...إشكاليةُ التحدثِ بالفصيح السليم من اللغةِ العربيةِ الفصحى وسطَ هذا التحدي الهائل الذي تعانيه هذه اللغة-من تمييعٍ واغترابٍ وتشويهٍ في الألسن والأقلام-ولأسبابٍ كثيرةٍ ومعقدةٍ،حالتْ دونَ الحضور الحضاري المطلوب لللغةِ العربيةِ،كلغةٍ ساميةٍ رائدةٍ لها من آلياتِ البقاء والاستمراريةِ والديْمومةِ ما لللغاتِ ( الحيةِ ) الأخرى من عواملَ الحِيازةِ والتسيد والمواكبةِ العصرية...إشكاليةُ التحدثِ باللغةِ العربيةِ-أختي ومعلمتي البديعة غاردينيا-إشكاليةٌ متشابكةٌ ومعقدةٌ،ولها أسبابٌ وجذورٌ،ليستْ وليدةَ اليوم أو البارحة...
فإنَّّ ( الانحسارَ الحضاري ) الذي ضربَ الأمةَ منذ قرون وحَجَّمَ طاقتَها الإبداعيةَ..وإن تراجُعَ الوعي الجماعي وانهزام اللسان العربي أمامَ موْجاتِ التهجين الثقافي المختلفة-بما في ذلكَ شيُوع العاميةِ وتعددِ لهجاتِها-وإحياء النعراتِ التي تلمِزُ لغةَ القرآن الكريم وتقديمها كبديلٍ حتميٍّ عنها..وإن عَجْزَ العقليةِ العربيةِ عن التكيف مع إيقاع المتغيراتِ الحضارية الهائلة التي فَجَّرَها الغربُ في امتداده العلمي والتكنولوجي...ناهيكِ عن الاستعمار الثلاثي المعاصر ( البريطاني والفرنسي والإيطالي،عِلاوَةً على مؤسساتِ الهدم الفكرية التي سلطها الغربُ بعد رحيله العسكري ) الذي ساهم لعهودٍ طوالٍ على نشر الجهل والأمية وتحجيم دور لغةِ القرآن بما يُقدمها للإنسان العربي على شكل شَبَحٍ باهتٍ هزيلٍ،ليسَ له دورٌ نهضويٌّ-في حركةِ الأمة الحضارية-إلا في نطاق مغلق جداً،بحيث لم يعد الفرد العربي يتنفسُ من لبابِ هذه اللغة العظيمة إلا تلكَ القشور الباهتة التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع..وصارت اللغة-بعدما كانت هي الأصل في التعامل اليومي-صارتْ مختزَلَةً ومقتَصَرَةً-في حس الطفل العربي الناشئ-فقط على حصة معينةٍ في المدرسة،تمر على عجل وعلى نحوٍ مَّا،أما بقي الوقت فلا يستوعبُ حِسُّ هذا الطفل المسكين ووعيُه ولسانُه غيرَ العامية وثُغائها ورغائها وبُغامِها.. !!!
أسبابٌ كثيرةٌ،كثيرةٌ-معلمتي القديرة-تراكمتْ لعهودٍ وعصورٍ طوالٍ،كانَ من نتائجها المُرَّةِ والخطيرة أنْ غابتِ اللغة الفصيحة-أو تكادُ-من لغة التخاطب والتفاعل والإبداع في حياتنا اليومية،وصرنا-للأسف-بين أمرين أحلاَهُما مُرٌّ...
يا إما أن نذهبَ في التحايل على أصول لغتِنا البديعة الأصيلة بأن نقبَلَها على أغاليطها الشائعة الكثيرة التي تكاد تقوضُ قواعدَها الإملائية والنحوية والبلاغية والتركيبية،بحيث صار مُستمرَأً ومُستسَاغاً جداً أن تسمعَ صباح مساء كَمًّا هائلاً من الأغاليط القاتلة تجري على ألسنةِ أغلب إعلاميينا وصحافيينا ومذيعينا الأماجد-إلا مَنْ رحمَ ربي منهم وهم قِلة-لأن الوعيَ الجماهيري العام،يكاد يكونُ هو الآخر لا يدري شيئاً عن تلكَ القواعد التي تصقلُ اللغةَ وتردُّ اللسانَ والقلمَ لجادةِ الصواب....
أو يا إما أن نقدمها-إذا أريدَ لنا العودة إليها-للناشئة والأجيال وفيها من الحوشيِّ والغريب والجاف ما يُحسس العربيَّ المعاصرَ بالنفور والبلادة.....
ونحن في الحقيقة-أختي االكريمة-نريد من المثقف العربي المعاصر-خصوصاً ذي الاختصاص اللغوي-أن يمتلكَ حصانةً لغويةً جبارةً ورسوخاً مَكيناً بناصية اللغة وآلياتها،وأن يتساوَقَ ذلكَ التمكن بمسايرة ثقافة العصر وحيازة متطلباتها الحضارية بما في ذلك التمكن قدرَ ما أمكن من الإلمام باللغات الأخرى والاطلاع الواسع على ثقافاتِ الغيْر ورَصْد الواقع العلمي والفكري والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والفني الذي أفرزته الحضارة المعاصرة في غير ذوبانٍ أو شعورٍ بهزيمةٍ حضاريةٍ،أو عقدة نقصٍ أمام الطرف الآخر....
مبدئيا..أردتُ هنا فقط أن ألفتَ النظرَ بتعليقي إلى الوضع العام الذي يكتنفُ واقعَ اللغة العربية الفصحى ونحن نعرضُ إشكاليةَ التكلمِ بها كوسيلةِ تواصلٍ وتخاطُبٍ...
وشكراً دائماً-سيدتي-على طرح هكذا هموم وهواجس عربية...ولكل مَنْ أدلى بدلْوِهِ العامر...
|