احبائي القراء الكرام
استميحكم عذرا لتأخري بنشر الجزء الرابع . هاهو بين يديكم ارجو ان ينال استحسانكم .. ويحوز رضاكم .
تقبلوا تقديري واحترامي
الجزء الرابع ...
نهض مدحت معتمدا على كفيه المتسختين لايدري كيف يداري خجله من عيون ترمقه بنظرات اختلط فيها التشفي والاستهزاء , نظر الى هيئته المزرية التي ماعادت توحي بانه ذاك الولد النظيف الحريص الذي يبقي على هندامه مرتبا وانيقا .. وهو الدؤوب ان يكون مظهره ارقى من ان يسمى بابن الجزار . تلك المهنة التي ما احبها يوما ولا تعايش معها مطلقا ولا احس بسعادة وهو يمارسها مرغما لا حول له ولا قوة ,
كان يبغضها باعمق معاني الكره , ما من شيء يشده اليها فشتان مابين عشقه للروائح العطرة وتلك الرائحة النتنة او بين تعلقه بالنظافة ورؤيته القاذورات تسكن كل اجزاء ثوبه مع حرصه الشديد ان يدوم نقيا زاهيا , تلك المهنة التي ترغمه على الاستيقاظ عند منتصف الليل في تلك الليالي الباردة ليخرج من دفء الفراش الوثير متثاقلا منزعجا الى صقيع تئن فيه العظام يتخيل الناس حسدا وهم نيام قد غزا الكرى عيونهم بينما هو يسوق امامه قطيع قوامه شياه وديعة تسير بهدوء وسكينة وذكرانها المثقلة بارطال الشحوم واللحوم تتماوج تحت صوف ابيض نقي , وذكران السواد تلك الماعز التي كانت للجن والشياطين اخوانا بالرضاعة ما كانت تمر بشجرة الا اثقلتها بالجراح كأنها فصيل جراد منتشر لا تبقي ولا تذر , والقيادة لبقرات سمان يجرها والده بجسارة جزار فطن .
كم مرة تساءل في نفسه ماذا لو ان الله قد خلقني ابن حبيب تاجر الاقمشة لاكون بدلا عن ولده ماجد ذو الثوب الانيق الذي يجلس في دكان ابيه مدللا لا يفعل سوا ان يناول اباه ملفوف القماش او يعينه في قص قطعة منه ..
ماذا لو ان الله خلقني على اني نديم ابن الاستاذ شاهر مدير المدرسة وهو يتبختر بهندامه المميز بين تلاميذ مدرسته تحسبه ابن ملك ووليا للعرش لا يكاد يعصى له امرا والكل يتملقه وينظر اليه بحسرة لما له من مكانة تفوق بعض الاحيان هيبة المعلمين .
لماذا اختار له الاله ان يكون ابن مهنة يكرهها وابن جزار قاس جلف لا يفقه من الدنيا الا ازهاق ارواح تلك المخلوقات الوديعة التي تتهادى امامه وكأنها سيقت لمرج اخضر وعين ماء عذبة .. ماكان ابوه يتقن الا صنعة الذبح واراقة الدماء وتقطيع تلك الاجساد المعلقة الطرية كأنها حفنة مجرمين اعدموا للتو .. كم كان مقززا ان يراها تتمايل معلقة وصرير الكلاليب تصدح كابواق فرقة الاعدامات .كانهم يبكون بعضهم بعضا وقد صار عاليها سافلها وقطرات دماها تترى , كم مرة تمنى نفسه ان يكون على ذاك الوضع ساقاه تشير الى السماء وراسه ينظر في غياهب الارض ومنحره يسيل دما !
فكرة راودته طويلا عسى ان يلفت نظر والده الى ما يعانيه من ذل ومهانة زرعت في نفسه الويلات , ترى هل سيهرع ابوه فيعتذر منه على ما قد سلف من قسوته عليه ان عاش ؟
هل يتدارك ما بقي من ايامه بان يعامله بالحسنى ؟ ما بضمن استجابة لذلك وقد هزه صعوبة تلك الحادثة عندما كان راجعا الى داره بعد ان اوصل والده ليكمل نومه الكابوس كي يتمكن من النهوض في الصباح الباكر للذهاب الى مدرسته وملازمة الدروس .. حين نازعه هاجس الخوف من عصابة كلاب سائبة كأنها احست بوحدته وشمت رائحة خوفه فنصبت له فخا في سواد الليل الموحش ,تحاوطته من كل جانب فلم يشفع له صراخه العاوي محاولا طردها ولم تنفع عصاه التي تعّود حملها يهش بها قطيع المرشحين للذبح وهو يلوّح بها , كانت الكلاب تفهم انه اضعف من ان يدافع عن نفسه فضلا عن ان يهاجمها , فبقي مرتبكا متوترا , ان ركض طاردته وهاجمته بشراسة وان لازم مكانه قطعته أنيابها . احس بنفسه مدحورا منهزما قبل ان يبدأ الصراع ولكن لابد من قرار , بقي ينتظر ايعاز عقله ليسري في جوارحه وعسى ان تستجيب, فمن الصعب ان تكون خارج الفعل او ان تكون بلا قرار حاسم .. حاول ان يثبت قدميه المرتعشتين وان يحّد من نبضات قلبه المتسارعة , استجمع ما ركس من شجاعته المتهالكة فاقحم نفسه بسرعة خاطفة بين جوقة الكلاب التي خافت من رد فعله السريع فتراجعت مخذولة ولكن لخطوات قليلة تقيها وطأة ضرب العصا وبحركة غير محسوبة طارت عصاه في الهواء واستقرت خلفهم !! اعيّاه الحال فتراجع منكسرا ففهمت الكلاب قلة حيلته مع فقدانه سلاحه فما كان منها الا ان هاجمته بقوة ونباحها يعلو والسنتها تلهث وانيابها مستعدة للنهش . ماكانت رجليه قادرة على الطيران قد بدت منهكة ولم تستطع مجاراة استعداده للجري كالغزلان وفجأة احس بسيدهم ينهش لحم فخذه الايمن وهو يتمرغ بينهم كالمذبوح .. حجارة ازلت قدميه فعثر ساقطا وغاب عنه الشعور ...افاق على صوت نباحهم امسى كهمهمة و عيناه ترقب ظل شخص يكلمه برقة , حاول ان يشذب سمعه من بقية نباحهم ليفقه ما يقوله مناديه :
- قم بني اعطني يدك اين بيتكم ؟
- بعيد من هنا يا عمي
- لاباس لاباس عليك دفع الله ماكان اعظم لو لم الحق بهم لما وجدنا في الصباح من جسدك هذا الا عظام يسيرة .
كان ذلل الرجل هو الحارس الليلي المكلف بحراسة الشارع .. اخذ مدحت الى بيته فذاق طعم الحقنة الموجعة لمدة 21 يوما متجرعا المها خوفا من مرض السعار وما خطر على بال والده ان يعتذر منه او يعده بالحسنى فما اظنه سيفعل ذلك ان نفذ تلك الفكرة المجنونة ..
صرير ذاك الباب الكبير الذي يدوّي مع كل انفراجة يعلن لمن في الدار ان احدا دخل او احد خرج من دهليزه الطويل ,
باب بيت مجبل اعاده لواقعه , كان مدحت يقف قرب زاوية قد اخفى جسده الصغير سامحا لعينيه التلصص من بعيد .. خرجت منه تلك الفتاة اللعوب . اوووه انه درة نعم هي بشحمها ولحمها .. ما من احد لا يعرف من هي درة ياسين النايف , اكثرهن فتنة واصبحن وجها واجملهن جسدا لم يرها احد قط الا وعلقت محبته في قلبها كانت ملك للجميع وفتنة للجميع الكل يكرهها والكل يتمناها ..
مالذي كانت تفعله درة في بيت مجبل المليء بالاخوة والاخوات والابناء والبنات ؟
لماذا حاول طرده بعيدا كي لايراها خارجة تلف جسدها المياس بعباءة لا تكاد تخفي مفاتنه ؟
خطت عدة خطوات باتجاه مكانه فصار ينظر اليها بعين طفولية بريئة كانت في ريعان شبابها ومازالت بلا زوج كان يسمع اسمها تتلذذ به السن الشباب , همسات وابتسامات ما كان ليفهم مغزاها تعلو الوجوه كلما مرت درة .
كانت تحمل بيدها اناء لم يتبين ما بداخله .. واثقة خطواتها تسير خببا ما تظنها تلك الفتاة ذات السمعة السيئة .
من بعيد لمح اخيها الاكبر شاحب الوحه كث الشعر يحمل بيده سكينا صغيرا يمسكه بقوة خائفا ان يفلت منه وان يهرب بلا استيذان . بدا شارد الذهن قد نوى على امر عظيم .
لم يكن بينه وبين درة الا خطوات قليلة فركض باتجاهها مسرعا شاهرا سكينه كأنه نزل ساحة الوغى متمتما بكلمات لم يفهمها واشارات اوحت اليه انها ارتكبت عيبا .
سقط ذاك الاناء من يدها فاندلق منه الحليب فتزحلقت بها او تعثرت باطراف عباءتها وسقطت ارضا فانهال عليها ذاك الاخ طاعنا اياها بسكينه وهي تصرخ وتولول .....
وللحديث بقية .......