السوق الكبير ......... @ الجزء الثاني @
اصبح يحث الخطى باتجاه السوق الكبير ولا ادري لماذا يسمونه بالكبير وما من سوق سواه في المدينة !!
تداخلت الاصوات التي تزحف الى اذنيه المحمرتين من جو حار وهواء لاهف رغم ان الوقت مازال مبكرا لزوال الشمس .
اصوات الباعة والحمالين ونهيق الحمير وضجيج العربات الصغيرة التي يدفعها اطفال انتهوا قريبا من اداء امتحاناتهم النهائية ووجدوا فسحة للعمل ..كانت خيوط الشمس التي اقتحمت تلك القطع المتراصة من الصفيح المتأكل التي تبدو كسقف صدأ غاب لونه .. كانت تعينه على وضوح الاشياء بعينيه شيئا فشيئا مع تعود بصره العتمة ..
كان يسمع نداء خاله فراس يتدحرج الى اذنه يأمره بالتمهل غير انه يحاول ان يتناساه ولو بشكل مؤقت ريثما يصل الى دكان والده الجزار في اخر السوق فافكاره المتصارعة ووجله وتوجسه من جبروت والده اذا غضب لتاخره كانت اقوى من ان يركن الى سطوة الخال القاسي . كان يسير مسرعا مزاحما الحمير والمارة لايأبه كم مرة غطس فيها نعله باكوام القاذورات والزبيل يتأرجح بين يديه الذي احس بخفة وزنه بعد ان نفض حمولته ذات الرائحة الكريهة في مخزن صاحب المطعم ذو الشارب المخيف كما كان يطلق عليه والذي اعتاد ان يشتري من والده اللحم ليصنعه كبابا ولعل تسميته خباب هي اقرب للحقيقة لغلبة الخبز الجاف المخلوط باللحم في عجينة الكباب ..!!
. طوّع شعاع عينيه لتتحاشى الموجودات وتحاول ان ترسم خطا مستقيما يصل الى باب الدكان . تراءت له من بعيد تلك الذبائح المعلقة التي تترنح فوق العمود الذى بدا كالمقصلة وكاد ان يسمع هفيف سكين والده الكبير يطوّح به في الهواء كالمروحة بيده فتارة يطرد وتارة يقتل دبورا من عشرات الدبابير الحمر والصفر التي التصقت بلحوم الاغنام الطرية وكـأنها لوحة زيتية اختلطت . برائحة الدم فاستقرت بخياشيمه معلنة عن وصوله الميمون .
نظر الى وجه والده متفحصا .. فاحس بتقاطيعه قد تغيرت وتسارعت نبضات قلبه حين رأى حدقات عينيه كفم مفترس جائع .. وايقن بالهلاك حين امره والده بالدخول بصوت خشن .. تعثر بعتبة الدكان وهو يهم بالدخول سقط على الارض مستقبلا بوجهه بقايا الدم وقطع الشحوم الصغيرة وبعضا من مصارين الذبائح ويده مازلت تمسك بالزبيل لم يعد يرى شيئا تحاوشه الخوف حين امره والده ان يناوله تلك العصا الغليظة التي يحتفظ بها في احدى زوابا دكانه ذو الرائحة النتنة لم يملك الا ان يطيعه تحامل على نفسه وأنفه الصغير الذي اصطبغ باللون الاحمر والاصفر الداكن يقطر عرقا... مد يده المرتعشة الى طرف العصا وقلبه كجرس انذار لا ينفك يصرخ قبل الانفجار ..!!! علا صراخه مع اول ضربة استقرت على ظهره الغض لم يكن يفهم ما يجري ولماذا انهال الوالد على ابنه البكر بتلك القسوة المعتادة لم يكن يذكر شيئا كان يحاول ان يستجمع كل اركان صوته ليسال ولكن شدة الضرب والألم الفظيع جعلت صوته يهرب الى داخله فما كان صوته يجرؤ على الخروج وهو يرتعش . خفت وطأة الضرب مع صوت تناهى الى اذنيه صوت جهوري معروف يتميز بالقوة انه العم محمود صاحب المطعم المقابل لدكانه .. هدأ والده وصاح به , اجلس عند الزاوية لملم نفسه ونهض تاركا احدى نعليه التي طارت قرب العتبة لكن الثانية ما تزال تحتضن كف قدمه الايمن ..
قال محمود لوالده الذي مازال لهاثه مسموعا ... لا ينبغي ان تعامل ولدك بهذه القسوة انه مازال غض صغير وبعض التانيب يكفيه واني ما اراه الا ولدا مؤدبا ما شكاه احد من قبل ولا رأيته في يوم قد فعل سوءا فلماذا كل هذه الغلظة معه ؟
سعل محمود بقوة كان سعالا متكلفا اراد به شد انتباه الوالد لانه احس بتجاهله وفهم انه لا يعير اهتماما لاحد في هذه الساعة !!
لم يجد محمود طريقة لمداراة احراجه الا ان ينادي مدحت ليرافقه الى المطعم . ناداه بصوت ناعم وعيناه تنظران الى وحه والده عله يرى ردة فعل بالايجاب فلما كانت لغة الكلام مستجنة وراء شفاه الوالد المتزمتة ... بادر الى تهدئة خوف مدحت اجابة لنظراته الخائفة من ثورة ابيه مرة ثانية ...
مدحت بني قم معي لاعليك به قالها العم محمود مادا اليه يده التي بان على سبابتيه خطين اصفرين من اثر دخان السجائر .. تململ مدحت للنجدة المرجوة مع انه مازال ينظر الى وجه ابيه ليرى وضوح موقفه .
لعلمه ان والده كان يحذره مع كل خلوة به بضرورة الا يكلم من هو اكبر منه سنا او يستأمن اي كان من الرجال الغرباء ..
ظل الجزار لابسا وحومه تعلو وحهه علامات متناقضة بين الرفض والقبول لكن تلك اليد التي ما زالت ممدودة اليه شجعته على الوقوف على قدميه ليخطو برجليه التي ما زالت تأز وكأن الدبابير قد طارت من فوق تلك الذبائح لتستقر عليها .
قفز بكل ما اسعفته قوة قلبه الضعيف ليمر بسلام من امام والده وصوب عينيه خارج الدكان حيث الامان وليكسب بضع لحظات من السكينة بعيد عن جو الدكان الملبد بغيوم الخوف والرائحة الكريهة ووجل القلب من اي حركة ياتيها قد لا تعجب والده ..
حين استأمن على نفسه حاول ان ينزع يده من كف العم محمود غير ان الرجل كان يقاوم تلك المحاولات الخجولة التي تبدر من مدحت كل عشر خطوات ويواصل الضغط على انامله بتعمد مقيت وأحس مدحت بشعور التقزز كلما اصطدمت يد العم محمود بالجزء الاعلى من فخذه الايمن ولم يكن يجرأ ان يرفع طرف عينيه الى ذلك الوجه الاسمر المدور الذي تبدو تعابيره قاسية حتى مع الابتسامة !!!. وصلا قريبا من المطعم حين صادفا احد معارف العم محمود حينها ترك يد مدحت للسلام على ذاك القروي الذي سأله عن اخيه المتوفي قريبا . تنفس مدحت الصعداء وكأن روحه ردت اليه وانسل الى ركن قريب وهو يراقب المارة الذين بدأت اعدادهم تتناقص مع زحف الساعة الى وقت الزوال مما يعني وقت الغداء وصوت الجوع لا رادع له . احد الحمير اعتلت ظهره بنت صغيرة سمراء تتشبث بكلتا يديها مقدمة الوطاء وجسمها الصغير يهتز مع خطوات الحمار الهادئة , توحي نظراتها المستغربة والنافذة الى كل الوجوه والاشياء انها المرة الاولى التي تزور فيها المدينة وسوقها الكبير هذا, تابعها بعينيه الخجولة مبتسما من مدى دهشتها لما تراه ,
قال مدحت وهو يهم بالمشي ياعم محمود انا ساذهب الى البيت قال له محمود : تعال معي سأشوي لك سيخا من الكباب تعال لا تخف وبدت في عينيه نظرة مريبة وصلت الى دواخل مدحت فاهتز لها خياله الطفولي بوجل اكبر مما قد قاساه قبل هنيئة في دكان والده والالم لما يهدأ بعد ..
يليه الجزء الثالث قريبا ان شاء الله
لا تبخلوا علي بالردود رجاء