( اســـــــــــتــــــــــــقــــالـــــتـــــي )
" أمـــلـــي أو... ألـــمــي "
حملت قلمي وسكبت فيه مشاعري وأحزاني ، قبضت أناملي على جسده البارد النحيل قبضة العصفور الجريح على الأغصان الجافة التي رمتها أنسام الخريف بجندها ، لامستُ رأسه الصغير على صفحات الفجر النقية وكتبت على حافة السماء بدموع عيني بعدما مزجتها بلوعة ألمي ، كتبت أنه إذا لم تجد من يغرس في قلبك أملاً فلا تلتفت لمن يغرس في قلبك حزناً ثم يمضي ولا تحاول البحث عن حلم أبداً على هذه الحياة فلا أحلام تنبت على أسطح الصخر ، ثم سطرت بقطرات الندى على أوراق الورود أنني أعلن استسلامي ... وقريباً جداً سأعلن استقالتي من البشرية ...
لا لضعف أو ليأس بل لأن وقع الصدمات كان مؤلماً ...
أشعر دائماً أن الحياة تسير باتجاه واحد بأسلوب جامد وبوضع صعب ، حاولت مراراً وتكراراً النظر إليها بمنظار أفضل إلا أنني كلما حاولت وكلما جاهدت وضربت على الإلحاح بالإلحاح ترميني الألسن بالكلمات الجارحة وترشقني العيون بالنظرات الحاقدة حتى أصبحت كقطعة خشبية بالية ترصدها الأفلاك وترجمها الأيدي القاتلة ...
فقدت الكثير عند هذه الخطوة بينما هم لم يفقدوا شيئاً ، أنا فقدت ثقتي بنفسي وبالآخرين ، فقدت كبريائي ... فقدت آمالي وأحلامي ، فقدت شمعتي الأخيرة حتى أغلقت باب حياتي على ظلمتي وخلوت بهمي على انفراد أصابتني سهام كثيرة جاءت إلي من كل السبل ، قطعت البحار والمحيطات وعبرت الأدغال والصحارى من المحيط إلى الخليج حتى اتخذت من فؤادي دريئة عليلة تحط رحالها وأسفارها فيه ... ثم تعمق سمومها شيئاً فشيئاً لتصبح السهام جزءاً من ذلك القلب الممزق وتضحي السموم وحدة من وحدات دماء ذلك الجسد الهزيل ، فتمر عبر الأوردة والشرايين دون أي اعتراض يذكر ودون أي إنذار مسبق .
كونت وقائع الحياة في عالمي حكايات مؤلمة في أعماق السكون ، أكثر شدة وقسوة وتدميراً لأحلام حلقت فوق الغمام على أجنحة الطيور الحرة ، فالليل
(91)
لم يرحل بعد والشمس لم تبزغ قط ولم يفارق عيون السماء برق أو رعد ...
ليتهم أتلفوا حياتي بسمومهم القاتلة ليتهم أصابوا قلبي بسهام بائسة ليتهم رموني بشهب حارقة ليتهم قيدوني بسلاسل من نار ليتهم سلبوا نور عيني أو بريق سعادتي ... ولم ... ولم يتلفوا كلماتي أو يحطموا أحلامي ...
كتبت عن الحياة ... سطوراً كثيرة وصفحات عديدة ...
رسمت للحياة ... صوراً جميلة ومشاهد رقيقة ... إلا أن الواقع لطمني بحقائقه المندثرة ، عرفت عن الحياة ... أن ما أُخذ فيها بجد وكد هو عند الغير هين حقير ...
مررت على هذه الأرض مرور السحابة الجارية ، صعدت فوق جبالها وجسورها ومشيت على سهولها وشوارعها ، ألفيت نفسي وسط زحام البشرية ... خفت ثم انطويت ، بدوت كجسد حي نابض بين أحجار قاسية أو تماثيل منتصبة فتلفعت بالحسرة والأسف ، حتى إذا ما أمطرت السماء بأمر ربها رفعت يدي إلى السماء ، إلى رب العباد أشكو ضعفي وقلة حيلتي أشكو كما تشكو المآذن هجرانها ، أشكو كما تشكو الأرامل ويلاتها ، أشكو كما تشكو الأيتام آلامها أشكو كما يشكو المظلوم حقه أشكو كما يشكو المحروم دربه .
تحت السماء وفوق الأرض دوى هزيم الرعد حتى هز عواطفي وثقب مسامعي ونخر عظامي ، أما نبض قلبي فقد أثر به وقع ارتداد المطر على مظلتي المبللة ، على علمي كنت في الشتاء شتاء المطر شتاء الثلوج شتاء الضباب لا أعرف كيف وقعت فوق حدود الخريف ، فبت في خريف العواصف خريف الرعود خريف الألم لتنطفئ شمعة الربيع الأخيرة من حنايا أضلعي المرتجفة وشراييني المتصلبة المتشبثة بربيع الزهور ربيع الطيور ربيع العطور ، كانت الظلمة رهيبة انتشرت على مساحات واسعة على مد البصر وكأن السماء كانت تنذر باسودادها تلك القلوب الرقيقة فتخبرها بما فعلته الذئاب تحت سقوفها وبين جدرانها فاستترت بثياب السواد تحاول صمتاً إعلان الكلام .
هكذا بات كل شيء ببساطة ، غدوت كأني الشمس وهم الغيوم السوداء أو كأني نجمة دامعة في أحضان السماء وهم اللون الشاحب المستبد على حدود المساء ... هم أشباح مخيفة مرت بخفة أمامي في مركبة خاطفة ، أو هم شياطين الإنس المريدة تجري الأحقاد في عيونهم الخبيثة ، نعم إنني أعلن استسلامي ولا عجب في أن أعلن استقالتي من البشرية ...
(92)
من كتابي بعنوان _ عندما يشهد الصمت _