...العَفوَ..العفوَ أخي الكريم...
فإنما-واللهِ-كما أقولُ دائماً ؛ هو جُهْدُ المُقِلِّ..وما نحن في الحقيقيةِ إلا لبِناتٍ متواضِعاتٍ،نسعى بما فتحَ اللهُ به علينا أنْ نشُدَّ من أزر هذا الجدار اللغوي الذي يكادُ يَنقضُّ في الألسن والأقلام إلا منْ رحِمَ اللهُ تعالى....
- أما بالنسبةِ للإشكاليةِ اللغويةِ التي عرضتَ في عبارةِ ( القبائل البدائية ) ومن أنَّ الإشكالَ اللغوي في اسمِ النسبةِ ( البدائية ) وهل الصوابُ في ( البِدائية )-بكسر الباء- أم الصوابُ في ( البُدائية )-بضم الباء أو فتْحِها-أم أن كليْهما صوابٌ..؟؟
والحقيقةُ-أخي الكريم-أني أعودُ وأقولُ : إن هذه اللفظةَ تنضافُ مرةً أخرى إلى كَمِّ الألفاظِ العربية الهائل الذي أصابَهُ رَشاشٌ من اللحن والغلط والخطأ البيِّن،فصارتْ في كتاباتِ الناس وألسُنِهِم تجرى مجرى الصواب الطبيعي،وقليلٌ أولئكَ الذين تَعِنُّ منهم التفاتَةُ تصويبٍ أو تقويمٍ...!!!
سريعاً-أخي الكريم-نقررُ واثقينَ،مُطْمَئنينَ أن اللفظَ الشائعَ ( البِدائية )-بكسر الباء-خطأ إملائي ومَعنوي جسيمٌ،وأنَ الصوابَ الإملائيَّ المَعنويَّ القياسيَّ الذي لاَمِراءَ فيه ولا تَمَحُّلَ هو اللفظُ ( البُدائية )-بضم الباءِ-أو ( البَدائيةُ ) بفتح الباء...
التعليل :
أولاً ؛ لفظةُ ( بِدائية )-بكسر الباء-لاَ وُجودَ لها أصلاً في اللسان العربي الجزْل كاسمٍ منسوبٍ لياءِ النسبةِ،أو حتى على اعتباره-إذا جاز الاعتبارُ هنا-مصدراً صناعيًّا مُنْتَهٍ بياءٍ مشددةٍ وتاءٍ مربوطةٍ...
ما قالَ بها أحدٌ-على حَدِّ علمي-من الأولينَ والآخِرينَ الثقاتِ،ولم تردْ في إرثهم الشعري أو النثري بصور الباءِ المكسورةِ أبداً...
وإنما الذي ورَدَ-بالبحث والنقد والتمحيص-كان في اللفظ الاشتقاقي ( بِداية )-بكسر الباء وإثبات الياء-وهل هي الأصوبُ أم ( بُداءَة )،بضم الباء وبهمزةِ قبلَها مَدٌّ..؟؟...فذهبَ بَعضُهُم-في نقاشٍ يطولُ شرحُه-كالعلاَّمة المَطرزيِّ مثلاً في مصنفه ( المغرب في ترتيب المُعرب ) أنَّ ( بِداية ) لفظةٌ عامِّيَّةٌ في الأصل لا ترقى للفصيح الجزْل..وقال بَعضهُم-كالعلاَّمة ابن القطّاع-إنها من خصوص لغةِ أنصار المدينة،وهي من فصيحهم الغريب،إذ يقولون في بدأتُ ( بَدِيتُ )،وراحَ يستدلُّ بقول عبد الله بن رواحة-رضي الله عنه-في زجْلِه المشهور :
باسمِ اللهِ وبه بَدِينَا ** ولو عبَدْنا غيْرَه شَقِينا
وقالَ آخرون : إن أهلَ المدينة ومَنْ حَذَا حذْوَهُمْ إنما يَقلبون الهمزة ( بَداءَة ) ياءً للتخفيف فقط ( بِداية )،إذ الأصلُ هو الهمزة لا الياء...
والذي ترجَّحَ عند جمهورِ النُّحَاةِ المتأخرينَ أنها من الفصيح الذي كان منحَصِراً في بعض البطون العربية،ثم شاعَ استعمالُه بعد ذلكَ في النثر والشعر،بدليل أن مُصنفاتٍ ضخمةً،لمْ يَجدْ أصحابُها غضاضةً أن يُعَنْوِنُوها بها،كـ ( البداية والنهاية ) للحافظ ابن كثير و ( بداية المجتهد ونهاية المقتصد ) للقاضي الفيلسوف أبي الوليد محمد بن رشد... إلخ....
أما مَحلُّ إشكالنا..فالصوابُ-أخي-كما قلتُ،هو أن نكتبَ ونقولُ ( القبائل البُدائية )-بضم الباء-أو ( القبائل البَدائية )-بفتح الباء-لأن الْـ ( بُداءة ) أو ( بَداءَة ) مأخوذة من أصل صورة المصدر الدال على المعنى ( البَدْء ) بالفتح،وليْسَ ( البِدْءُ ) بالكسْر...
والبُدائيةُ في عِلمِ الاجتماع-كمصْطلح مُعتَمَدٍ-هي : الطوْرُ الأولُ من أطوار النشوءِ...والله تعالى أعلم...