نزل الوحي على الرسول في أول مرة ثم تركه فترة لكي يستعيد ذهنه وقدرته على تلقي الوحي ولكي يحصل الشوق إلى ملاقاة الروح الأمين , فحزن ورقة بن نوفل الذي كان يستشعر دنو أجله ويعرف كبر سنه الذي قد لا يمهله حتى ظهور الدعوة المحمدية والجهر بها فجعل يستعجل الوحي ويقول: حتى متى ؟ فقال ورقة في ذلك :
لججت وكنت في الذكرى لجوجا * لهمّ طالما بعث النشيجا
ووصف من خديجة بعد وصف * فقد طال انتظاري يا خديجا
ببطن المكتين على رجائي * حديثك أن أرى منه خروجا
بما خبرتنا من قول قس * من الرهبان أكره أن يهوجا
بأن محمدا سيسود فينا * ويخصم من يكون له حجيجا
ويظهر في البلاد ضياء نور * يقيم به البرية أن تموجا
فيلقى من يحاربه خسارا * ويلقى من يسالمه فلوجا
فيا ليتي إذا ما كان ذاكم * شهدت فكنت أولهم ولوجا
ولوجا في الذي كرهت قريش * ولو عجت بمكتها عجيجا
أرجي بالذي كرهوا جميعا * إلى ذي العرش إن سفلوا عروجا
وهل أمر السفالة غير كفر * بمن يختار من سمك البروجا
فإن يبقوا وأبق تكن أمور * يضج الكافرون لها ضجيجا
وإن أهلك فكل فتى سيلقى * من الأقدار متلفة حروجا
شعر ورقة بن نوفل
أتبكر أم أنتَ العشيةَ رائحُ وفي الصَدرِ من إضمارك الحزنَ قادحُ
لفُرقةِ قومٍ لا أحب فراقهم كأنَّك عنهم بعد يومين نازحُ
وأخبار صِدقٍ خبِّرت عن محمد يُخبّرها عنه إذا غابَ ناصحُ
فتاكِ التي وجَّهتِ يا خيرَ حُرَّةٍ بغورٍ وبالنجدين حيثُ الصحاصحُ
إلى سوقِ بُصرى في الركاب التي غدت وهُنَّ من الاحمال قعص دوالح
فخبرنا عن كلِّ خير بعلمهِ وللحقِّ أبوابٌ لهن مفاتحُ
بأن ابنَ عبد اللَه أحمد مرسلٌ إلى كلِّ من ضُمَّت عليه الأباطحُ
وظنّي به أن سوف يُبعث صادقاً كما أرسلَ العبدانِ هودٌ وصالحُ
وموسى وإبراهيمُ حتى يُرى له بهاءٌ ومنشورٌ من الذكر واضحُ
ويتبعه حيّا لؤيٍّ جماعة شبابهُم والأِيبون الجحاجحُ
فإن أبقَ حتى يدركَ الناسَ دهرهُ فإنّي به مُستبشرُ الودِّ فارحُ
وإلا فإني يا خديجةُ فاعلمي عن أرضكِ في الأرضِ العريضةِ سائحُ
وهذه الأشعار تميز بها ورقة بن نوفل عن سائر الشعراء الجاهليين حيث قل أن نجد مثل هذا الشعر – شعر الدعوة – في أشعار أحد غيره ونرى فيه الوضوح الشديد للأفكار والمعاني وتحري الصدف والحقيقة في كل كلمة يكتبها مبتعدا كل البعد عن الخيال والمبالغة , كما نلمح فيه شيئا آخر وهو سعة المعرفة وعمقها عند ورقة بن نوفل وإلمامه بالديانات والرسل السابقين إلماما واسعا, والميزة الثالثة هي الإيمان المطلق بنبوة محمد والتصديق بما جاء به هذا النبي, والميزة الرابعة هي الإيمان والتنبوء بظهور هذا الدين وانتصاره وانتشاره بين أمة العرب بل وكل الدنيا , وهذه عادة كل المؤمنين بأفكار سامية وأحلام كبيرة ينتظر أن تظهر وتنتشر بين الأمم.
خصائص الشعر عند ورقة بن نوفل
أ- خصائص الألفاظ: 1- تميل إلى الرقة والفخامة.
أتبكر أم أنتَ العشيةَ رائحُ وفي الصَدرِ من إضمارك الحزنَ قادحُ
2- خالية من الأخطاء، وبها من الألفاظ الأعجميّة ما يدل على أنه اختلط بغير العرب وخاصة النصارى في شمال الجزيرة أو جنوبها وتدل على علمه بالإنجيل والتوراة والكتب الدينية القديمة .
وظنّي به أن سوف يُبعث صادقاً كما أرسلَ العبدانِ هودٌ وصالحُ
وموسى وإبراهيمُ حتى يُرى له بهاءٌ ومنشورٌ من الذكر واضحُ
3- تخلو من الزخارف والتكلّف والمحسّنات المصنوعة.
فنعمتُ بالاً إذ أتيتُ فراشها وسقطتُ منها حينَ جئتُ على هوى
فبتلك لذّات الشبابِ قضيتُها عنّي فسائل بعضهم ماذا قَضى
4- تميل إلى الإيجاز.
وإن يكُ حقّاً يا خديجةُ فاعلمي حديثُكِ إيّاها فأحمدُ مرسلُ
وجبريل يأتيه وميكالُ فاعلمي من اللَه وحيٌ يشرحُ الصدر منزلُ
ب- خصائص المعنى: 1- تخلو من المبالغة الممقوتة.
بدينك ربّاً ليس ربّ كمثلهِ وتركك أوثان الطواغي كما هيا
وإدراكك الدينَ الذي قد طلبته ولم تكُ عن توحيدِ ربِّك ساهيا
فأصبحتَ في دارٍ كريمٍ مُقامُها تُعلَّل فيها بالكرامة لاهيا
2- بعيدة عن التعقيد.
لَقد نصحتُ لأقوامٍ وقلتُ لهم أنا النذير فلا يغروكم أحدُ
لا تعبدنَّ إلهاً غير خالقكم فإن دعَوكم فقولوا بيننَا حدَدُ
سبحان ذي العرشِ سبحاناً يعادلهُ ربُّ البريَّة فرد واحدٌ صمدُ
3- غالباً تقوم على وحدة البيت لا وحدة القصيدة.
أتبكر أم أنتَ العشيةَ رائحُ وفي الصَدرِ من إضمارك الحزنَ قادحُ
لفُرقةِ قومٍ لا أحب فراقهم كأنَّك عنهم بعد يومين نازحُ
وأخبار صِدقٍ خبِّرت عن محمد يُخبّرها عنه إذا غابَ ناصحُ
فتاكِ التي وجَّهتِ يا خيرَ حُرَّةٍ بغورٍ وبالنجدين حيثُ الصحاصحُ
إلى سوقِ بُصرى في الركاب التي غدت وهُنَّ من الاحمال قعص دوالح
فخبرنا عن كلِّ خير بعلمهِ وللحقِّ أبوابٌ لهن مفاتحُ
بأن ابنَ عبد اللَه أحمد مرسلٌ إلى كلِّ من ضُمَّت عليه الأباطحُ
وظنّي به أن سوف يُبعث صادقاً كما أرسلَ العبدانِ هودٌ وصالحُ
وموسى وإبراهيمُ حتى يُرى له بهاءٌ ومنشورٌ من الذكر واضحُ
ويتبعه حيّا لؤيٍّ جماعة شبابهُم والأِيبون الجحاجحُ
فإن أبقَ حتى يدركَ الناسَ دهرهُ فإنّي به مُستبشرُ الودِّ فارحُ
وإلا فإني يا خديجةُ فاعلمي عن أرضكِ في الأرضِ العريضةِ سائحُ
4- منتزعة من البيئة البدوية.
رحَلَت قُتيلةُ عيرَها قبل الضحى وإخالُ أن شحطت بجارتك النوى
أو كلما رحلت قُتيلة غدوة وغدت مفارقةً لأرضهمُ بكى
5- الاستطراد.
لججت وكنت في الذكرى لجوجا * لهمّ طالما بعث النشيجا
ووصف من خديجة بعد وصف * فقد طال انتظاري يا خديجا
ببطن المكتين على رجائي * حديثك أن أرى منه خروجا
بما خبرتنا من قول قس * من الرهبان أكره أن يهوجا
بأن محمدا سيسود فينا * ويخصم من يكون له حجيجا
ويظهر في البلاد ضياء نور * يقيم به البرية أن تموجا
فيلقى من يحاربه خسارا * ويلقى من يسالمه فلوجا
فيا ليتي إذا ما كان ذاكم * شهدت فكنت أولهم ولوجا
ولوجا في الذي كرهت قريش * ولو عجت بمكتها عجيجا
ج- خصائص الخيال: 1- واسع يدلّ على دقّـة الملاحظة.
كفى حزناً كرّي عليه كأنّه لقى بين أيدي الطائفين حريمُ
2- صور الشعر الجاهلي تمثّل البيئة البدوية.
ولقد برى جسمي وقلت لقومنا لما أتاني موته لا تبعد
أمسى ابن جفنة في الحياة مهلكاً وصفيُّ نفسي في ضريحٍ مؤصد
واللَه ربي إن سلمتُ لآثرن فيه بضربة جازم لم يقصد
3- صور الشعر الجاهلي ليست متكلّفة.
فخبرنا عن كلِّ خير بعلمهِ وللحقِّ أبوابٌ لهن مفاتحُ
بأن ابنَ عبد اللَه أحمد مرسلٌ إلى كلِّ من ضُمَّت عليه الأباطحُ
4- الصّور الجاهلية تعتمد على الطابع الحسّي.
فارفَع ضعيفكَ لا يَحُل بك ضعفهُ يوماً فتُدركَه العواقبُ قد نَما
يَجزيك أو يُثني عليك وإن مَن أثنى عليك بما فعلتَ كمَن جزى
أرعى أمانتَهُ وأحفظُ غيبهُ جهدي فيأتي بعد ذلك ما أتى