زهيربن أبي سلمى
هو زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رباح المزني، قاضي الشعراء، من قبيلة مزينة إلا أنه نشأ في بني غطفان وكان ذلك سبباً في أن يضطرب الرواة في نسبه، فظن بعضهم أنه غطفاني القبيلة وهو في الحقيقة مزني النسب غطفاني النشأة، وقد صرح ابنه كعب بهذا النسب في بعض شعره حيث قال:
هم الأصل مني حيث كنت وإنني
من المزنيين المصفين بالكرم
نشأ زهير وترعرع في بني غطفان وهو من بيت كلهم شعراء وورث الشعرعن أبيه فقد كان شاعراً كما ورث الشعر عن زوج أمه أوس بن حجر، وكان ابنه كعب وبجير وكذلك أخته الخنساء شعراء.
عاش زهير بن أبي سلمى في كنف خاله بشامة بن الغدير وكان شاعراً مجيداً كما كان سيداً شريفاً ثرياً. يقول محمد بن سلام الجمحي : " كان كثير المال وكان ممن فقأ عين بعيره، وكان الرجل إذا ملك ألف بعير فقأ عين فحلها ."
لم يكن لبشامة ولد، فلما حضرته الوفاة جعل يقسم ماله في أهل بيته وأعطى زهيراً نصيباً منه. ويروى أنه قال له إني أعطيك ما هو أفضل من المال، فقال زهير: ماهو؟ فقال له: شعري.
تزوج زهير مرتين الأولى هي أم أوفى التي يذكرها في مطلع معلقته :
أمن أم أوفى دمنة المتكلم
فحومانة الدِراج فالمتثلِم
أنجبت له أم أوفى ثلاث من الولد إلا أنهم توفوا جميعاً، وبعد طلاقه منها تزوج من كبشة بنت عمَارالغطفانية، وهي أم أولاده كعب وبجير وسالم الذي توفي في حياة زهير. قيل أن زهيرا كان ينظم القصيدة في شهر ويهذبها في سنة فكانت قصائده تسمى الحوليات.
هو أحد الثلاثة المقدمين على سائر الشعراء امرئ القيس والنابغة الذبياني"، وهناك من فضّل زهيرا وإلى مثل هذا الرأى ذهب العباس بن الأحنف عندما سُئل عن أشعر الشعراء. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه شديد الإعجاب بزهير، أكد هذا ابن عباس رضي الله عنهما إذ قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول غزوة غزاها فقال لي: أنشدني لشاعر الشعراء، قلت: ومن هو يا أمير المؤمنين ؟ قال: ابن أبي سلمى، قلت وبم صار كذلك ؟ قال: لا يتبع حوشي الكلام ولا يعاظل بين القول ولا يمدح الرجل إلا بما فيه، فلم يزل ينشده، وقد أيد هذا الرأي كثيرون منهم عثمان بن عفان رضي الله عنه وعبدالملك بن مروان واتفقوا على أن زهيراً هو صاحب أمدح بيت وأصدق بيت قالته العرب وهو:
أمدح بيت:
تراه إذا ما جئته مُتهللاً
كأنك تُعطية الذي أنت سائله
وأصدق بيت:
ومهما تكن عند امرئ من خليقةٍ
وإن خالها تخفي في الناس تُعلمِ
اتصل الشعر في بيته اتصالاً لم يعرف لشاعر ممن عاصروه، فقد كان أبوه وخاله كما قدمنا شاعريين، وأختاه سلمى والخنساء أيضاً كانتا شاعرتين، كما ورث عنه الشعر ابناه كعب صاحب " البردة " وبجير.
عاش زهير يعلم الشعر ابنيه كعباً وبوجيراُ وأناساً آخرين أشهرهم الحطيئة، فقد كان يلقنهم شعره ويروونه عنه ولا يزالون يتلقونه حتى تنطبع في أنفسهم طريقة نظم الشعر وصوغه وهو في أثناء ذلك يمتحن قدرتهم بما يلقي عليهم من أبيات يطلب إليهم أن يجيزوها بنظم بيت على غرار البيت الذي ينشده في الوزنوالقافية.
وإذا استعرضنا شعر زهير وجدناه ينظم في المديح والغزل ووصف الصيد والهجاء، ويظهر جلياً في شعره الحكمة ووصف مكارم الأخلاق، ففي المديح تظهر معلقته التي نظمها مشيداً بهرم بن سنان والحارث بن عوف حين سعيا بالصلح بين ذبيان وعبس في الحرب المشهورة بينهم داحس والغبراء فقد أعلنا أنهما يتحملان ديات القتلى ويقال أنها كانت ثلاث آلف بعير أدياها على ثلاث سنين، هذا الموقف جعل زهير يشيد بهرم بن سنان والحارث بن عوف في معلقته وظل طول حياته يمدح هرماً ويمجده وهرم يغدق عليه العطايا، ومما يروى أن هرماً حلف أن لا يمدحه زهير إلا أعطاه ولا يسأله إلا أعطاه ولا يسلم عليه إلا أعطاه عبيداً أو وليدة أو فرساً، فاستحيا زهير مما كان يقبل منه فكان إذا رآه في ملأ قال: عموا صباحاً غير هرم وخيركم استثنيت.
ومما يروى أن عمربن الخطاب قال لولد هرم: أنشدني بعض ما قال فيكم زهير، فأنشده:
قد جعل المبتغون الخير من هرمٍ
و السا ئلون إلى أبوابه طرقا
من يلق يوماً على علاته هرماً
يلق السما حة منه والندى خلقا
هو الجواد فإن يلحق بشأوهما
على تكاليفه فمثله لحقا
أو يسبقاه على ما كان من مهلٍ
فمثل ما قدما من صالح سبقا
فقال عمر: لقد كان يقول فيكم فيحسن، فقال: يا أمير المؤمنين إنا كنا نعطية فنجزل،فقال عمر:
ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم.
وقال أيضاً في مدح هرم:
قف بالديار التي لم يعفها القدمُ
بلى و غيرها الأرواح والدـيمُ
وأن عيني وقد سال السليل بهم
وعبرة ما هم لو أنهم أمــمُ
عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه أنه ُأُنشد له الأبيات التاليه لزهير في مدح هرم بن سنان:
دع ذا وعد القول في هرم ٍ
خير الكهول وسيد الحضرِِ
حَدبٌ على المولى الضريك إذا
نا بت عليه نوائب الدّهر
ويقيك ما وقّى الأكامَ من
حُوبٍ تُسبُّ به ومن غَدر
لو كنت من شىء سوى بشر
كنت المنور ليلة البدر
وأراك تفري ما خلقت وبعض
القوم يخلق ثم لا يفري
فقال عمر: ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن روائع شعر زهير بن أبي سلمى معلقته المشهورة بمدح هرم بن سنان وبالحكم
و المواعظ حتى أن نقاد الشعر أعتبروه حكيم العرب في ذلك العصر.
قال عمر بن الخطاب لابن زهير: ما فعلت الحلل التي كسا ها هرمٌ أباك ؟
قال: أبلاها الدهر. قال: لكن الحلل الذي كساها أبوك لهرم لم يبلها الدهر.
قالوا عن زهير:
إنه حكيم الشعراء في عصره. والكثير من رواة الشعر يفضله على شعراء عصره.
كان له من الشعر مالم يكن لغيره من شعراء زمانه.
كانت معلقته من أروع المعلقات لما فيها من الحكم و العبر. وكثير من أشعاره مليئة بالإيمانيات والقيم الإنسانية والأخلاق الحميدة التي نادى بها الإسلام، يقول زهير في معلقته:
فَـلاَ تَكْتُمُنَّ اللهَ مَا فِي نُفُوسِكُـمْ
ِليَخْفَـى وَمَهْمَـا يُكْتَمِ اللهُ يَعْلَـمِ
يُؤَخَّـرْفَيُوضَعْ فِي كِتَابٍ فَيُدَّخَـرْ
ليـوْمِ حِسَـابِ أَوْ يُعَجَّلْ فَيُنْقَـمِ
وَمَا الحَـرْبُ إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُـمُ
وَمَاهُـوَ عَنْهَا بِالحَـدِيثِ المُرَجَّـمِ
مَتَـى تَبْعَـثُوهَا تَبْعَـثُوهَا ذَمِيْمَـةً
َتَضْـرَ إِذَا ضَرَّيْتُمُـوهَا فَتَضْـرَمِ
فَتَعْـرُكُكُمْ عَرْكَ الرَّحَى بِثِفَالِهَـا
وَتَلْقَـحْ كِشَـافاً ثُمَّ تُنْتَجْ فَتُتْئِـمِ
فَتُنْتِـجْ لَكُمْ غِلْمَانَ أَشْأَمَ كُلُّهُـمْ
كَأَحْمَـرِ عَادٍ ثُمَّ تُرْضِـعْ فَتَفْطِـمِ
فَتُغْـلِلْ لَكُمْ مَا لاَ تُغِـلُّ لأَهْلِهَـا
قُـرَىًبِالْعِـرَاقِ مِنْ قَفِيْزٍ وَدِرْهَـمِ
وأَعْلـَمُ مَا فِي الْيَوْمِ وَالأَمْسِ قَبْلَـهُ
وَلكِنَّنِـي عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَـمِ
رَأَيْتُ المَنَايَا خَبْطَ عَشْوَاءَ مَنْ تُصِبْ
تمِـتْهُ وَمَنْ تُخْطِىء يُعَمَّـرْ فَيَهْـرَمِ
وَمَنْ لَمْ يُصَـانِعْ فِي أُمُـورٍ كَثِيـرَةٍ
يُضَـرَّسْ بِأَنْيَـابٍ وَيُوْطَأ بِمَنْسِـمِ
وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْروفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ
يَفِـرْهُ وَمَنْ لا يَتَّقِ الشَّتْـمَ يُشْتَـمِ
وَمَنْ يَكُ ذَا فَضْـلٍ فَيَبْخَلْ بِفَضْلِـهِ
عَلَى قَوْمِهِ يُسْتَغْـنَ عَنْـهُ وَيُذْمَـمِ
وَمَنْ هَابَ أَسْـبَابَ المَنَايَا يَنَلْنَـهُ
وَإِنْ يَرْقَ أَسْـبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّـمِ
وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْرُوفَ فِي غَيْرِ أَهْلِـهِ
َيكُـنْ حَمْـدُهُ ذَماً عَلَيْهِ وَيَنْـدَمِ
وَمَنْ يَعْصِ أَطْـرَافَ الزُّجَاجِ فَإِنَّـهُ
ُبطِيـعُ العَوَالِي رُكِّبَتْ كُلَّ لَهْـذَمِ
وَمَنْ لَمْ يَذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلاحِـهِ
ُيهَـدَّمْ وَمَنْ لا يَظْلِمْ النَّاسَ يُظْلَـمِ
وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مَنْ خَلِيقَـةٍ
وَإِنْخَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَـمِ
وَكَاءٍ تَرَى مِنْ صَامِتٍ لَكَ مُعْجِـبٍ
زِيَـادَتُهُ أَو نَقْصُـهُ فِـي التَّكَلُّـمِ
لِسَانُ الفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُـؤَادُهُ
فَلَمْ يَبْـقَ إَلا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالـدَّمِ
كان زهير من المعمرين، وتقول الروايات أنه بلغ نحو من مئة عام، فقد استنتج المؤرخون من شعره الذي قاله في حروب داحس والغبراء أنه ولد نحو سنة 530م أي عاصر امرئ القيس وطرفة في مولده إلا أنه قارب ظهورالإسلام فقد كانت وفاته قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بفترة وجيزة ومما يدل على عمره المديد سأمته تكاليف الحياة كما ورد في معلقته حيث قال:
سئمت ُتكاليف الحياة ومن يعش
ثمانين حولاً لا أبا لك يسأمُ.