الميعادُ الأخير ضمن سلسلةِ مواعيدِ العُمرِ على وشكِ أنْ يحين .. وأنا هُناك أرقبُ حضورَ أنثى قَطَعَت على نفسِها عهداً بأنْ تكون هذه ليلةُ التحلّلِ منْ مجرّد رجُلٍ ـ على حدْ تعبيرها ـ وأقسمَت على ذلكَ أخر لقاءاتها بذاكَ المجرّد إلا منها ـ حسَب ما أراهُ أنا ـ ومازلتُ أرقبْ .
أجلس على كومةِ القشِّ في مدخلِ الكوخ أعلى الجبَلْ تـَارة .. فماألبثُ أن أقفُ قبيل نهاية الدرب المؤدّي إلى نفسِ الكومة .. وذاتِ المدخل .. أتطلّعُ لأطيافِ أنثى باسقة ذات أغصانٍ دانية .. أتطلّعُ إل كلْ ذلك رغم الظلام الذي بدأت تخالطُه ذرّاتُ غبارٍ هدأت ريحها قبلَ قليل ، ربْما ثقةً في إلتزامها بخاتم المواعيد .
باقٍ من الزمنِ ثلاث ساعات ..
وإحدى عشرَة دقيقة .. ومازالَ الترقب مستمراً .
لتمرّ الساعة الأولى .. فقط ساعة دون ثوانٍ حتّى .. وفي لحظة مرورها إستقبلتُ الكوخَ الذي شهدنا كثيراً وسيشهدُ عمليّة إنسلاخنا من بعضنا هذه الليـلة .. وللدروب التي من المحتمل أن تأتِ بها أدرتُ ظهري .. وقلبي لنهايات نفس الدروبِ راصد .
لا أعلمُ لماذا أحسستُ ببكاءِ الكوخِ .. والذي بدأ يعلو داخلي حدْ أطراف النحيبْ .. كوخٌ من أخشابٍ وسعفِ نخيل .. يمارسُ الحزنَ أعلى قممه .. وتحت جُنحِ السوَاد .. أسمعتم بالبكاء البالِ .؟! هوَ ذاكَ بعينه وكلّ قشّةٍ فيه .. على وشكِ زوال .. فلو كانت الريح التي مرّت من هنا أقوى بقليل .. لعادت كل الأخشاب .. والسعف إلى حيثُ كانت قبل موتها .
كل المشاهد بما فيها الكـوخ .. وأنا .. والجبل والدرب المحتمل حضورها فيه .. كل / كل المشاهد كانت توحي بما يشبه الموت .. أو ربما هوَ .. ومايدريـني .. فلمْ أمتْ قبل هذا .
فما إزددتُ إلا ذهولاً وإحتضاراً فالوقت كأنَّه تأثرَ بمراسم الدفنِ فتوقفْ ، لدرجة رؤيتي لأكفانٍ بيضٍ على رفوف الريح .. حتى كومة القشْ تلك كان هناك لها كفنٌ مستديرٌ يتسع لإحتواءها كحُضْن .
كُلُّ إحساسٍ ينتمي لذاتي تلاشـَى .. ماعدا إحساس الرغبة في البكـاء .. وبشدّة أيضاً .. فجسدي ملأتُه الدموع التي لم تكن كسابق عهدها .. فهذه المرّة حرقتها داكنة .. ووفرتها تشربنـي كإحتساء السراب .. أو ماءٍ أشبه بالسراب .. وربما الإثنـَان معاً .
وعند لحظة الصفْرِ إحتمـالاً لثقلِ الموقف .. ولا إراديّاً .. إرتميتُ أنا وبقايا صورٍ كانت تستعرضني .. ولحظاتٍ مضت ستُطلَقُ عليها أكثر من رصاصة تنكيل بعد حين .. جميعنا نتوسطُ الكومة المعتادة على هذا الجسد المنهك حدْ الغيبوبة .. والغياب جوف قشٍّ من عذاب .
ونسيتُ نفسي ورفاقها مرغمٌ كقشةٍ .. وحدْ موجةٍ عارمة .. تركلها منها إلى موجةٍ أخرى .. تأهباً لتنفيذ القدَر .. والساحات المائية .. التي تتوشحُ بالأحمر .. فبدأت أنفاسي تضيقُ تارة .. وتغرغرُ بملحِ الأمواج تارةً أُخـرى .. ومابينهما فقط .. كمٌّ من شهقاتٍ تترقب أنثاها .
ولجمال الصور .. والمشاهد .. التي كانت تستعرضني قبل تلك الإرتـماءة .. سرقتني جميعها من ألسنة الموج .. ولهب الملح .. وإعدامٍ الظُـلمِ غرقاً .
فهذه أكثرها جمالاً .. وقسوةً .. فكلما زاد الجمال في تلك الصور .. زادت القوة في إنتزاعي من أقصى أعماقي المتشبثة بها أقصى عمقٍ منها .. حفاظاً .. وخوفاً على إنتزاعٍ بلا عودةٍ لأغواري .
نعـَم .. هذه صورةُ ماتفوّهنا به أوّل مرة .. تطايرُ الحروف في الصورة محكَم .. وألوانها زاهية .. حتى زاوية الإلتقاط كانت جدَّاً حـادة .. مما زاد من حدة أحاديثنا تلك .. وإصغاء جدران الكوخ الحزين .
وهـذه .. صورةٌ عديدة لأنامل اللقاء بعد ساعات غياب .. يـااااااهـ .. كانت لسعات الكهرباء الكامنة في شعرها كفردوسٍ .. أو لحظات إنتشاءٍ بنهر الخمْر .. أو الإقتراب من حوضه .. هذه أكثر الصور لسعاً لداخلي .. وألذها سكـوناً في جوفي .
وثالثـة هاهـيَ .. حين كنّا نطاردُ أشرطة شعرها التي تتخطْفها الفراشـَاتُ من المسْ .. فينهكنا الركض وراء الفراشات .. ولكنْنا نشعرُ بالطيران لا الركض .. متخذين من بياض كلِّ شريطٍ جناحاً .. أو بساطاً للريح العبقة بخصلاتها المجنونة بأنسام الريح .. والصبا النجديّة المُبعثرة .
وصورةٌ تلوَ صـورة ..
صورةٌ لها .. وأُخرى لها معي ..
وصورةٌ لقدومها عابرةً من خلالـي ..
وكلّ المشاهد يشنقني مخرجها .. عندما يعيد التصوير .. فيبدو كل مشهدٍ منها سحيقَ موتٍ .. وإحتراق يتكـرّر في أشلائـي .. لحظةً .. بعد لحظة .
وبينما مياسمِ الصور تكوي ذاكرتي .. وجسدي مُسجىً على قشٍّ من سَقَر .. وقعَ في أذني وقعُ خُطـى .. كـ "دو" .. "ري" .. "مي" .. وهكـذا .
في قلبي ساعةٌ دمويّة تقول بأنّه مر على ترقبي ثـلاثُ ساعات .. وبضع دقائق .. فمؤشر الدقائق قد توقفَ إبان الترقب .. عندما أغرقه النبض .. والدم .. والأنفـَاس .
لتبـدأ محاولاتي في الإفاقـة وإستعادتي واعيـاً .. وصحواتي كي أتمكن من الإحتفال بالإحتضـَار القادم نحوي .. أو نحونا وكوخنا .. لافـرْق .. ومازلتُ أجاهدُ كُلي لأنهض .
وبينمـا أنا كذلكـ ....
توقف السلّمُ الموسـيقي آنف الخطو نحوي .. لكنني بدأت أشعرُ بإقترابِ روحُها نحو مركزي .. فدنوّها منّي له مظاهر مغناطيسيّة تعتـريني .. وتتضـح على معالمي جميعها .
وبعد عناءِ المحـاولات المجهدة .. تمكنتُ من التخلّص من كومتي .. وإبتعدتُ قليلاً عن أعوادها المهترئة .. فحطَّت على كتفي الأيسر غيمةٌ تشبه راحة يمينها ذاتَ تعرّقٍ مازال يبلّلني ندىً .. ومطراً .. وحبّات برَدٍ لاتذوب .. ساعدتني وأثقـالي على النهوض .. وأسندَت بعضي على جدارِ الكوخِ الباكِ .. وبعضاً أخر على كتفها وبعضِ أضلعٍ تتنفسني .
أما البعض الأكثر .. فمازلتُ أفتقده .. إنصهرَ مع إقتراب موعدها .. وتنفيذ حكمها .. وقسمها .. أو أنَّي ظننته كذلك .. الأكيد أنَّه لم يكن بيننا .. ولا بين دفّات الشاهد الخشبي على عمرٍ مضى .. وسينقضي قريباً .. وقريباً جدّاً .