لنتأكدَ من قدرته الفذة في الاستقراء والاستنتاج والسبق...!!
ولنا أن نقرأ مثلاً استرساله الاستقرائي الفريد في رده على الفلاسفة بخصوص تصورهم لـ ( حتمية العلاقة بين الأسباب والمسببات )،ولنتأملْ بيانه في مناقشتهم مناقشة موضوعية ًلا مجالَ فيها للهوى والعاطفةِ وجموح الرأي أبداً في كتابه التليد ( تهافت الفلاسفة )..والكتابُ أمامي،فلنفتحه ص : 235 وما بعدها..!!!
ولنا أن نقرأ مثلاً ذخائرَ بدائعه عن ( وظيفة النقد-القيمة المالية-) في المجتمع،لنرى السبقَ العجيبالبديع لباحثٍ،عاش في القرن الخامس الهجري بهذا التحليل الاقتصادي الفلسفي،وبهذا الطرح العميق الاستباقي والمضمون المشرق في الأسلوب الأخاذ...فلنفتح الجزء الرابع من كتابه الزاخر ( إحياء علوم الدين )،ولنتوقف عند صفحة : 95 وما بعدها لنرى...!!!
وبَــعْـــدُ....
تبقى بعد ذلك أسئلة ٌ،كانتْ-وما تزال-مَحَــلَّ جَدَل فكري وفلسفي وتأصيلي بين كثير من الباحثين والدارسين والمفكرين حولَ نقاطٍ معينةٍ في حياة وفكر أبي حامدٍ رحمه الله...
منها مثــلاً :
ــ هل كانَ أبوحامدٍ فيلسوفاً بالمعنى الاصطلاحي-لا اللغوي والعُرفي-للفظةِ فلسفة..؟؟
ــ هل ما ألصقَ به من انحرافاتٍ فكريةٍ وفلسفيةٍ-على بساط النقد العلمي،الفلسفي،التمحيصي الراسخ-حقائقُ أم مَحْضَ أوهام..؟؟
ــ هل كانت رحلته الفكرية والوجدانية الشهيرة من ( الشك ) لـ ( اليقين ) – من خلال ما أفصحَ عنه وأبانَ في ( المنقذ من الضلال ) –تجربة ذاتية ً،عاشها حقيقة ً،أم أنها معايشة ٌمنه في الفكر لا الممارسة،وفي التصور لا الواقع..؟؟ ما المبرراتُ الموْضوعية في كلتا الحالتيْن..؟؟
ــ ما الدافعُ الحقيقيُّ الذي جعله-وهو في قمة شهرته الفكرية والعلمية والفقهية ببغدادَ-أن يدخلَ سلكَ الخاملين والزهَّادَ..؟؟
لعلَّ أمدادًا من عِلمِ وآراءِ ومناقشاتِ أحبابنا تفي الغرضَ،وتفتح آفاقاً لصالوننا النقدي...والله تعالى أعلم...