الجزء الثــــالث :
لم يكن هناك طريق اخر للخروج من ذاك السوق الا ان يمر من امام دكان والده , تردد كثيرا وهو يحاول ان ينقل قدميه المثقلتين من الم الضرب ومن ضيق الشيء الذي ينتعله .
كيف له ان يعرف ان والده اقفل باب دكانه ورجع الى البيت ؟
هل يسال احد المارة ؟ لا قد يكون هذا تصرف احمق فيشكك البعض في غرضه من السؤال او يعرف البعض من اقرانه ماحصل فيكون اضحوكة لهم طوال بعد الظهر ,
هل ينظر من بعيد ؟ كيف وقد تلمحه عيون والده فيقع المحذور , هل يتريث بضع دقائق عسى ان والده لن يكون موجودا وهو يعدو من امام ذاك المكان ذو الذكريات الملعونة ؟
راقته تلك الفكرة فانها ابقى لسكينته واهدأ لخلجاته المرتعشة ..
بقي حيث هو فجلس القرفصاء على دكة دكان مقفل والدموع مازالت معلقة بأهداب جفونه الطويلة التي تختلج فوق عينين سوداوين واسعتين كأنهما شمسين ساطعتين تنير وجناته الجميلة المكتنزة ومن تحتهما ثغر جميل خطه الباري على مهل .. ماكان ليخفى على احد انه من الوسامة بمكان ما يلغي فكرة لجاجة والده بكثرة تنبيهاته له ان يكون حذرا وينظر الى الجميع بعين الريبة والشك وان يلزم درب التوجس طريقا في حياته مع كل نظرة طامعة قد تصيب من عفته مقتلا.
كان والده يحرص ان يضعه فوق رجليه مداعبا له ومحتفيا بجماله مقبّلا خدوده وفي كل مرة يردد عليه نفس السؤال : اين الموز واللوز؟ فيشير مدحت الى احد خديه فيلثمه والده بقبلة محبة ثم يسأله ثانية : اين التفاح والقدّاح ؟ فيمد له الخد الاخر فيقبله بشوق وصوت قبلته تملآ ارجاء المكان . غير انه ما كان ليشعر بتلك العاطفة الدخيلة تغمره بالامان, ماكان يعبأ لتلك القبلات الساخنة تزمجر فوق خديه وهو خائف وجل , ما كان ينعم بالطمأنينة وهو في حجره , يتململ بين يديه القاسيتين اللتين رسمتا على جسده الصغير مئات الطلاسم وأقسى الوشوم . يغتنم اي فرصة ليفلت منهما بعيدا نافذا بجلده من احتمالات لا تعد ولا تحصى . يهرب منه بلا سبب وان لم يأتى شيئا منكرا , مجرد رؤية والده كانت كافية لاطلاق جهاز الانذار في داخله منيرا عشرات المصابيح صادحا باصوات الجذر , فيأذن لساقيه ان تسابق الريح بعيدا حيث لا وجود له , ولم يجد حرجا ان اجاب والده حين ساله مرة لماذا تهرب كلما تراني ؟ فاجابه : تحاشيا لضربك لي كلما التقينا !!
ماذا تفعل هنا ؟
قالها مجبل بصوت صارخ ايقض مدحت من شروده فارتعب قلبه الصغير.. قم من هنا اذهب بعيدا .
رفع جسده المتعب عن الارض تلّفت يمينا وشمالا ليرى اين يلوذ وبمن يعوذ .
ومجبل هذا شاب يكبره بعشرة اعوام سيء الطباع قاسي القلب تناثرت على وجهه ندوب وخطوط سوداء فاصبح كلوحة اشكال هندسية تؤرخ قصص مشاجراته وتحكي عن شدتها , منبوذ من اقرانه مكروه من اهله ماكان يرعوي الاً ولا ذمة لاتاخذه مخافة احد حين يعاقر الخمر او يمارس هوايته المفضلة مستهزءأً بكبار السن المثقلين بهموم العوز والحاجة , المنهكة قواهم من كد نهار لا يوفر كفافا لمن يعولون .. يخافه مجانين المدينة الذين جبلوا على الحضور الى السوق عند الظهيرة يجمعون ما يقع بصرهم على اغلفة الثقاب الفارغة او اعقاب سجائر لم تكتمل او ما هوت انفسهم من مخلفات الاعراب الذين يجروون حميرهم خارج المدينة ليصلوا قبل مغيب الشمس الى قراهم المحيطة بها , لم تزل حاضرة بذاكرة مدحت تلك الحادثة التي كان بطلها مجبلا حين اصر على ملاحقة ملاك ذاك الرجل المتخلف عقليا الذي جاوز العقد الرابع حتى اسقطه على كومة صخور خارج السوق يفحص برجليه ومجبل يضربه متلذذا بصراخه ولعابه يسيل وهو يضحك من حركات ذاك المسكين الذي يكاد قلبه ينخلع من شدة الخوف وما من احد ليستطيع ان يتقرب منهما فيغامر بسلامته رغم ان الكل يستشيط غضبا لولا ان تداركه اخاه الاكبر الشخص الوحيد القادرعلى لجم مجبل وثنيه عن عزمه الشرير .
كان مجبل يساعد اخيه الاكبر في دكان الجزارة العائد له ولم يكن اخاه ليكترث ان غاب اوحضر فوجوده كعدمه ان حضر اشرقت المشاكل بالوانها الصارخة وان غاب تناقلت الأخبار مشاجراته البغيضة !!!
هوووه ماذا تفعل ؟ الم اقل لك اذهب بعيدا, قالها ووضع راحته بين اسنانه صاكا عليها بقوة قد انتفخت اوداجه تحسب دمه فر الى الاعلى مرتعبا ليصبغ وجهه المكفهر لونا مظلما , محذرا مدحت بانه عيل صبره ..
قفز مدحت باتجاه مؤخرة السوق ليعبر الساقية التي تجري في وسط السوق المحملة باصناف القاذورات والعيدان الصغيرة من الحشائش , حط قدمه على قشر بطيخ فما شعر الا هاويا على الارض متوسدا حافة الساقية بخده قد بلّ ثوبه وترطبت اجزاء من جسده فصرخ بلا شعور باكيا مولولا .. تناهت الى سمعه ضحكة مجبل تجلجل باذان من بقي من المارة الذين يتسارعون للظفر بحط اقدامهم خارج السوق .