|
|
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
لوحة التميّز الشهري (قريباً) |
||||
|
|
|
|
|
|
|
قريبا |
قريبا |
قريبا |
قريبا |
قريبا |
![]() |
| آخر 10 مشاركات |
| مختارات |
|
|||||||
| يحكـى آنـ هـمّـسٌ رِوائـِيّ , وقـِصـِة قصيـِره , وأعذب مامرّ على الأزّمـَان ! |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
المشاركة رقم: 3 | ||||||||||||||||||||||||||||
|
كاتب الموضوع :
الحرف العنيد
المنتدى :
يحكـى آنـ
سمو الذكريات أشكر وجودك في هذا المتصفح عزيزتـــــي إليك بقية القصة إلى النهاية الجزء الثالث أومأت العجوز برأسها ايجابا وقالت :لم يدم زواج ماريانا طويلا.. فزوجها كان رجلا سيئا يدمن على الشرب ولعب القمار ويتعامل معها كأنها جارية وليست زوجة والمسكينة صابرة محتملة في صمت.. وفي أحد الأيام كان زوجها يلعب القمار كعادته في أحد الحانات حين وقعت مشاجرة بينه وبين أحد الأشخاص وتطورت المشاجرة بسبب الخمر التي تناولوها وانتهت بقتل زوج ماريانا و إلقاء جثته في أحد الطرقات..وهكذا وجدت المسكينة نفسها بعد مضي عام ونصف أرملة لم تتجاوز العشرين من عمرها بعد.. وعادت ماريانا الى منزل والديها كسيرة حزينة وعلم عازف الكمان بعودتها فقرر ان يذهب إلى والدها مرة أخرى ويواجهه لعله يستطيع أن يجعله يغير رأيه .. تمتمت هيلين مقاطعة :ولكن الاب لم يقبل بالطبع .. تنهدت العجوز للمرة الثانية وقالت :بل العجيب ان الاب وافق في هذه المرة.. لا احد يدري ما السبب ربما ان رؤيته لابنته وهي بهذا الوضع جعلت قلبه يلين في النهاية .. أو أن رؤيته لعزيمة الشاب وحبه الصادق لابنته قد ساهما في تغيير رأيه .. المهم انه في النهاية وافق ان يتزوج الشاب ابنته .. تهللت أسارير هيلين وهتفت وهي تصفق بكفيها كالأطفال :وهكذا التئم شملهما أخيرا نظرت لها العجوز في صمت .. ثم ابتسمت في حزن وهي تستطرد :في الواقع كان حظ الاثنين سيئا ففي تلك الفترة اندلعت الحرب ووجد الشاب نفسه يُطلب - هو وآلاف غيره - للالتحاق بالجيش والمشاركة في الحرب المندلعة بقوة حينها, وهكذا وجد الشاب نفسه يقاتل على الجبهة بعيدا عن محبوبته بآلاف الأميال.. كانت الحرب مشتعلة في عدة بلدان وهناك أكثر من جبهة والشهور تمر دون ان تلوح في الافق بادرة تلوح بقرب نهاية الحرب.. وحين هدأت الاوضاع قليلا بدأت الاخبار ترد من جبهات القتال المختلفة وبدأ البعض ممن بقوا على قيد الحياة يعودون لقراهم لكن عازف الكمان لم يكن من بين الذين عادوا وبرغم ذلك لم تفقد ماريانا الامل وظلت تنتظر في صبر ولهفة عودة حبيبها .. إلى أن كان ذلك اليوم ... صمتت العجوز للحظة وخيل لهيلين انها تلمح دمعة تترقرق في عينيها قبل ان تقول :كان أحد العائدين صديقا لعازف الكمان شارك معه في القتال على نفس الجبهة وحين عاد كان يحمل أخبارا سيئة.. قال أن عازف الكمان قد لقى مصرعه اثناء القتال . شهقت هيلين حين وصلت العجوز إلى هذا الجزء من القصة ووجدت نفسها تهتف في حسرة :يا للمسكين هزت العجوز رأسها في إشفاق وقالت :بل قولي يا للمسكينة.. فقد كان وقع الخبر كالصاعقة على ماريانا التي انهارت تماما حين ادركت انه لن يكتب لها رؤية حبيبها مرة أخرى .. تساءلت هيلين وهي تشعر بغصة تجثم على روحها :وماذا عن والد الشاب تنهدت العجوز وتمتمت في أسى :الأب جوستاف لقد كان أحسن حظا من ماريانا فقد كان قد لقى مصرعه على يد قوات العدو حين وصلوا لهذه البلدة.. كان أول شخص اعدموه هو الأب جوستاف وهكذا فارق الحياة قبل أن يعرف بمصرع ابنه غمغمت هيلين في أسف :يالها من قصة مأساوية تطلعت العجوز إليها لحظات في صمت ثم قالت وهي تنظر في عيني هيلين :هل تظنين أن القصة انتهت هنا أطلت الحيرة من عيني هيلين وهي تقول :ألم تقولي ان الشاب قد لقى مصرعه ابتسمت العجوز في مرارة وقالت :بلى .. ولكن ماذا عن ماريانا رددت هيلين في حيرة :ماريانا أومأت العجوز برأسها ايجابا وهي تقول :نعم ماريانا المسكينة التي أصابها المرض من هول الصدمة.. اصبحت كالجثة الحية لا تكلم أحدا ولا تفعل أي شيء سوى الجلوس في شرفتها وهي ترمق الافق بعينين حزينتين كانها تناجي روح حبيبها.. كانت البلدة كلها تشعر بالأسى حيال ما جرى لها فقد كانت لا تزال في عمر الزهور لكن لم يكن أحد يستطيع ان يعيد اليها حبيبها الذي فقدته.. حتى والدها تغير حاله تماما ولان قلبه اكثر واصبح كسيرا حزينا لايدري ماذا يفعل كي يعيد الحياة الى ابنته.. ظلت ماريانا على هذا الحال لاكثر من ثلاثة أشهر وفي الشهر الرابع اشتد بها المرض حتى انها اصبحت ملازمة للفراش.. ورغم ان والدها جلب لها أبرع الاطباء لكن احدا لم يستطع ان يشفيها مما بها..كانت كانها قد فقدت الرغبة في الحياة ذاتها بعد أن علمت بموت حبيبها . توقفت العجوز قليلا لتلتقط أنفاسها ثم تابعت :وفي أحد ايام الربيع المشمسة حصلت المعجزة .. كنا نلعب جوار الكنيسة كالعادة حين سمعنا من يصيح ويقول ان عازف الكمان قد عاد تألقت عينا هيلين وهي تستمع للعجوز في شغف وهي تتابع :جرينا في فضول لنتيقن من الخبر.. وبالفعل عند مدخل البلدة رأيناه.. كان يبدو شاحبا للغاية وقد نحل جسده لكنه كان حيا يرزق وقد أحاطت ضمادة برأسه.. شعرنا بفرحة بالغة حين رأيناه أمامنا.. لم يكن احدنا يتصور انه لازال على قيد الحياة.. وقد علمنا فيما بعد أنه اصيب اصابة بالغة أثناء القتال وظن رفاقه انه قد لقى مصرعه لكنه بمعجزة ظل على قيد الحياة ووجده بعض القرويين فحملوه لقريتهم وظلوا يحاولون علاجه بما يملكون من وسائل بسيطة.. كانت حالته خطيرة وجراحه عديدة لكنه جسده استجاب للحياة أخيرا واستطاع ان يستعيد عافيته بعد اسابيع عديدة من بقائه معهم .. تنهدت هيلين وهي تقول في ارتياح :حمدا لله .. وهكذا انتهت القصة نهاية سعيدة على الاقل فوجئت هيلين بالعجوز تقول في حسرة :ليتها كانت كذلك يا ابنتي أطل التساؤل واضحا من عيني هيلين دون ان تنبس ببنت شفة فأطرقت العجوز برأسها وقالت :في نفس اليوم الذي وصل فيه عازف الكمان للبلدة كانت ماريانا تلفظ أنفاسها الأخيرة في هدوء .. شعرت هيلين بقبضة باردة تعتصر قلبها والعجوز تشيح بوجهها لتخفي الدموع التي انسابت لتغرق خديها وهي تقول في مرارة :حين وصل عازف الكمان لمنزل ماريانا كانت هذه الاخيرة قد أسلمت الروح وعلى شفتيها ابتسامة رقيقة كأنها علمت ان حبيبها قد جاء ولكن بعد فوات الأوان .. صمتت العجوز بعد هذه العبارة وأغلقت عينيها في أسى .. ولم تدر هيلين متى ولا كيف انسابت الدموع من عينيها لتغرق خديها وهي تستمع لهذه القصة المأساوية .. وبصوت متحشرج غمغمت هيلين :وماذا فعل عازف الكمان بعد هذا ظلت العجوز صامتة للحظات ثم اجابت بصوت يملؤه الأسى والحزن :كانت صدمة قاسية جدا عليه.. فقد كتبت له الحياة من جديد بعد ان كان على شفا حفرة من الموت وظن انه اخيرا سينعم بلقاء حبيبته فاذا به يجدها قد فارقت هي الحياة.. وعلم ايضا ان والده قد مات.. أي انه فقد كل أحباؤه ولم يعد لديه أحد .. ظل في منزله شهر كامل لا يراه فيها أحد.. لم يكن يكلم أحدا وكأنه قد انعزل عن كل ما يحيط به وصار يعيش في عالم اخر منفصل.. وفي أحد الايام شاهدناه يحمل كمانه الصغير ويتجه لمنزل ماريانا ليجلس على الكرسي المقابل لشرفتها وهو يرتدي السواد ..وبعد ان جلس هناك طويلا وهو صامت تماما التقط كمانه وبدأ يعزف عليه .. تنهدت العجوز في حسرة وكأنها تسترجع ذكرى مؤلمة وهي تقول :كانت أنغاما حزينة وساحرة يصعب وصفها في كلمات.. كان الجميع ينصت لعزفه في افتتان وأسى الى ان انتهى من العزف وبعد ذلك اليوم لم يره أحد قط وعلمنا انه قد غادر البلدة وذهب ليعيش عند قريب له في بلدة أخرى بعيدة.. ومن حين لاخر كان يأتي ليزور منزل محبوبته ويقضي الساعات أمام المنزل ثم يمضي لا يلوي على شيء..وأحيانا كان يجلب معه الكمان ويعزف عليه .. تذكرت هيلين الانغام الساحرة التي كانت تسمعها والتي سحرتها بالفعل من فرط عذوبتها ورقتها وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها وهي تستمع للعجوز التي تابعت :مرت السنون تلو السنون ونسى الناس قصة ذلك العازف الشاب وعادت الحياة تأخذ مجراها المعتاد .. إلى أن كان ذلك اليوم الذي استيقظ فيه سكان الحي ليلا على أنغام لحن عذب حزين .. لم يدر أحد من أين أتت ومن اين مصدرها وإن كان البعض قد تذكر ذلك العازف الشاب وخمن انه هو و قد عاد أخيرا لبلدته .. وفي اليوم التالي تصور سكان الحي انهم سيجدون ذلك الشاب في منزله القديم الصغير لكن لم يظهر له أدنى أثر وتناسى الناس الأمر وظنوا انه قد غادر مجددا لكنهم كانوا مخطئين .. وفيما بعد عرف الجميع أن ذلك العازف قد مات وهو في تلك البلدة عند قريبه .. مات في نفس الليلة التي استيقظ فيها الناس على صوت تلك الالحان وكأن روح الشاب جاءت لتودع منزل حبيبته قبل أن ترحل للأبد ... انهمرت الدموع من عيني هيلين وهي تستمع للعجوز في صمت وقلبها يخفق في حزن ولوعة .. يا لهذا الشاب المسكين .. لقد عانى كثيرا في حياته وقاسى من العذاب ما لايطاق .. ولكن اذا كانت هذه القصة قد حدثت منذ اكثر من ثلاثين سنة فكيف يمكن تفسير ما تراه هي منذ اسابيع معدودة همت بسؤال العجوز عن هذا الامر لولا انها استطردت في نفس اللحظة :مرت منذ ذلك اليوم سنين عديدة ومن حين لاخر يتكلم البعض عن انغام حزينة يسمعونها في جوف الليل أحيانا ومنهم من كان يربط هذا بالقصة التي يعرفها عن ذلك العازف .. البعض كان يقول أن عازف الكمان يظهر في الليالي التي يكتمل فيها القمر تماما كما كان يفعل حين كان واقعا في غرام ماريانا وكان يجلس تحت شرفتها ليعزف لها في الليالي المقمرة , لكن لم يكن هناك شيء مؤكد إذ لم تتسنى رؤيته لكثيرين , كان بعض سكان البلدة يقول أن روح عازف الكمان تأتي من حين لاخر لتزور منزل حبيبته وتعزف تلك الالحان لكن كما قلت لك لم يكن هناك رواية مؤكدة حول هذا الامر ولم يستطع أحد أن يؤكده أو ينفيه .. ومع الوقت تغير المكان وهجره الكثيرون ولم يعد هناك في الحي الا بعض المنازل الصغيرة .. لكن العجيب ان مبنيين ظلا كما هما لم يطرأ عليهما تغيير هما الكنيسة القديمة ومنزل ماريانا .. تذكرت هيلين ما سوف يحل بمنزل ماريانا الذي اشتراه السيد اندرسون وشعرت بقلبها يخفق في قوة وهي تتذكر منظر الفتى الحزين الذي بدا عليه في اخر مرة .. الان فقط فهمت لماذا كان يشعر بالحزن .. لقد عرف أن منزل حبيبته سيهدم ولن يعود كما كان فأحزنه هذا ... وفي أعماقها تمنت هيلين أن لا يهدم المنزل .. لكن كيف السبيل إلى هذا أخرجها من أفكارها صوت العجوز وهي تسألها :ما الذي تفكرين به يا ابنتي انتفضت هيلين وكانها تفيق من غيبوبة ووجدت نفسها تهتف في قوة :سيدة يازوسكي هل تعلمين أن منزل ماريانا سوف يهدم قطبت العجوز حاجبيها الأشيبين وهي تغمغم في تساؤل :ماذا هل أنت متأكدة يا ابنتي امسكت هيلين كتفي العجوز وقالت وحماسها يتضاعف :أجل متأكدة ويجب ان نحاول أن نمنع هذا ... تراجعت العجوز في مقعدها وهي تتساءل :وما الفائدة يا بنيتي ان بقى المنزل او هدم فقد مرت ثلاثون عاما على هذه القصة ولم يعد المنزل قيمة لاحد .. هزت هيلين رأسها في قوة قائلة :بل هناك من يهمه كثيرا ان لايهدم هذا المنزل .. نظرت اليها العجوز في شك وقالت :من تعنين هتفت هيلين في حرارة :عازف الكمان .. رددت العجوز في دهشة :عازف الكمان أومأت هيلين برأسها في قوة وهي تقول :سيدة يازوسكي .. لقد رأيته بنفسي .. رأيت عازف الكمان .. اتسعت عينا السيدة يازوسكي وهي تقول في دهشة :أحقا أحقا رأيتيه يا ابنتي هل انت متأكدة من هذا أومأت هلين برأسها ايجابا وهتفت في حرارة :نعم رأيته وسمعت عزفه ايضا.. ولم أكن اعرف ان له هذه القصة الحزينة.. في البداية ظننته انسانا من لحم ودم لكن بعد ان سمعت قصتك تبين لي غير هذا .. هزت العجوز رأسها في قوة كأنما تنفض مابه وهي تقول :ولكن يا ابنتي قليلون جدا من رأوه.. حتى انا لم اسمع منذ سنين عديدة عن شخص راه أو سمع عزفه .. هتفت هيلين في حماس :لست ادري تفسيرا لهذا لكني متأكدة من انني رأيته.. وفي اخر مرة رايته فيها كان حزينا للغاية والان فهمت سر حزنه .. انه يعلم انهم سيهدمون المنزل .. تنهدت العجوز وقالت :يبدو ان لديك روحا شفافة للغاية يا ابنتي فحتى أنا لم تسنح لي فرصة رؤيته ولو مرة واحدة رغم كل هذه السنين .. لكن ليس بيدنا مانفعله اذا ما كان احدهم قرر ان يهدم المنزل .. قالت هيلين في إصرار :سأبذل كل جهدي لأحول دون هذا .. تأملتها العجوز في اشفاق وتمتمت في خفوت :أتمنى ان تنجحي في هذا يا ابنتي فسيكون من المحزن حقا أن يهدم ذلك المنزل طالما أنه لازال يمثل هذه القيمة لروح عازف الكمان .. ظلت عبارة العجوز الاخيرة تتردد في ذهن هيلين وهي تعبر الطريق عائدة لمنزلها وعقلها يستعيد أحداث تلك القصة الحزينة لعازف الكمان .. وما أن عاد والدها من عمله حتى قررت هيلين أن تطلب مساعدته في الأمر .. لذلك بادرته قائلة وهما على المائدة يتناولا الطعام :أبي .. هل أخبرك السيد اندرسون متى ينوي أن يهدم ذلك المنزل غمغم والدها في هدوء :أظن انهم سيشرعون في ذلك غدا أو بعد غد .. لماذا تسألين تمتمت هيلين في خفوت :وهل من الضروري أن يهدم المنزل لم لايسكن فيه ويكتفي ببعض التجديدات نظر إليها والدها في دهشة وقال :هذا شأنه على كل حال .. ولكن ما سر اهتمامك بهذا الامر أطرقت هيلين برأسها للحظات وغمغمت في خفوت : أبي أريد أن اطلب منك معروفا صغيرا هل لك أن تكلم السيد اندرسون وتحاول اقناعه بعدم هدم المنزل نظر لها والدها في حيرة وهم بقول شيء ما لكنها ابتدرته قائلة :أرجوك يا ابي لا تسألني الان عن سر اهتمامي بهذا الامر لكن يكفي ان تعرف انه يهمني كثيرا .. ظل والدها يتطلع اليها في صمت للحظات وكأنه يحاول سبر أغوارها ثم لم يلبث ان هز كتفيه قائلا :فليكن .. سأرى ما يمكنني عمله في هذا الشأن .. قفزت هيلين تتعلق بعنقه وهي تهتف في سعادة : أشكرك كثيرا يا أبي .. أزاح والدها ذراعيها في رفق وهو يطبع قبلة حانية على رأسها ثم نهض وقال :أظن انني سأجد السيد اندرسون غدا في وقت مبكر اذا كان قد عزم ان يشرع في هدم البيت وحينها سأحاول أن أكلمه في الامر .. لم تعلق هيلين وهي تتابع والدها ببصرها حتى دلف الى غرفته وظلت هي في مكانها تفكر.. لماذا لم تخبر والدها بقصة ذلك العازف لعله يتحمس أكثر لكن شيء ما في قرارة نفسها جعلها تتردد وتحجم عن اخباره بالقصة .. قررت ان تنتظر وترى نتيجة مقابلته للسيد اندرسون . الجزء الرابع -- الأخير وفي تلك الليلة ظلت هيلين طويلا في الشرفة رغم انها في قرارة نفسها كانت تشعر ان ذلك العازف لن يأتي.. وان كان ما قالته السيدة يازوسكي صحيحا من أنه يظهر في الليالي المقمرة فليست هذه الليلة مناسبة اذن.. لكنها برغم ذلك ظلت في الشرفة لبعض الوقت وهي تستعيد احداث تلك القصة المريرة.. مسكين ذلك العازف فبدلا من ان يظفر بمن يحب لم ينل سوى الألم والعذاب .. في اليوم التالي عادت هيلين من المدرسة مسرعة وهي متشوقة لمعرفة ماذا فعل والدها مع السيد اندرسون.. كانت تعرف ان والدها الان سيكون في المنزل وسيكون ايضا قد قابل جارهم وتكلم معه .. وبالفعل حينما دلفت للمنزل وجدت والدها هناك يدخن غليونه وما أن راته هيلين حتى هتفت في لهفة :هل التقيت بالسيد اندرسون نفث والدها دخان الغليون في الهواء وغمغم :نعم .. التقيته قبل حوالي ساعة ... شعرت هيلين بقلبها يخفق في قوة وهي تسأل والدها :هل كلمته في الامر ماذا قال مط والدها شفتيه وقال في ضيق :لم يقتنع طبعا .. قلت لك ان من حقه ان يفعل ما يريد بالمنزل .. أطرقت هيلين برأسها وتمتمت في خفوت :نعم .. معك حق يا أبي .. شعر والدها بالشفقة تجاهها فمال ناحيتها وهو يسألها في حنان :هيلين.. انك لم تتعودي ان تخفي علي أمرا ما فهلا اخبرتني ماقصة ذلك المنزل ولماذا يثير اهتمامك لهذا الحد ظلت هيلين مطرقة برأسها وهي تغمغم في خفوت :حسنا يا أبي سأخبرك بالقصة كاملة .. واندفعت تروي لوالدها حكاية عازف الكمان وهو يستمع لها في صمت بدون ان يقاطعها ومن حين لاخر ينفث دخان غليونه .. بعد أن أنهت هيلين القصة ساد الصمت للحظات ثم قال والدها :حقا إنها قصة حزينة لكن هل أنت متاكدة أنك رأيتي ذلك العازف لا تنسي اننا نتكلم عن أحداث حصلت قبل اكثر من ثلاثين عاما .. غمغمت هيلين :نعم يا ابي صدقني لقد رأيته بل وسمعت تلك الالحان الحزينة التي يعزفها .. مط والدها شفتيه كأنه لم يقتنع بالأمر ثم قال :على كل حال يا ابنتي يؤسفني ان ما اردتيه لن يتحقق فالسيد اندرسون مصر على هدم المنزل ويبدو انهم سيبدءون هذا غدا .. شعرت هيلين بغصة في حلقها وهي تستمع لوالدها وقالت بصوت متحشرج :لكن لماذا ما حاجته لهدم المنزل وهو يملك بدلا منه العشرات تنهد والدها وقال في هدوء :هذا حقه يا ابنتي.. انه تاجر وامثاله لا يقيمون عادة وزنا للعواطف والمشاعر.. هو دفع مالا في المنزل ولابد ان يستثمر ما دفعه .. تساءلت هيلين في حيرة : يستثمر أومأ والدها برأسه ايجابا وقال :نعم .. يبدو انه سيحول المنزل لمكتب خاص يدير منه أعماله .. صمتت هيلين ولم تعلق.. كانت تشعر بتلك الغصة تكبر في أعماقها , كانت تود حقا لو أنها استطاعت ان تمنع هدم ذلك المنزل.. ذلك المنزل الذي يمثل لعازف الكمان الذكريات الجميلة التي جمعته بحبيبته .. كم آلمها أن تفشل في تقديم المساعدة لروح ذلك العازف الحزين .. ظلت هيلين طوال اليوم تفكر في الامر لكنها كانت تشعر باليأس .. فكما قال والدها ليس بمقدور أحد ان يمنع السيد اندرسون من هدم المنزل الذي اشتراه.. لم تستطع هيلين ان تمكث في سريرها فخرجت للشرفة وجلست هناك لبعض الوقت تستمتع بالنسيم الجميل وتتأمل ذلك المنزل ربما لاخر مرة.. كانت تعلم ان خيوط الصباح ستحمل معها نهاية ذلك البيت الجميل .. لم يغمض لهيلين جفن طوال الليل وحين طلع النهار وذهب والدها لعمله ظلت في المنزل ولم تذهب للمدرسة .. كانت هناك فكرة خطرت في بالها وقررت ان تنفذها وهكذا انتظرت في الشرفة حتى ظهر السيد اندرسون.. ما أن لمحته هيلين يغادر سيارته برفقة ذلك الشاب الاشقر حتى غادرت منزلها واتجهت إليهما مسرعة.. رآها السيد اندرسون قادمة نحوهما فابتسم قائلا :مرحبا بالانسة الصغيرة .. هل من خدمة يمكنني أن اقدمها لك قالت هيلين في حزم :نعم .. سيد اندرسون هل لي ببضع دقائق من وقتك التفت اندرسون إلى الشاب الاشقر وقال في هدوء :حسنا يا هانز.. اذهب لتعاين المكان من الداخل وسألحق بك بعد قليل .. اتجه هانز في هدوء للمنزل بينما التفت اندرسون لهيلين وقال وابتسامته لم تفارق شفتيه :والان انستي هل لي ان اعرف ماذا هناك ترددت هيلين للحظة ثم استجمعت شجاعتها وقالت :سيد اندرسون أرجوك لا تهدم هذا المنزل انك لست بحاجة لهذا .. عقد اندرسون حاجبيه الكثين وقال وقد تلاشت ابتسامته :انستي ان كنت جئت لهذا الشأن فيؤسفني ان اخيب أملك .. تهدج صوت هيلين وهي تقول في رجاء :سيد اندرسون لماذا لا تستعمل المنزل كما هو او تكتفي بتجديد بعض الاشياء فيه بدا الضيق على وجهه وهو يقول في برود :انستي أظن أن هذا الامر يخصني وحدي .. اليس كذلك تمتمت هيلين في خفوت :ولكن ... قاطعها اندرسون في حزم :انستي انك الان تضيعين وقتي الثمين وبعد ساعات قليلة ستصل الآلات والمعدات ويبدأ هدم المنزل ولابد ان يكون كل شيء على مايرام .. والان اعذريني .. هم بالانصراف لكن هيلين استوقفته قائلة :سيد اندرسون .. أرجوك انتظر ... زفر اندرسون وقال في نفاد صبر :انستي.. ليس لدي وقت لاضيعه فإما أن تقدمي لي عذرا مقبولا ومنطقيا او تدعيني وشأني . ترددت هيلين في أن تخبره بالقصة لكنها فكرت انه ليس لديها ما تخسره فقالت في خفوت :فليكن .. سيد اندرسون سأخبرك بقصة هذا البيت .. كل ما ارجوه ان تسمح لي ببعض الوقت .. تنهد اندرسون في نفاد صبر واشار لها بيده ان تستمر فاندفعت هيلين تحكي له قصة ذلك العازف , حاولت ان تحكي القصة باختصار بينما اندرسون يستمع لها في تململ واضح حتى انتهت هيلين من قصتها ونظرت له في أمل وهي تقول :والان سيد اندرسون كما ترى .. إن هذا البيت يمثل قيمة معنوية كبيرة و.. قاطعها اندرسون قائلا :انستي لقد استمعت اليك بما فيه الكفاية ولكن يؤسفني ان قصتك الحزينة لم تؤثر في.. لو انني اسمح لهكذا امور عاطفية ان تسيطر على تفكيري وعملي لما وصلت الى ما أنا عليه اليوم.. والان اعذريني فلدي أشغال كثيرة .. قالها وانصرف تاركا هيلين واقفة وهي تشعر بالحسرة والألم في أعمق أعماقها .. وجاهدت كي تمنع الدموع التي تترقرق في عينيها من الانحدار ... لقد فشلت في ان تقنع هذا الرجل المتعجرف وهاهي لن تمضي ساعات قليلة إلا ويهدم المنزل .. لم تشعر برغبة في ان تعود الى البيت فقادتها قدماها الى ذلك الكرسي فجلست عليه ودفنت وجهها بين كفيها وهي تشعر بمرارة كبيرة .. لقد تحمست كثيرا حين سمعت قصة ذلك العازف وشعرت ان مسئولية انقاذ البيت تقع على عاتقها خصوصا بعد أن رات بنفسها ذلك الحزن الكبير الذي ارتسم على وجه العازف في اخر مرة راته فيها ... لكن ماذا بوسعها أن تفعل شعرت في أعماقها بمقت كبير تجاه ذلك الرجل وقلبه المتحجر .. ترى هل سترى ذلك العازف بعد ان يهدم المنزل كلا بالطبع فلن يعود هناك شيء يمكن ان ياتي لاجله أو يعزف له تلك الالحان الحزينة ... لم تفق من أفكارها إلا على صوت الآلات والمعدات الثقيلة التي وصلت للحي كي تبدأ عملية هدم المنزل.. وانتفضت هيلين في مكانها وهي تشعر بقلبها يخفق في قوة.. لابد من أن تمنع هذا.. لابد .. ولكن كيف كان السيد اندرسون وذلك الاشقر هانز واقفان هناك امام البيت وقد شرع الاخير يشرح فيما يبدو بعض الامور للعمال الذين سيشرعون في الهدم .. لم تدر هيلين كيف ولا متى نهضت من مجلسها لتجد نفسها تندفع لتقف أمام باب المنزل وعلامات العزم والاصرار بادية على ملامحها ... وللحظة تطلع اليها اندرسون في دهشة ثم صاح بها :آنسة هيلين .. أرجو أن تبتعدي عن هذا المكان فسيبدأ الهدم الان .. لم ترد هيلين وإن ظلت علامات الإصرار مرسومة على وجهها وهي ثابتة في مكانها , فزفر اندرسون في ضيق وهتف وهو يتجه ناحيتها :آنستي.. ما تفعلينه غير مجد ابتعدي ارجوك كي لاتصابي بأذى .. ظلت هيلين صامتة وهي تعقد ساعديها امام صدرها وتقف في جمود , فزفر اندرسون ثانية وصاح في عصبية :هانز .. ابعد هذه الفتاة بسرعة .. أمسك هانز ذراعها في قوة وهو يجذبها بعيدا عن المنزل وهي تقاوم في عنف وتصيح :دعني .. قلت لك دعني .. لكن هانز ظل ممسكا بها فجمعت هيلين كل قوتها وركلته في ساقه بعنف فأفلت هانز ذراعها وهو يتأوه في ألم ويصرخ :أيتها اللعينة .. لكن هيلين انسلت من ذراعه وجرت ناحية المنزل ثانية وهمت بالوقوف هناك لولا ان انبعث صوت صارم يصيح :هيلين .. استدارت هيلين لمصدر الصوت لتجد والدها واقفا هناك يرمقها في غضب وهو يهتف :ما هذا العبث وما الذي تفعلينه هناك تنهد اندرسون في ارتياح حين شاهد والد هيلين وهتف به :سيدي .. أرجوك دعها تبتعد كي نتم عملنا .. لقد سببت لنا الكثير من المتاعب حدج والد هيلين ابنته بنظرة صارمة وهو يقول في حزم :إطمئن ياسيد اندرسون .. لن يعطلك أحد عما تود القيام به .. واتجه نحو ابنته وهو يهتف بها في صرامة :هيلين هيا بنا ... أطرقت هيلين برأسها في صمت وراودتها للحظات فكرة ان تظل في مكانها لكنها لم تشأ ان تغضب والدها فمشت اليه في صمت وهي مطرقة فامسك والدها بيدها وهو يقول موجها كلامه للسيد اندرسون :أرجو ان تقبل اعتذاري سيد اندرسون على ما بدر من ابنتي .. أومأ اندرسون برأسه ولم يقل شيئا بينما استدار والد هيلين واتجه هو وابنته الى المنزل وما ان دلفا اليه حتى اسرعت هيلين بالصعود لغرفتها وهناك ارتمت على سريرها وهي تدفن وجهها بين كفيها وتنشج بالبكاء في حرارة .. لم تدر هيلين كم ظلت من الوقت تبكي واصوات الهدم والتكسير تبلغ سمعها فتشعر كأنها معاول تهدم أعماقها حتى ساد الصمت ولم يعد يسمع أي صوت .. نهضت هيلين في بطء واتجهت نحو الشرفة وهناك وقع بصرها على المنزل أو على بقايا المنزل وقد تهدم أغلبه وشعرت بقبضة باردة تعتصر قلبها .. شعرت بيد توضع على كتفها في رفق فاستدارت لتجد والدها واقفا في الشرفة ويتطلع لها في اشفاق.. اندفعت هيلين في احضان والدها ودفنت رأسها في صدره ودموعها تعود لتنهمر من عينيها.. فمسح والدها بيده على رأسها في حنان وتركها تفرغ انفعالاتها في صدره حتى هدأت قليلا ..وهنا أمسك والدها بذقنها ورفع رأسها في هدوء وهو يقول بابتسامة حنونة :هيلين.. اعلم ان هذا الامر احزنك كثيرا لكن الحياة لم تنته بعد .. ربما كان هدم المنزل شيء مؤسف لكنك بذلت مافي وسعك ولم يكن هناك طريقة يمكن ايقاف هذا بها .. أومأت هيلين برأسها في صمت ولم تعلق بحرف فتابع والدها :حسنا .. سأتركك الان لترتاحي قليلا لكن أتمنى ان لا تعذبي نفسك كثيرا ... انصرف والدها وبقيت هي في غرقتها صامتة حزينة .. لم تشعر برغبة حتى في الأكل او عمل أي شيء .. ظلت في مكانها إلى أن حل الظلام فنهضت الى الشرفة وظلت هناك في نفس المكان الذي تعودت ان تجلس عليه تنتظر مجيء عازف الكمان .. لم تكن تريد ان تحول بصرها ناحية المنزل فتراه وهو بهذا الشكل لذلك تشاغلت بالنظر الى الناحية الأخرى طوال الوقت... مرت ثلاثة أسابيع على ذلك اليوم ولم يفارق الحزن قلب هيلين التي اصبحت تعيش في جمود وآلية وهي تذهب للمدرسة نهارا ثم تعتكف في غرفتها ليلا .. لم تعد حتى تجلس في الشرفة كما اعتادت.. وفي تلك الليلة كان القمر مكتملا ورواد هيلين الامل في ان ذلك العازف قد يأتي فقبعت في الشرفة طوال الليل تنتظر ولكن دون جدوى .. وتكرر الامر في الليلتين التاليتين .. وأدركت هيلين ان ذلك العازف قد رحل الى الابد وانها لن تسمع مجددا تلك الالحان الساحرة الحزينة ... كم تمنت لو انها تستطيع ان تكلمه ولو لمرة واحدة وتخبره عن اسفها وحزنها لما حدث .. وفي اخر ليلة ظهر فيها القمر شعرت هيلين أنها تودع ذلك العازف إلى الأبد وأمتلأت أعماقها بالحزن وهي قابعة في مجلسها في الشرفة حتى غلبها النعاس فنامت حيث هي .. لم تدر هيلين كم ظلت نائمة لكنها أحست بشعور غريب يدفعها لأن تفتح عينيها وحين فعلت كان الليل لا يزال يلف المكان وضوء القمر يأتي من بين الغيوم ليبدد قليلا من ظلمة الليل .. وحين نظرت هيلين للأسفل سرت في جسدها قشعريرة عجيبة وشعرت بقلبها يخفق في قوة.. لقد كان واقفا هناك.. عازف الكمان بثيابه السوداء وكمانه الصغير .. لم تصدق هيلين ما تراه وتسمرت في مكانها تماما وهي تراقب الشاب الذي كان يقف هذه المرة وهو ينظر لها وابتسامة عذبة ترتسم على شفتيه ..وقبل أن تفهم هيلين شيئا شعرت بصوت يتردد في أعماقها قائلا : " تعالي .." شعرت هيلين بالدهشة من هذا , فالصوت الذي سمعته كان كأنه ينبعث في أعماقها ومن داخل عقلها.. لم تدر كيف ولا متى قطعت المسافة من شرفتها إلى الخارج.. لم تشعر إلا وهي تقف وجها لوجه أمام ذلك العازف الذي لم تختف ابتسامته وهو يتناول يدها في رقة ويقودها في رفق إلى ذلك الكرسي لتجلس عليه .. " شكرا لكل مافعلته .. " مرة أخرى تردد الصوت في عقل هيلين وهي تحدق في دهشة في الشاب الذي لم تنفرج شفتاه وهو ينظر لها وابتسامته تتألق على شفتيه .. حتى الجو المحيط بها كان غريبا للغاية .. شعرت هيلين ان الزمن ذاته توقف وأن هدوءا عجيبا يلف المكان بأكمله ويشترك مع ضوء القمر الشاحب في اضفاء السحر والغموض على كل شيء .. شعرت هيلين بإسترخاء شديد يغمرها .. وبسعادة كبيرة وهي لاتصدق ان عازف الكمان يجلس إلى جوارها على ذلك الكرسي .. وحين نظرت إليه وجدته يرمق بقايا المنزل في أسى فشعرت بالحزن يعتصر قلبها وهتفت بدون تفكير : " هل تشعر بالحزن " لم تكد تنطق عبارتها حتى اصابها الذهول .. فعلى الرغم من أنها واثقة أنها فتحت شفتيها لتقول ما قالت الا انه خيل اليها ان عبارتها لم تنطلق من شفتيها بل عبرت عقلها وترددت فيه مثل الصدى ... ويبدو ان الشاب سمعها لانه استدار إليها .. " نعم .. كانت هناك ذكريات جميلة في هذا المكان ..." مرة أخرى تشعر هيلين بالصوت يتردد في أعماقها فخفضت رأسها .. " لقد حاولت أن أحول دون هذا لكني لم استطع ... سامحني " ابتسم عازف الكمان في عذوبة وهو ينظر في عينيها .. " أعلم ... ولهذا أتيت .." رفعت هيلين رأسها ونظرت إليه في دهشة ... " ماذا تعني .. " " لم أشأ أن أرحل قبل أن اتي لرؤيتك وتوديعك .. اعلم بكل مافعلته من أجلي ولهذا جئت اليوم من أجلك.. من أجلك أنت فقط ..." شعرت هيلين بسعادة غامرة وهي تستمع لهذه الكلمات .. اذن فقد جاء من أجلها هي .. كم تشعر بالفرحة والسعادة كان كل هذا حلم جميل تخشى أن تستيقظ منه .. " اليوم سأعزف من أجلك أيضا .. ولاخر مرة " رأته هيلين يمسك بالكمان ويرفعه إلى كتفه ويبدأ بالعزف .. ولم تعد هيلين تشعر بأي شيء من حولها ... لقد كانت الالحان هذه المرة في قمة السحر والعذوبة كما لم تعهدها ابدا من قبل ... شعرت أن الانغام تأخذها وتحلق بها في عوالم وأزمنة أخرى.. لم تعد تشعر بأي مشاعر أخرى سوى الانسجام مع اللحن الساحر الذي تسمعه ... كانت تشعر بالأنغام تتسلل لاعمق أعمق كيانها فتبعث فيها استرخاء لم يسبق ان شعرت بمثله في حياتها من قبل.. خيل لهيلين أن كل شيء من حولها يتفاعل مع هذا اللحن الملائكي الرقيق .. وفجأة توقفت الألحان الحزينة وافاقت هيلين من نشوتها لتجد الشاب واقفا أمامها وهو يبتسم في رقة ... لم يقل شيئا لكن عيناه قالتا الكثير .. " هل .. هل سترحل .." " لم يعد لي أي شيء هنا .." " كم أتمنى لو كنت معك ..." " من تملك روحا شفافة كروحك ستجد يوما كل السعادة مع من تستحق .." اغرورقت عينا هيلين بالدموع .. وشعرت بحزن بالغ يسري في كيانها كله ... " هل سأراك ثانية .." أخرج الشاب وردة صغيرة وضعها في يد هيلين برقة .. " أنا لست سوى ذكرى حزينة لابد لها أن تختفي يوما ما .. مجرد غروب يلفظ أنفاسه الأخيرة كل يوم وحان له أن يستريح إلى الأبد ..." نهض الشاب واقفا واستدار كي يبتعد ... وشعرت هيلين بالدموع تسيل لتغرق وجهها في صمت ... " ما اسمك ... " التفت اليها عازف الكمان ومنحها ابتسامة حزينة ثم استدار مبتعدا في هدوء والظلام يبتلعه .. ويبتلعه ... وفجأة انتفضت هيلين في قوة وشعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدها كله وهي تفتح عينيها لتجد نفسها في شرفتها وفوق مقعدها .. كان الليل يلفظ انفاسه الاخيرة وضوء الشفق يبدو من بعيد باهتا شاحبا ... وشعرت هيلين بالبرد وهي تتلفت حولها في دهشة .. هل كان كل هذا حلما راودها وهي نائمة في الشرفة أم كان حقيقة هل يعقل انها قابلت عازف الكمان ودار بينهما كل هذا الحوار ... انها تذكر كل كلمة .. بل كل حرف ... بل لا زالت تلك الانغام الساحرة التي عزفها يتردد صداها في أعمق أعماق روحها ... " وهكذا أشرقت الشمس في ذلك اليوم وانا لازلت في حيرة من كل ماحصل هل كان حلما أم حقيقة ..." نطقت هيلين العبارة السابقة وهي تنظر بمرح إلى فتاة شقراء نحيلة تجلس مقابلة لها , فمطت هذه الاخيرة شفتيها وقالت : " يا الهي هيلين .. يالها من قصة عجيبة " ابتسمت هيلين قائلة : " لكنها حصلت بالفعل معي ورغم مرور اكثر من ثلاث سنوات منذ ذلك الحين الا انني لم استطع نسيانها قط .." هزت الفتاة كتفيها قائلة : " لا زلت أجدها قصة عسيرة التصديق هيلين ..." مالت هيلين ناحيتها وقالت : " ليديا أنا وأنت نتشارك نفس الغرفة منذ وقت طويل .. نأكل سويا وندرس سويا وننام سويا , فهل تظنين أنه يمكنني أن اختلق أمرا ما وأكذب عليك " أشارت ليديا بكفها وقالت في مرح : " بالطبع لا هيلين .. لكني قصدت انها قصة عجيبة بالفعل خصوصا مسألة لقائك بذلك العازف .. " شردت عينا هيلين وكأنها تستعيد ذكرى بعيدة وهي تقول : " لا ألومك كثيرا في قولك هذا أنا نفسي حين استعيد كل ماحدث أشعر أنه كان اقرب الى الخيال .." تساءلت ليديا في فضول : " لكن اخبريني هيلين .. لماذا لم تخبرينني بتلك القصة من قبل اننا نعيش معا هنا منذ سنتين ولم أسمعك تذكرين حرفا واحدا عن قصة عازف الكمان هذا " ابتسمت هيلين وقالت : " لست أدري ربما شعرت في النهاية أنني اريدك ان تشاركيني هذه القصة الساحرة , وربما لانني خشيت ان حكيتها لك من قبل ان لا تصدقينني " غمزت ليديا في مرح قائلة : " لذلك كنت تحرصين دوما على الجلوس في الهواء الطلق في ليالي الصيف المقمرة .. " ابتسمت هيلين في مرح ولم تعلق فتابعت ليديا بنفس المرح : " ولهذا ايضا سجلت اسمك في صف تعلم عزف الكمان لقد تساءلت وقتها لماذا اخترت هذا الصف بالذات " ظلت هيلين صامتة وهي محتفظة بابتسامتها فقالت ليديا في فضول : " ولكن أخبريني .. ألم تعودي ابدا لزيارة تلك البلدة مجددا .. " هزت هيلين رأسها بالنفي وقالت : " لا .. وإن كنت أتمنى أن افعل هذا يوما ما .. لم نمكث هناك كثيرا لان والدي اضطر لتغيير مكان عمله وهكذا سافرنا مجددا وجئنا إلى هنا منذ ثلاث سنوات .. وبعد أقل من سنة كان على والدي أن يسافر مرة أخرى ولكي يوفر علي عناء التنقل هذه المرة قرر أن أظل هنا واقطن في المدرسة الداخلية هنا ..وربما كان هذا من حسن حظي لانني تعرفت لصديقة رائعة مثلك .." هتفت ليديا في مرح : " أوه هيلين أشكرك .. انت لطيفة جدا " بادلتها هيلين الابتسام وبدا أن ليديا تذكرت شيئا ما فقالت : " ولكن ماذا عن تلك السيدة العجوز .. ماذا قلت اسمها " قالت هيلين : " السيدة يازوسكي ... إنني اتبادل معها الرسائل من حين لاخر .. لا يمكنني أن أنساها فهي إمرأة طيبة للغاية ولولاها لما عرفت ابدا قصة ذلك العازف " عادت ليديا تسألها : " ولكن ألا ترين هيلين ان قصة ذلك الشاب بائسة بالفعل .. حتى انه في النهاية فقد حبيبته ولم يظفر بيوم واحد يعيشه معها .. يا للمسكين " وافقتها هيلين بإيماءة من رأسها وهي تقول في حزن : " بالفعل إنها قصة محزنة للغاية.. لكن لابد أن روح ذلك العازف ارتاحت في النهاية.. هل تعلمين أحيانا اشعر ان هدم منزل حبيبته كان أفضل.. لقد كان هذا بمثابة القيد الذي يحيط بروح العازف فلما زال تحررت روحه وانطلقت .. هو نفسه قال هذا.. ومن يدري ربما تلاقت روحاهما في نهاية المطاف .. " تطلعت اليها ليديا في صمت للحظات ثم قالت : " هيلين هل لي أن أسألك سؤالا ..." تمتمت هيلين : " بالتأكيد ..." نظرت ليديا في عينيها مباشرة وهي تقول : " لماذا يخيل لي أن هناك شيء ما يجعلك واثقة أن لقائك بذلك العازف كان حقيقة وليس وهما " ابتسمت هيلين ولم تعلق فتابعت ليديا : " هيلين هل تخفين شيئا ما عني .. " هزت هيلين رأسها نفيا وإن بدت ابتسامتها غامضة لليديا التي لم تلبث أن نفضت الامر عن رأسها وهي تتمنى لهيلين ليلة سعيدة وتطفىء المصباح الصغير المجاور لسريرها ... أما هيلين فقد ظلت مستلقية على سريرها لبعض الوقت وهي تحدق في سقف الغرفة في شرود.. ثم نهضت من سريرها واتجهت للخزانة الصغيرة المجاورة لسريرها ففتحتها والتقطت منها شيئا ما قبل ان تتجه نحو النافذة فتفتحها مصراعيها لتسمح لضوء القمر بالتسلل إلى الغرفة وجذبت كرسيا وضعته جوار النافذة وجلست عليه تتأمل القمر الذي بدا مكتملا في تلك الليلة وهو ينشر عباءته الفضية الرقيقة في كل مكان .. وتنهدت هيلين تنهيدة حارة من أعمق أعماق روحها .. برغم أنها لم تر ذلك العازف مجددا منذ ذلك اليوم .. وبرغم كل تلك السنوات التي مضت إلا أن الأمل لازال يراودها في أن تسمع ألحانه يوما ما ... تلك الألحان العذبة التي لم تستطع نسيانها إلى الان .. لن تفقد الأمل أبدا في رؤية ذلك العازف .. ولازالت رؤية القمر تذكرها به وبألحانه الساحرة .. وتذكرها بذلك اللقاء الرائع ...اللقاء الذي لن تنساه ما حيت ... حين وصلت بأفكارها لهذه النقطة تذكرت سؤال صديقتها ليديا لها عن لقائها بعازف الكمان .. وخفضت هيلين بصرها إلى يدها التي كانت مضمومة لتفتحها في بطء ... وهناك بين أناملها كان يستقر شيء عجيب ... كانت بقايا وردة صغيرة ذابلة شاحبة ... الوردة التي قدمها لها قبل أن يرحل ذلك العازف... عازف الكمان .... تمت بحمد الله
|
||||||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||||||
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|