أقبَلَتْ صَديقتُهَا المفضَّلَةُ (ريشةُ البَتُولِ) .. ريشة جميلةٌ وهادئةٌ ولكنَّها عَرْجَاءُ ...
فصَافَحَتْهَا (ريشةُ الشيوخِ) ...
وطَلَبَتْ منها أنْ تشاركَهَا في لعبتِهَا المفضَّلَةِ وهي اللَّعِبُ بالبراجون ....
(البراجون) ... عبارةٌ عنْ كُرَاتٍ صغيرةٍ لها ألوانٌ جميلةٌ يُدَحْرِجُهَا اللاعبُ بإصبعِهِ إلى اتجاهِ الحفرةِ الصغيرةِ ويحاولُ قَدرَ المُستطاعِ إدخالَهَا في الحفرةِ ...
كانوا يقومون بحَفْرِ ثلاثِ حُفَرٍ صغيرةٍ ويبدؤون اللَّعِبَ ...
وكانتْ هناك مراحل وقواعدُ معينةً للعبةِ ...
هذه اللعبةُ ممتعةٌ للصبيانِ أكثرُ مِنْ البناتِ ولكنْ صغيرتَنَا لا تهوى ألعابَ البناتِ .. برأيِهَا أنها ساذَجَةٌ وبعيدةٌ عَنِ التحديّات ...
لأنها تسعى دائما إلى التحدِّي وتعشق سَمَاعَ كلمة (أتحدَّاكَِ) ...
وصارتْ هي ريشةُ التحدِي في كلّ المواقفِ لا تهابُ حتى تسلقَ الجبالِ ...
حتى وإنْ سَقَطَتْ مَرَّةً – مرّتينِ – ثلاثاً- أربعاً – هذا لا يُهِمّ عِنْد صاحبَتِنَا
المُهِمُّ أنْ تَصِلَ في النهايةِ فالانتصارُ له طَعْمٌ لذيذٌ في نظرِهَا ...
فجَلَسَتْ تلعبُ هي ورفيقتُهَا ريشةُ البتولِ لعبةَ البراجونِ في ذاك الزقاقِ الضيِّقِ والمتَّسِخِ
كان كُلُّ شيءٍ حَوْلَ الريشاتِ الصغيراتِ متَّسِخًا وغير نظيفٍ حتى ملابسَهُنَ كانت متسخةً
كلُ شيء كان متسخاً ...
إلاَّ شيءٌ واحدٌ ...
كان نظيفا جداً وهو (قلوب الصِّغارِ) ...
فلَمْ تَعرِفْ قلوبُ الصِّغارِ القذارةَ بَعْدُ ...
كان اللعب شيِقَاً جداً .. وازدادَ الحماسُ في قلوبِ الصغيرات وأقبلتْ كلُّ الرِّيشاتِ المؤنثةِ والمذكَّرَةِ يصفقونَ ويهتفونَ ويشجِّعونَ ...
(لمْ يكن الاختلاطُ حينَهَا ممنوعاً) ...
ريشةُ الشيوخِ هَيَّا !!
ريشةُ البتولِ هَيَّا !!
كانتْ الأصواتُ ترتفع والحماس يزيدُ والكلُّ يريد الفوزَ ...
ريشةُ البتولِ .. شخصيةٌ جميلةٌ وهادئةٌ وتلعبُ بحكمةٍ وفِطْنَةٍ وهدوءٍ ...
ولا تتسَرَّعُ أبدا في اتخاذِ قراراتِهَا ...
فمعروف عنها في تلك الصَفَحَةِ هدوؤهَا وطيبتُهَا..
ورغمَ قِصَرِ قامَتِهَا، إلا أنَّها كانت تتميَّز بطول البالِ ...
كان البعضُ يعتقدُ أنَّهَا ستفوزُ في النهايةِ ...
والسببُ هو تريُّثُهَا لا أقلُّ ولا أكثرُ... رغْمَ أنَّها قليلةُ الذكاءِ ...
كانتْ طيبةً وحكيمةً كما كانتْ ترضى بالهزيمةِ ...
تتمتَّعُ بروحٍ رياضيةٍ عاليةٍ جداً..
أمًّا ريشةُ الشيوخِ، فهي عَجولةٌ جداً وسريعةٌ في لعبِهَا...
سريعةٌ في حركتها، سريعةٌ في تفكيرِهَا، سريعةٌ في خُطواتِهَا ...
فمعروفٌ عنها دائماً "لا وقتَ لديها" ...
ترفضُ الانتظارَ وبشِدَّةٍ ...
ومِنْ أقسى الكلماتِ بالنسبةِ لها كلمةُ (انتظري)...
كان البعضُ يُشَجِّعُهَا بحماسٍ شديدٍ .. ولكنْ كانت هناك كلمةٌ تقالُ لها من ضمنِ الكلماتِ التشجيعيةِ وهي كلمةُ (انتظري)!!!
رغمَ عفويةَ ريشةِ الشيوخِ، إلاَّ أنها ترفضُ الهزيمةَ ...
ولا تتمتعُ بالروحِ الرياضيةِ ...
فإذا انهزَمَتْ، بَكَتْ وتأفَّفَتْ وتضَجَّرَتْ وتَعَفَّرَتْ وغَادرَتْ المكانَ ...
طالما دخلَتْ الملعبَ فيجبُ عليها أنْ تفوزَ...
تفرضُ على نفسِها الفوزَ...
وتُلْزِمُ ذاتَهَا بالانتصارِ...
حتى لو كانتْ مجرَّدَ لعبةٍ ....
يستحيلُ عليها الاعترافُ بالهزيمةِ ...
للَِّعبِ في قاموسِها قاعدتان .. إمَّا الفوزُ وإمَّا الانسحابُ ...
لا تعترفُ بالهزيمة... ولنْ تعترفَ !!!!
وقد يكون هذا عيباً مِنْ عُيوبِها أو مِيزَةً مِنَ المزايا...
لا أدري ...
واستمرَّ اللعبُ وزادَ الحماسُ ... وأخيراً
انتهتْ اللعبةُ بفوزِ ريشةِ البتولِ على ريشةِ الشيوخِ ...
حتماً هناك بركانٌ سينفجرُ لأنَّ المهزومةَ هي ريشةُ الشيوخِ ...
أني لا استبعدُ أنْ يكون سببُ اندلاعِ الحربِ العالميةِ الأولى ...
انهزامَ ريشةِ الشيوخِ في تلكَ اللعبةِ ...
انقضى ذاك اليومُ وريشتُنا الصغيرةُ مُطأطئةٌ رأسَهَا...
فانهزامُها أكبر عَارٍ عليها...
وتمَّ الإضرابُ عَنِ الطَّعامِ .. والإضرابُ عَنِ الكلامِ .. والإضرابُ عَنِ الوِئامِ ...
شاهَدَ الأبُ وضْعَ ابنَتِهِ فَسألَهَا: ما بالُكِ يا صَغيرَتي؟ إنِّي أراكِ مِنَ الغداءِ تهربين ...
وعَنِ الَّلبَنِ تغادرين، وعَنِ الدواءِ تغيبين ..
ومِنْ أمِّك لا تسمعين، ومَعْ إخوانِكِ لا تتحدثين ...
فقالتْ بصوتِهَا الهَزيلِ: لقد انهزَمْتُ يا أبي ...
فضَحِكَ الأبُ وهو يعرفُ مَعَ مَنْ يتحدَّثُ ... ( مَعْ ريشةِ التحدِّي)
فقال لها: هذه لعبةٌ يا صغيرتي ..
قالتْ: وإنْ يكنْ ... أريدُ أن أفوزَ ... فأنا لا أُحبُّ الهزيمةَ يا أبي ... لا أحبُّها ...
قلتُ لكَ لا أحبُّها ... لا أحبُّها يا أبي .. لا أحبُّها ... لا أحبُّها ...
ثُمَّ ارتَمَتْ فى حِجْرِهِ تبكي ... وكأنَّها تُقِرُّ بالهزيمةِ مدى الحَياةِ ...
فردَّ عليها الأبُ الرَّحيمُ والشيخُ الحكيمُ:
مَا زِلْتِ صغيرةً يا ابنتي ولا أدري كيفَ أشرحُ لكِ كلامي ...
فقدْ تجهلينَ ما أقولُ لصِغَرِ سِنِّكِ ...
ولكنِّي قَرِّرْتُ أنْ أقولَ .. لأني أعرفُ مَعَ مَنْ أتحدَّثُ ...
هناكَ شيءٌ يا حبيبتي يُدعى التجربةُ ...
ولا توجدُ هناكَ كلمةُ (انتصار) أو (انهزام) ...
ولا توجدُ كلمةُ (ناجح) أو (فاشل) ...
ولا توجدُ كلمةُ (صَح) أو (خطأ) ...
هي تجربةٌ فقط ...
وأنتِ شجاعةٌ وقويَّةٌ لأنَّكِ قُمْتِ بالتجربةِ
ويكفيكِ شَرَفُ التجربةِ ...
هذا بِحَدِّ ذاتهِ يُمَثِّلُ انتصاراً عظيماً ...
فالحياةُ كُلُّهَا بمَا فيها (مُجَرَّدُ تجربةٍ)...
فهناكَ مَنْ يَخافُ يا ابنتي مِنْ خَوْضِ التجربةِ ...
ويَخافُ مِنْ دخولِ المعركةِ ... ويخشى صُعودَ الجِبَالِ ...
أمَّا أنتِ، فلا شيءَ يُخيفُكِ ...
لأنَّكِ شجاعةٌ ... وجريئةٌ ... وقويةٌ ...
فلا تَحزني لذلكَ ولا تفكِّري، اذهبي إلى صديقَتِكِ (ريشةِ البتولِ)، وقولي لهَا: مبروك ..
أنتِ الفائزةُ، لقدْ انتصرْتِ، وإنكِ تستحقينَ هذا الفوزَ ...
وحاولي أن تلعبي معَهَا مجدَّداً فقدْ تفوزينَ يوماً ...
ولا تجعلي انهزامَكِ هذا كارثةً كبرى ...