تحية لكم يا أهل المنابع الأدبية الراقية ..
وعذراً لأن مجمل ظروفي لا تسمح لي بالتعبير
عن مقدار حبي لمنتداكم المتميز والنشيط
وأرجو لكم كل توفيق ..كما أرجو قبول مشاركاتي القليلة والمتواضعة ..
قصّة مشتركة
من صخب وتلوث المدينة جئت ..في صدري حبّ جارف عميق للطبيعة الساحرة الهادئة
التي تلبس في كلّ وقت رداء مختلفاً .. لطالما سمعت عن جمال الريف وسحره
ولكنني لم أكن أتوقع أنّه يختزن كل هذا البهاء .. وبعد أشهر من التجوال ومن
زراعة كل أنواع الورود قرب كوخي المتواضع ..وجدت نفسي متعلّقاً بشجرة
نسرين ..جذبتني إليها رائحتها الفريدة الفوّاحة ..الزكيّة والخفيفة ..
والنسرينة شجيرة برّيّة من عائلة الورد الجوري يصل طولها إلى طول قامة الانسان ..
تتكائف وتمتد لتصبح دغلاً شائكاً لا يمكن الاقتراب منه ..
زهورها بيضاء ناصعة لها مياسم صفراء طويلة ..
حفظت الكثير عن هذه الشجيرة وعشقتها ..وتعهدتها
بالتشذيب والتنظيف ..إلى أن حدث شيء غريب لا يمكن فهمه أبداً ..
ففي ذات يوم غفوت بجانب أجمة النسرين ولم أستيقظ إلا على صوت طفل وليد
يبكي ..وشعرت بالرعب وأنا أرى الطفل عالقاً بين جذوعها الشائكة ..
كان طفلاً جميلاً جداً وديعاً إلى أبعد الحدود ..ولم أستطع انتشاله من بين
الجذوع ..فاستنجدت بجار لي ..وفوجئت بأن الجار يستغرب مني أشدّ
الاستغراب ما أقول وسألني بدهشة: أين الطفل ؟ أنا لا أرى إلا كتلاً خشبية على الجذوع
تشبه شيئاً ما ..وأدركت أنّ في الأمر سرّاً ..فهذا الطفل غير مرئي ..
وأنا وحدي فقط أراه ..ولكنني .. لا أستطيع إنقاذه بمفردي..و لا أستطيع تركه أيضاً ..
وقلت لجاري ضاحكاً لأخفي حيرتي : ولكن بربّك إلا تشبه هذه الكتل الطفل ؟
قال جاري : ربّما ..ولكنك فارغ الأشغال ياجار ..ولذلك تجلس وتتخيّل ...
ولو كنت مشغولاً مثلي ..لتجاهلت حتّى الأشياء الحقيقيّة ..بالله عليك تعال وساعدني
في نقل بعض التراب إلى أرضي الفقيرة هناك قرب مغارة السلاحف ..قلت له بأسى :
مستحيل يا جاري العزيز ..أنا لا أجرؤ على حمل أيّة أثقال ..فظهري يؤلمني ..
سأدعو لك بالتوفيق ..فاذهب في رعاية الله .. هزّ جاري رأسه وانصرف ..
وبدأت رحلتي مع الطفل العجيب ..طفل يزداد جمالاً كلّ يوم ولكنّه عالق بين الجذوع الشائكة ..
لا يستطيع فعل أيّ شيء غير النوم والأكل .. وهو يزداد حزناً وألماً مع ازدياد وعيه ومعرفته ..
وأنا ازداد ضعفاً وحيرة ..لماذا.. لماذا وجدت نفسي رهينة لهذا الوحش البريء الجميل ..؟
وقد استطعت إطلاق اسم الوحش عليه بعد أن تبين لي أنّه شره جداً لكل أنواع المدد
المادي ..من غذاء وحنان ورعاية ..يأخذ ويأخذ ويأخذ ولا يعطي شيئاً مطلقاً
إلا التعبير عن الفرح والسعادة بالأخذ وعندما أتأخر في إمداده بأسباب التسلية أو
الغذاء أو النظافة تبدو عليه إمارات اليأس والإحباط ويعبّر بعينيه وحركات بدنه
عن كره الحياة والرغبة في الموت ..وعندما أحاول تعليمه أي شيء يستجيب لي
لدقائق فقط ثم ينهار تماماً نعاساً أو ضجراً أو جوعاً أو حزناً ..وبين الأمل واليأس
وجدت نفسي عالقاً كما هو عالق .. وأصبح الطفل طويل القامة وبدأ يتشمم ورود
النسرين البيضاء ويبتسم .. أمّا أنا فقد أيقنت تماماً أنّ الطفل لن تدبّ إليه الروح
التي حسبت أنّها ستدبّ فيه ..وسيبقى جسداً فقط ..وأيقنت أني سأبقى إلى
أمد لا أعرف متى ينتهي أسيراً لواجب رعايته ..فهو عاجز .. وهو يستمدّ الروح
منّي ويعيش على كدّي ..لوحده سيموت .. ومعي سيحيا الحياة التي لن تتجاوز
أن يكون فيها فماً أكولاً وجفناً ناعساً كسولاً وقلباًً متفرجاً على ما حوله ..يتسلّى
باهتمامي به ويضجر عندما أغفل عنه ..أمّا النسرينة فمشغولة بنفسها .. سائرة
على طريقتها في الحياة .. تزهر وتثمر وتعرى ثم تبرعم وتزهر من جديد ..
وفي يوم ما سيتوقف ذلك ..أحدنا سيسقط .. وقصتناالمشتركة ستنتهي ..