![]() |
اختبار
اختباء
ظللت أعواما عديدة أتنقل في أرجاء العرصات ، باحثاً عن ملاذ أدس فيه نفسي . ذرعت تلك الأرض مشياً على قدميّ الحافيتين ، أتسلل عبر أكوام المخلوقات المتزاحمة ، علّي أستطيع دفن وجهي الذي سيكون هويتي في هذه البقاع الممتدة . عندما متّ كان عمري أربعين سنة ، وها هي ملامحي عادت كيوم موتي ، لم تتغير ، مما سيشي بي لدى أخي الأكبر يزيد ، الذي امتد به العمر ، فمات وقد تغيرت ملامحه ، فلو رأيته لما عرفته ، وهذا يجعلني أوغل في الفرار ، لأني معروف له ، وهو غير معروف لي . كان الهلع باديا في وجوه المخلوقات كلها ، حتى القطط التي أذكرها في الدنيا ذات ملامح جامدة ، أصبحت هنا مذعورة إلى حد كبير ، يظهر عليها الخوف جليا ، وتكاد تنطق بما يعتورها من توجسات لا تدري كنهها . توقفت عند قبيلة كثيرة العدد ، كانوا يتحدثون بلغة لا أفهمها ، وإن كان حديثهم هامساً ، إلا أني حاولت أن ألتقط كلمة ، أو إشارة ، علّي أفهم ما يقولون ، لأنهم يكررون كلمات معينة ، شعرت بشيء من الأمان ، أيقنت أني وصلت إلى مكان بعيد ، لن يستطيع يزيد أن يصل إليه ، مهما حاول البحث عني . عندما متّ كان أخي يزيد مسرفاً على نفسه بالمعاصي ، وكان لديّ شبه يقين بأنه مات على نفس الحال ، وأنه الآن بحاجة إلى شيء من حسناتي لينجو ، وأنا وإن كنت لا أدري بقدر حسناتي حتى الآن ، فلم تنشر الصحف بعد ، إلا أن اعتقادي بأني من أهل الجنة كان قويا ، لأني أذكر أن وضعي في البرزخ كان مطمئنا . وبينما أنا بين حشود تلك القبيلة ، إذ بصوت يأتيني من إحدى الجهات: أحمد ! التفتّ بذعر ، فرأيت شيخاً كبيرا ، قد سقط حاجباه على عينيه ، هممت بالفرار ، ولكنّي رأيت في ملامحه جارنا الطيب أبا فارس ، اقترب منّي وعانقني ، لم أكن أشعر بشوق لأحد ، فمنذ أن خرجت من قبري وهمي هو عدم رؤية أخي ، لأني كنت محتاجا للفائض من حسناتي (إن كان فيها فائض) حتى أرتفع في درجات الجنة . سألني أبو فارس عن سر بقائي في هذا المكان المظلم ، فأهله كما يبدو من أهل الجحيم ، فأخبرته أن المصادفة هي التي قادتني إلى هنا ، ثم سألته هل رأى أخي يزيد ؟ فقطّب حاجبيه وكأنه يتذكر شيئا قديماً ثم قال: نعم ، نعم أذكر أني رأيته قديما ؟ _في الدنيا ؟ قلتها مستفهماً ، فقال: لا ، أعني في أرض المحشر ، لم أعد أذكر ، قديماً جداً . . _هل تستطيع أن تحدد لي الزمن مستخدماً سنين الدنيا ، على وجه التقريب ؟ _أكثر من مئتي سنة . . قلت له وأنا أستمع لأناس يصرخون ، وكأن الملائكة تضربهم بالحديد : بصدق يا أبا فارس أنا بُعثت من ثلاثمئة سنة ، قضيتها كلها فرارا من يزيد ! _لماذا ؟ أخبرته بخوفي على حسناتي ، وقبل أن أكمل حديثي ، أظلمت السماء ، فرأيت الناس يرتعدون ، حاولت أن أحرّك يديّ فلم أستطع ، علمت من همس أبي فارس أنها لحظة توزيع الصحائف . أخذت الصحف بالاقتراب من تلك الأرض ، والناس تكاد أن تموت هلعا ، يترنحون وكأنهم شربوا قدراً كبيرا من الخمر ، وكنت خائفاً ، ولكن خوفي لا يقارن بخوف أفراد القبيلة التي كنت بينها . رأيت الصحف تتساقط على شمائل أولئك القوم . شعرت لحظتها بخوف رهيب ، فماذا لو خاب ظني ، ووقعت صحيفتي الآن في يدي الشمال ؟ أخذتي رعدة شديدة . سمعت صرخة نافذة أتتني من جهة أبي فارس ، لم أستطع أن أكلمه وأنا أرى يده الشمال تمسك بصحيفته ، كان وجهه لحظتها أسوداً ! ، مدّ يده نحوي وقال: أنقذني بحسنة يا أحمد . هلعت ، أخذت أجري ، ويداي معقودتان لا أستطيع أن أحركهما . كان الصراخ يعم أرجاء العرصات ، حتى إن قبائل الفيلة والوحوش أخذت تجري على غير هدى ، ذعراً مما عمّ البشر . كان قلبي لحظتها يدعو: يارب لا تخذلني . . يا رب لا تخذلني . . شعرت بفقري الشديد للحسنات ، تساءلت وأنا أجري وصوت أبي فارس يملأ قلبي ذعرا" ماذا لو كان أخي يزيد أكثر مني حسنات" . . قررت أن أبحث عنه . فجأة أحسست يديّ تُطلقان ، سمعت ملكاً يناديني : هنيئاً لك يا أحمد ، لقد سعدت سعادة لا تشقى بعدها أبدا . .رفعت رأسي ، فإذا بملك يضع في يميني كتابي . سقطت على الأرض ، وصرت أبكي بفرح . . نسيت كل شيء . . نسيت يزيد وأبا فارس ، وكل شيء . . نسيت آلامي في الدنيا ، بل نسيت سكرات الموت ، مع أنها كانت فظيعة . . نسيت ضمّة القبر . . فرحت فرحاً لم أفرح قبله مثله أبداً أبدا . وبينما أنا في غمرة فرحي إذ بصوت عظيم ينادي الخلائق: فلان بن فلان بن فلان . . إلى النار . . فلان بن فلان بن فلان . . إلى النار . . فلان بن فلان بن فلان . . إلى الجنة . . فلان بن فلان بن فلان . . إلى النار . . وكنت أسمع صراخاً هائلا . . ومن بين الصراخ البشري ، تسلل إلى أذني زفير عظيم ، سألت أحد الواقفين بجانبي ، وكان يحمل كتابه بيمينه: ما هو هذا الصوت ؟ _إنه صوت جهنم . . شعرت بقشعريرة تعم جسدي . .ثم عمّت رائحة جهنم العرصات ، كانت رائحة حريق نافذ . . مخلوط بنتن الجلود المطبوخة . . ثم وبعد فترة طويلة من تلاوة الأسماء ، إذ بي أسمع اسمي: أحمد بن فلان بن فلان . . إلى الجنة . . كان الناس في ذلك اليوم إما سعيد أو شقي . . لم يكن هناك أي تعبير ثالث بين هذين التعبيرين السائدين . . أخذتني الملائكة إلى الصراط . . كان شيئاً عصيبا . . ولكني تجاوزته بفضل الواحد الأحد . . وعند باب الجنة ، وقفت ، ورأيت وجهاً جميلا ، ولكني شعرت أن روح يزيد تسكنه ، أتاني وعانقني: هل أنت يزيد ؟ نعم . . لم أسمع اسمك . . لقد دخلت الجنة منذ زمن بعيد ! متى ؟ منذ ثلاثمئة سنة من سنين الدنيا . . ولم أحب أن أدخل الجنة بدونك . . فها أنا واقف لدى بابها أنتظرك منذ ذلك الحين ! شعرت بحرج شديد ، وسألت الله في نفسي ألا يعلم يزيد بأمر فراري منه . . نظر إلى عيني بشوق: لم أعد أكبر منك يا أحمد ! لقد صرنا متشابهين تماما . . وكأننا توأمان . قلت وأنا أبحث عن الكلمات داخلي: ولكنّك ما زلت الأكبر . . أراد أن يفهمني أن أعمارنا أصبحت متساوية في الجنة فقلت بإصرار ونحن ندخل باب الجنة ورائحة شذاها تكاد تحمل أرواحنا: مازلت الأكبر في كل شيء . . في كل شيء يا يزيد . . منقول ... |
جزاك الله خيرا على النقل الرائع
وجعلنا واياك بالفردوس الاعلى اللهم امين |
جميل جدا هذا الموضوع 00 جعلة الله فى ميزان حسناتك |
طرح عظيم 00 ويستحق الاشادة اشكرك اخى الفاضل تقبل مرورى المتواضع 00 على صفحاتك http://smiles.al-wed.com/smiles/60/15xv0qw.gif |
| الساعة الآن 03:04 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026
