ورقة بن نوفل بن أسد عبد العُزّى من قريش. حكيم جاهلي اعتزل الأوثان قبل الإسلام وامتنع من أكل ذبائحها، وتنصر وقرأ كتب الأديان، وكان يكتب اللغة العربية بالحرف العبراني. أدرك أوائل عصر النبوة، وهو ابن عم خديجة بنت خويلد أم المؤمنين. وفي حديث ابتداء الوحي روي أن النبي صلى الله عليه وسلم، رجع إلى خديجة وفؤاده يرتجف فأخبرها فانطلقت به إلى ورقة بن نوفل وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره الرسول خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل على موسى، يا ليتني فيها جذع، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك. ولورقة شعر سلك فيه مسالك الحكماء وفي المؤزخين من يعده من الصحابة.
ترجمة ورقة بن نوفل
"كتاب الأغاني"
كاملة
ذكر ورقة بن نوفل ونسبه: نسبه وهو جاهلي اعتزل عبادة الأوثان:
هو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزي بن قصي، وأمه هند بنت أبي كثير بن عبد بن قصي. وهو أحد من اعتزل عبادة الأوثان في الجاهلية وطلب الدين وقرأ الكتب وامتنع من أكل ذبائح الأوثان.
نسبة مافي هذا الشعر من الغناء " غير " ارفع ضعيفك"
صوت
ولقد طرقت البيت يخشى أهله بعد الهدوء وبعدما سقط الندى
فوجدت فيه حرة قـد زينـت بالحلي تحسبه بها جمر الغضا
الشعر لورقة بن نوفل. والغناء لابن محرز من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق.
أخبرنا الطوسي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا عبد الله بن معاذ عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وزرقة بن نوفل كما بلغنا فقال: " قد رأيته في المنام كان عليه ثياباً بيضاً فقد أظن أن بو كان من أهل النار لم أر عليه البياض" قال الزبير وحدثنا عبد الله بن معاذ عن معمر عن الزهري عن عائشة: أن خديجة بنت خةيل انطلقت بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزي وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبارني فيكتب بالعبرانية من الانجيل ما شاء أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت خديجة: أي ابن عم، اسمع من ابن أخيك؛ قال ورقة: يابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر مارأى فقال ورقة: ههذ الناموس الذي أنزله الله تبارك وتعالى على موسى؛ ياليتني فيها جذع، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أو مخرجي هم" قال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بمثل كاجئت به إلا عودي، وإن يدركنب يومك لأنصرنك نصراً مؤزراً، ثم لم ينشب ورقة أن توفي.
رأى بلالاً يعذب لإسلامه فقال شعراً قال الزبير حدثني عثمان بن الضحاك بن عثمان بن عبد الرحمن بن أبي الزناد قال قال عروة: كان بلاب لجارية من بين جمح بن عمرو، وكان يعذبونه برمضاء مكة، يلصقون ظهره بالرمضاء ليشرك بالله؛ فيقول: احد أحد، فيمر عليه ورقة بن نوفل وهو على ذلك يقول: أحد أحد، فيقول ورقة بن نوفل: أحد أحد والله يابلاب? والله لئن قتلتموه لاتخذته حناناً كأنه يقول: لأتمسحن به.
وقال ورقة بن نوفل في ذلك:
لقد نصحت لأقوام وقلت لهم أنا النذير فلا يغركم أحد
لا تعبدون إلها غير خالقكم فان دعوكم فقـولوا بيننا حدد
سبحان ذي العرش سبحانا نعوذ به وقبل قد سبح الجود والجمد
مسخر كل ما تحت السماء له لا ينبغي أن يناوي ملكـه أحد
لا شئ مما نرى تبقى بشاشته يبقى الإله ويودى المال والولد
لم تغن عن هرمز يوما خزائنه والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ دان الشعوب له والجن والإنس يجري بينها برد
أين الملـوك التي كانت لعزتها من كـل أوب إليهـا وافد يفد
حوض هناك مورود بلا كذب لابـد مـن ورده كمـا وردوا
مدح النبي صلى الله عليه وسلم له والنهي عن سبه:
قال الزبير حدثني عمي قال حدثنا الضحاك بن عثمان بن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأخي ورقة بن نوفل أو لابن أخيه: " شعرت أني رأيت لورقة جنة"، أو جنتين ". بشك هشام.
قال عروة: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سب ورقة.
وقال الزبير وحدثني عمي قال حدثني الضحاك عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه: أن خديجة كانت تأتي ورقة بما يخبرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيه، فيقول ورقة: لئن كان مايقول حقاً إنه ليأتيه الناموس الأكبر ناموس عيسى ابن مريم الذي لايجيزه أهل الكتاب إلا بثمن، ولئن نطق وأنا حي لأبلين فيه الله بلاء حسناً.
بعد هذه المقدمة عن ورقة بن نوفل في كتب التراث العربي المسيحية منها والعربية نشعر أننا أمام شخصية غير عادية ورجل غير كل الرجال وشاعر ليس ككل الشعراء فهذا الرجل الذي لم يكن يوما نبيا ولا زعيما خلد ذكره على كل العصور.
ورقة بن نوفل الذي عاش ومات في الجزيرة العربية منذ أكثر من 1400عام مازال يثار الجدل حوله وحول أشعاره وينتسبه ديانتان هما أكبر الديانات السماوية على الإطلاق فأتباع المسيحية يقولون أنه كان قسا "مطران مكة" في ذلك الوقت وأنه هو من علم نبي الإسلام محمد القرآن, ووصل الأمر أن بعض كتاب المسيحية إلى اعتبار أن القس ورقة بن نوفل هو من كان يملي على النبي محمد القرآن , ويضيفون أنه في الفترة التي تلت وفاة ورقة بن نوفل فتر الوحي إلى رسول الله.
ورقة بن نوفل كان حنيفا على ملة إبراهيم كما جاء في كتب السيرة الإسلامية وكان على علاقة وطيدة برسول الإسلام محمد, وهو أول من أخبره أن هذا الناموس هو الناموس الذي نزل علي موسى نبي اليهودية, وهذا يعني أن ورقة بن نوفل كان على دراية باليهودية والتوراة, هذا بالإضافة إلى ماورد في المراجع الإسلامية والمسيحية من درايته الواسعة بالنصرانية.
مما سبق يمكن القول ببساطة أن هذا الرجل كان عقلية فذة, ومثقف من أعظم مثقفي عصره على دراية واسعة بالأديان السماوية التي نزلت قبله, وعلى علم واسع بتاريخ الأمم والشعوب السابقة , وصاحب رأي ومدرسة فكرية مستنيرة تسبق عصره, وكان يدعو إلى هذه المدرسة كل من يتوسم فيه القدرة على تفهم واستيعاب فكره المتجدد على أهل ذلك العصر, وله دراية واسعة بالعديد من اللغات الأخرى الموجودة في ذلك العصر, وخاصة اللغة العربية , ويعرف جيدا كيف يصوغ أفكاره شعرا أو نثرا.
وليس بالغريب ان يصوغ تلك الأفكار والمبادئ التي يؤمن بها بأسلوب أدبي رائع وهذا الأسلوب وإن شابه لغة القرآن فلأن الأداة المستخدمة واحدة, وهي اللغة العربية القرشية , وحيث أن القرآن تنزل على نفس العقول العربية التي كان يحاول ورقة بن نوفل أن يتعامل معها ويصل إليها, فكان من الطبيعي أن تكون الخصائص العامة للخطاب في القرآن الكريم شبيهه بالخطاب الذي يتحدث به ورقة بن نوفل.
وللأسف الشديد فإن ما وصل إلينا من أشعار ونثر ورقة بن نوفل قليل جدا لا نستطيع من خلاله أن نرسم صورة واضحة لمعتقداته الفنية والأدبية والفكرية وضياع أو كما يقول مؤرخو الديانة المسيحية (طمس) ما قد كتبه ورقة بن نوفل لا شك في أنه خسارة شديدة للفكر الإنساني كله مسلمه ومسيحية فالفكر الإنساني قد خسر تأملات وأفكار رجل كان في عصر الجاهلية يفكر بالوحدانية ويؤمن بالقيم السماوية التي تنزلت بها الأديان يقرأ التاريخ ويعرف الأدب ويرحل إلى مختلف بلدان العالم بحثا عن الحقيقة الفكرية التي ينشدها.
أغراض الشعر:
من قليل الشعر الذي بين أيدينا سنحاول أن نستخلص الأغراض التي مشى فيها ورقة بن نوفل في شعره وأول هذه الأغراض هي:
يَعفو ويَصفَحُ لا يجزي بسيِّئة ويَكظمُ الغيظَ عند الشَتمِ والغَضَبِ
والفخر عند ورقة بن نوفل ليس فخرا بالقبيلة ولكن فخر بمكارم الأخلاق والفضائل وهذه سمات الدعاة والحكماء فالتفاضل والتفاخر بينهم بالخلق والعلم وليس بالأصل والفصل والنسب.واهم مميزاته أنه كان هجاءاً عفيفاً مهذّباً خالياً من السبّ والشتم.
ألا مَن مُبلغٌ عمراً رَسولا فإني من مخافتهِ مُشيحُ
أفرّ إلى بني ثعل بن عمرو وحولي من بني جَرمٍ نبوحُ
أعوذُ بربِّ بيت الظلم منه وبالرحمن إذ شرقَ المسيحُ
تركتُ لكَ البلاد وماء بحري لأنزح عنكَ لو نفعَ النزوحُ
ونلاحظ رقة هذا الهجاء الصادر من رجل حنفي يؤمن بمكارم الأخلاق فلا يفحش في القول ولا يسب النسب والأهل وإنما يذم في أخلاقه, وهذه عادة الحكماء ورجال الدين.
ألا أبلغ لديك أبا عقيل فما بيني وبينك من ودادِ
تعيبُ أمانتي وتذُّم أهلي وتأكلني إلى حضرٍ وباد
فأيّاً ما وأيّ كان أبلغي وأسعى في العشيرة بالفساد
فلا لاقى سروراً من مليكٍ ولا زالت يداه في صفادِ
- الغزل:وهو الشعر الخاص بالمرأة المحبوبة ويرجع سبب ظهور غرض الغزل في الشعر الجاهلي إلى الأتي:
1- حياة الصحراء وما بها من حياة الترحال التي تفرّق المحبين.
2- أن المرأة كانت عفيفة مما زاد ولوع الرّجال بأخلاقها.
3- أن البيئة الصحراوية لم يكن فيها ما هو أجمل من المرأة.
وقد تميز هذا الغرض الغزل بأنه كان عفيفاً رفيع المستوى يصوّر حياء وعفاف المرأة.
أتبكر أم أنت العشية رائح وفي الصدر من إضمارك الحزن قادح
لفرقة قوم لا أحب فراقهم كأنك عنهم بعد يومين نازح
على ندرة الشعر الذي وصل إلينا من أشعار ورقة بن نوفل, فإن خصائص الغزل عند هذا الرجل تتبدى بوضوح في البيتين السابقين , من رقة في اللفظ , وقدرة على التحكم في لغته الشاعرة من تبيين وإيجاز وتضاد, ورقة في رسم الصورة الشاعرة لبعد المحبوب عن حبيبه , ففي الإبكار والعشية يتبدى الألم المكتوم في صدره لفراق المحبوب الذي يحدث بعد يومين أو أكثر.
ولقد دخلتُ البيت يُخشى أهلهُ بعدَ الهدُوِّ وبعدما سقطَ الندى
فوجدتُ فيه طفلةً قد زيّنت بالحلي تحسَبه بها جمرَ الغَضا
فنعمتُ بالاً إذ أتيتُ فراشها وسقطتُ منها حينَ جئتُ على هوى
فبتلك لذّات الشبابِ قضيتُها عنّي فسائل بعضهم ماذا قَضى
· الوصف: وأبرز خصائص الوصف هي:
1) الطّابع الحسي.
2) دقّة الملاحظة.
3) صدق النظرة.
لمن الديار غَشيتُها كالمُهرَقِ قَدُمت وعهدُ جديدها لم يُخلقِ
إني يراني المُوعديَ كأنني في الحصن من نجران أو في الأبلقِ
في يافعٍ دون السماء ممرَّدٍ صَعبٍ تزلُّ به بنانُ المرتقي
ويصدُّهُم عني بأنّي ماجدٌ حسبي وأصدُقُهم إذا ما نلتَقي
وإذا عفَوتُ عَفَوت عفواً بيِّناً وإذا انتَصرتُ بلغتُ رنقَ المُستقى
لقد تميز الوصف عند ورقة بن نوفل بما تميز به الشعر الجاهلي بصفة عامة , كما نلاحظ في المقطوعة السابقة وقوفه على الأطلال في مطلع المقطوعة , على عادة الشعراء الجاهليين في مطلع قصائدهم, وإن تميزت أبياته باللفظ العذب السهل والواضح , والرقة المتناهية "في يافعٍ دون السماء ممرَّدٍ صَعبٍ تزلُّ به بنانُ المرتقي".وقد امتاز غرض المدح بالصّدق، إضافةً إلى خلوّه من المبالغة الممقوتة. وخاصة أن ورقة بن نوفل في قصيدته التالية إنما يمدح الرسول الكريم الذي عرفته العرب بالصادق الأمين , ومدحه للرسول الكريم نبؤة أكثر منه وجود على أرض الواقع, فهو يدرك أن هذا الرجل القرشي سوف يسود قريشا والعرب بل الدنيا كلها , وبعد مدحه الرسول الكريم ودينه المجيد , يذم الكفر والكافرين "وهل أمرُ السفالةِ غيرُ كفر". ويختم مقطوعته بحكمة رائعة تبقى على مر الأجيال "أهلك فكلُّ فتىً سَيلقى من الأقدار متلفةً حروجا".
لججتُ وكنتُ في الذكرى لجوجا لهم طالما بعثَ النشيجا
ووَصفٍ من خديجةَ بعد وصفٍ فقد طال انتظاري يا خديجا
ببَطنِ المكتين على رجائي حديثكِ أن أرى منهُ خروجا
بما خبَّرتنا من قولِ قس من الرهبان أكرهُ أن يحوجا
بأنّ محمداً سيسودُ فينا ويَخصمُ مَن يكونُ له حجيجا
ويظهِر في البلاد ضياءَ نور يُقيم به البريّة أن تموجا
فيَلقى مَني محاربُه خساراً ويَلقى من يُسالمُهُ فُلوجا
فيا لَيتني إذا ما كان ذاكم شَهدتُ فكنتُ أوَّلَهم وُلوجا
وُلوجاً في الذي كَرهت قريشُ ولَو عجّت بمكّتها عَجيجا
أرجي بالذي كرهوا جميعاً إلى ذي العرشِ إن سفلوا عُروجا
وهل أمرُ السفالةِ غيرُ كفر بمَن يختار مَن سمكَ البروجا
فإن يبَقوا وأبقَ تكُن أمورٌ يضجُّ الكافرونَ لها ضجيجا
وإن أهلك فكلُّ فتىً سَيلقى من الأقدار متلفةً حروجا
- الرّثاء: وقد ظهر هذا الغرض بسبب كثرة الحروب التي كانت تؤدي إلى قتل الأبطال، ومن ثَمَّ يُرثَون. ومن أبرز مميزات غرض الرّثاء:
1- صدق العاطفة.
2- رقة الإحساس والبعد عن التهويل والكذب.
3- ويتحلّى بالصبر والجَلَد.
هل أتى ابنتيَ عُثمانَ أنَّ أباهما حانَت منيَّتُه بجنبِ الفرصد
ركبَ البريد مخاطراً عن نفسه ميت المضنَّة للبريد المقصد
فلأبكيَن عثمان حقَّ بكائهِ ولانشدَن عمراً وإن لم ينشد
بل ليت شعري عنك يا ابن حويرث أسقيتَ سماً في الأناءِ المصعدِ
أم كان حتفاً سيق ثَم لحينه إنّ المنيّة للحمام لتهتدي
قد كان زيناً في الحياة لقومه عثمان أمسى في ضريحٍ ملحدِ
ولقد برى جسمي وقلت لقومنا لما أتاني موته لا تبعد
أمسى ابن جفنة في الحياة مهلكاً وصفيُّ نفسي في ضريحٍ مؤصد
واللَه ربي إن سلمتُ لآثرن فيه بضربة جازم لم يقصد
ونلاحظ في المقطوعة السابقة القدرات التعبيرية الرائعة لهذا الشاعر المخضرم ؛ حيث يبدأ المقطوعة بسؤال مطلق عن ابنتي عثمان, لجعل الفتاتين ينتبهان ويتوقعان حدوث أمر جلل , فلا يكون الخبر كوقع الصاعقة عليهما وإنما يخفف من شدة وطأة الخبر عليهما, وفي قوله حانت منيته إشارة إيحائية إلى الإيمان بأن لكل امرء عمرا مقدرا , من قبل حكيم مقتدر, ثم يعلن عن حزنه الشديد لوفاة هذا الرجل , وأن "أمسى ابن جفنة في الحياة مهلكاً وصفيُّ نفسي في ضريحٍ مؤصد".
كفى حزناً كرّي عليه كأنّه لقى بين أيدي الطائفين حريمُ
تأتي الحِكَم في بعض أبيات النص، وتمتزج بالإحساس والعاطفة المؤثرة.
رحَلَت قُتيلةُ عيرَها قبل الضحى وإخالُ أن شحطت بجارتك النوى
أو كلما رحلت قُتيلة غدوة وغدت مفارقةً لأرضهمُ بكى
ولقدر كبتُ على السفين ملجِّجاً أذَرُ الصديقَ وأنتحي دار العدى
ولقد دخلتُ البيت يُخشى أهلهُ بعدَ الهدُوِّ وبعدما سقطَ الندى
فوجدتُ فيه طفلةً قد زيّنت بالحلي تحسَبه بها جمرَ الغَضا
فنعمتُ بالاً إذ أتيتُ فراشها وسقطتُ منها حينَ جئتُ على هوى
فبتلك لذّات الشبابِ قضيتُها عنّي فسائل بعضهم ماذا قَضى
قَدحَ الذُباب فليس يوري قَدحهُ لا حاجةً قضى ولا مالاً نما
فارفَع ضعيفكَ لا يَحُل بك ضعفهُ يوماً فتُدركَه العواقبُ قد نَما
يَجزيك أو يُثني عليك وإن مَن أثنى عليك بما فعلتَ كمَن جزى
أرعى أمانتَهُ وأحفظُ غيبهُ جهدي فيأتي بعد ذلك ما أتى
وعلى سبيل التعميم فإن الحكمة تتناثر في كل ثنايا المقطوعات التي وصلتنا من أشعار ورقة بن نوفل , وأهم ما يميز هذه الحكم التي أطلقها في أشعاره عن باقي الحكم التي تجيء في أشعار الجاهليين, أن الحكمة عنده تأتي من إيمانه بالوحدانية الحنفية والديانة المسيحية فهي حكمة دينية ومواعظ أكثر منها حكمة إنسانية تأتي من الخبرات الحياتية التي يكتسبها الإنسان الذي عرك الحياة وعركته, أي أن الحكمة في أشعار ورقة بن نوفل هي حكمة دعوة إلى الدين والتوحيد والإيمان بالله.
· التوحيد: وهي الدعوة إلى الإيمان بالله الواحد وترك عبادة الأصنام وهي الدعوة إلى دين إبراهيم (الحنفية) , أو النصرانية.
وقد تميزت هذه الأشعار برقة اللفظ ودقته وبعدها عن الألفاظ الخشنة الغريبة, وكأي شعر دعوة اهتم بالمعنى أكثر من الاهتمام بالبديع, فجاءت الصور والأخيلة بسيطة, لكي تصل إلى قلب وعقل المتلقي لهذا الشعر.
لَقد نصحتُ لأقوامٍ وقلتُ لهم أنا النذير فلا يغروكم أحدُ
لا تعبدنَّ إلهاً غير خالقكم فإن دعَوكم فقولوا بيننَا حدَدُ
سبحان ذي العرشِ سبحاناً يعادلهُ ربُّ البريَّة فرد واحدٌ صمدُ
سُبحانَهُ ثم سُبحاناً يعودُ لهُ وقبلُ سبَّحَه الجوديُّ والجمدُ
مُسخَّرٌ كلُّ من تحت السماء لهُ لا ينبغي أن يناوي مُلكهُ أحدَ
لا شيء مما ترى إلا بشاشتهُ يَبقى الالهُ ويفنى المالُ والولدُ
لم تُغن هرمز يوماً من خزائنه والخلدَ قد حاولت عادٌ فما خلَدوا
ولا سليمانَ إذ دانَ الشعوبُ لهُ اللإنسُ والجنُّ تجري بينها البُرُدُ
أينَ الملوكُ التي دانت لعزَّتها من كل أوب إليها وافدٌ يفد
حوضٌ هنالك مورودٌ بلا كذبٍ لا بدَّ من وردِه يوماً كما وردوا
ومن شعر ورقة بن نوفل: عن زيد بن عمر (زيد بن عمر بن نفيل وكان زيد نصرانيا فالتقى بورقة وتناشدا الأشعار في التوحيد وعبادة الله ): (شعراء النصرانية ج3 ص616)فقال ورقة:
رَشَدتَ وأنعمت ابن عمرو وإنما تجنبتَ تنوراً من النار حاميا
بدينك ربّاً ليس ربّ كمثلهِ وتركك أوثان الطواغي كما هيا
وإدراكك الدينَ الذي قد طلبته ولم تكُ عن توحيدِ ربِّك ساهيا
فأصبحتَ في دارٍ كريمٍ مُقامُها تُعلَّل فيها بالكرامة لاهيا
تُلاقي خليل اللَه فيها ولم تكن من الناس جبّاراً إلى النار هاويا
وقد تدركُ الإنسان رحمة ربِّه ولو كان تحتَ الأرضِ سبعينَ واديا
أقولُ إذا جاوزتُ أرضاً مخوفةً حنانيك لا تُظهر عليّ الأعاديا
حنانيكَ إن الجن كانت رجاءهم وأنت إلهي ربَّنا ورجائيا
أدينُ لربٍّ يستجيبُ ولا أرى أدينُ لمن لا يسمَعُ الدهرَ داعيا
أقولُ إذا صلَّيتُ في كلِّ بيعةٍ تباركتَ قد أكفأتُ باسمكَ داعيا
· الدعوة للدين الجديد والإشادة بالرسول الكريم: كان تصديق ورقة بن نوفل لدين محمد والاعتقاد فيه سببا في ادعاء كتاب التاريخ النصارى (وبعض المستشرقين) أن النبي محمد (ص) إنما كان يكتب القرآن وراء إملاء ورقة بن نوفل, ولسنا هنا في مجال بحث في هذا الموضوع ولكننا في معرض الأغراض الشعرية التي وردت بأشعار ورقة بن نوفل وكان منها ما جاء في الدعوة إلى الدين الجديد, فعندما أخبرته السيدة خديجة بخبر نزول الوحي على الرسول نراه يقول:
وإن يكُ حقّاً يا خديجةُ فاعلمي حديثُكِ إيّاها فأحمدُ مرسلُ
وجبريل يأتيه وميكالُ فاعلمي من اللَه وحيٌ يشرحُ الصدر منزلُ
يفوزُ به من فاز فيها بتوبةٍ ويشقى به العاتي الغرير المُضَلَّلُ
فريقان منهم فرقةُ في جنانِه وأخرى بأجواز الجحيمِ تغلَّلُ
فسبحانَ من تهوى الرياحُ بأمرهِ ومن هو في الأيّامِ ما شاءَ يفعَلُ
ومن عرشهُ فوقَ السماوات كلّها وأقضاؤهُ في خلقهِ لا تبدَّلُ
ولنقرأ هذه المقطوعة الجميلة حيث يبدأها بذكر الإيمان بقضاء الله والرضا والتسليم بما كتبه الله علينا وإيمانه بأن الغيب لا يطلع عليه إلا الله وهذه مقدمة بسيطة ومعبرة وممهدة لما سيذكره للسيدة خديجة التي جاءت تسأله عما أصاب زوجها في غار حراء, وهي بين الخوف مما قد أصابه وبين الرجاء في أن هذا الخبر هو البعثة المحمدية, ويكمل ورقة بن نوفل بأن ما حدث لمحمد إنما حدث مع غيره من قبل مع نبي الله موسي , فهو على علم بما حدث مع الأنبياء قبل محمد مثل هود وصالح والمسيح عليهم جميعا السلام وعلى دراية بتاريخ الأمم السابقة, وكأي عالم مدقق ومحقق يسأل السيدة خديجة أن ترسل له محمدا ليسمع منه مباشرة, ويسأله عن أمره في النوم والسهر وكأنه طبيب نفساني أو محلل نفسي يستقصي كل حالات الشخص الذي يعاينه كي لا يقع في الغلط, ولنرى الإيجاز الشعري والتكثيف التعبيري في قوله "فقال حين أتانا" فالتفاصيل هنا لا تعني شيئا , ولكن المهم ما سيقوله النبي محمد (ص) , ويعبر عن هول مارآه محمد "يقِفُّ منه أعالي الجلدِ والشعر" وبعد أن يسمع من الرسول الكريم يعلن إيمانه وتصديقه بما قاله مباشرة في البيت التالي وكأن ما ذكره محمد لا يحتمل الكذب ولا يحتاج إلى وقت للتفكير فيه أو تدبره فهو حق وصدق يجب الإيمان به مباشرة , ثم في نهاية المقطوعة يذكر أن هذا الدين الجديد سوف يلقى معارضة كبيرة من كفار قريش وأعداء محمد.
يا للرجال وصرفِ الدهرِ والقَدرِ وما لشيءٍ قضاهُ اللَه من غيرِ
جاءت خديجة تدعوني لأخبرَها ومالَنا بخفيِّ الغيب من خبَر
جاءت لتسألني عنه لأخبرَها أمراً أراه سيأتي الناسَ من أخر
فخبَّرتني بأمر قد سمعتُ بهِ فيما مضى من قديم الدهر والعُصُر
بأن أحمدَ يأتيهِ فيُخبرُه جبريلُ أنك مبعوثٌ إلى البشرِ
فقلت عل الذي ترجينَ يُنجزُهُ لكِ الإله فرجّي الخير وانتظري
وأرسليه إلينا كي نسائلهُ عن أمره ما يرى في النوم والسهر
فقال حين أتانا منطقاً عجباً يقِفُّ منه أعالي الجلدِ والشعر
إني رأيت أمينَ اللَهِ واجهني في صورة أكملت من أعظم الصور
ثم استمر فكان الخوف يذعر ني مما يسلم ما حولي من الشجر
فقلت ظني وما أدري أيصدقني أن سوف يبعثُ يتلو منزلَ السور
وسوف أبليك إن أعلنتَ دعوتهم من الجهاد بلا من ولا كدَرِ