لمَ يا أبي قد جئتَ بي ..؟
ألـ كي أنادي :
يا أبي ؛ يا صاحبي
من ماتَ منا قبلَ صاحبهِ
أنا أمْ صاحبي ..؟ *
الليلُ غادرَ بالضياءِ " وظلّ " بي
وأنا وحيدْ
رجلٌ تكررني الكآبة
أكابرُ جيداً سناً يفوقُ حكايتي
وأرى الطفولة َ مذهبي
كن بي رحيماً
كن حنوناً
فالأرضُ تجلدني
لِمَ لمْ تزلْ أسفاً وتبقى ..؟
ما ظلّ منكَ على الوجوهِ سيختفي
ما زلتُ أذكرُ جيداً :
زمناً بسيطاً كانَ يقضمهُ الغياب
قد تآكلَ صوتُ ذاكرتي كثيراً
دهراً أنادي يا أبي ..!
يا صاحبي
قد طالَ بي صمتي
وأجهضَ زفرتي
أناْ لم أقل :
" لو كنتَ يوماً "
أنا لمْ أقل شيئاً
ولم أبعث إليكَ رسالتي ..!
فافتح قليلاً ما صككتَ من اللقاء
دع قلبكَ المجهولُ يعرفُ من أنا
وانظر بصمتٍ في يدي
لا تكن ليلاً
أقلبُ فيكَ ذاكرة ً خـُواء
لا تكن وجعاً بباب البيتِ
يدخلُ دونما إذن ٍ إليّ ..!
أخبرني الحقيقة َ
حينَ قتلتَ بي طفلاً
وأقمتَ ميلاً في جدار ِ خطيئتكْ
أبقيتهُ ليعيقَ وصلاً تاقَ لك
وخرقتَ
- مدعياً بأنكَ مجبرٌ -
بيديكَ أسفلَ مركبي ..!
لمَ يا أبي ..؟
أوَ لم نحقق ما تريدُ أبوّتك ..؟
كنا إذا ما عدتَ نركضُ فرحة ً
ولنا طريقتنا لنرسمَ في يديكَ شفاهنا
ولنا جدالٌ فيكَ :
" أولُ من يقبلُ وجنتيكَ
يكونُ سيدنا لذاكَ اليوم
أولُ من يضمكَ يُصبحُ
في محاجرنا كبيراً
أولُ من يشمّ روائحَ التعب الطهور ِ
على ثيابكَ
لن يذوقَ النومَ
إذ يمضي يفكرُ :
كم لنا حظ ٌ
لأنكَ يا أبي تهتمّ في رغباتنا "
أوَ لم تكن ظلاً لنا ..؟
أوَ لم أنم يوماً تقلبني يدُ الحمى
وأفتحُ مقلتي
لأجدْكَ قربي ساهراً تدعو
وتقرأ في كتابِ اللهِ
- صوتكَ مرهقٌ بالدفءِ -
صوتكَ يضربُ الحمى بسوطِ الخوف
يطردها رجاءٌ في دعائكَ :
" اذهبي " ..!
الليلُ غادرَ بالضياءِ " وضلّ " بي
وأنا أكررُ في القصائدِ مطلبي :
يا أبي
لو مرة ً خذني إليكَ وضمني
كن مرة ً أولى أبي ..!
* معلمي وأبي الآخر
محمود درويش
.. سراب الوهم ..