ثَوْرَةُ الرَّصِيفِ الَّذِي خَلَعَ عَبَاءَتَهُ
قصة قصيرة من مجموعة
ثَوْرَةُ الرَّصِيفِ الَّذِي خَلَعَ عَبَاءَتَهُ
للشاعر الكبير الدكتور / عزت سراج
ـــــــــــــ
خَارِجَ مَيْدَانِ الْمَحَطَّةِ تَقِفُ السَّيَّارَاتُ خِلْسَةً مُلْقِيَةً بِالرَّاكِبِينَ لِتَمْضِيَ مُسْرِعَةً مُلْتَفَّةً حَوْلَ الْمَدِينَةِ تَلْتَقِطُهُمْ ثَانِيَةً عَائِدَةً بِهِمْ إِلَى نُقْطَةِ الْبِدَايَةِ فِي رِحْلَةٍ يَوْمِيَّةٍ لا تَنْتَهِي 0
يَقْفِزُ عَدْنَانُ رَافِعًا صَغِيرَيْهِ فَوْقَ الْكَتِفَيْنِ مُتَأَبِّطًا الثَّالِثَ ، مُمْسِكًا زَوْجَهُ فِي يُسْرَاهُ ، هَابِطًا بِهِمْ فِي خِفَّةٍ فَوْقَ الرَّصِيفِ فِي سَلامٍ 0
ـ الْحَمْدُ للهِ وَصَلْنَا 0
ـ مَتَى تَشْتَرِي لَنَا سَيَّارَةً يَا أَبِي ؟
ـ قَرِيبًا يَا وَلَدِي ، قَرِيبًا 0
ـ أَنْتَ تَقُولُ ذَلِكَ مِنْ أَعْوَامٍ طَوِيلَةٍ 0
ـ يَا لَيْلَى يَا حَبِيبَتِي !!
ـ لَوْ كُنْتُ حَبِيبَتَكَ مَا تَأَخَّرْتَ فِي شِرَائِهَا 0
ـ حَاضِرٌ يَا لَيْلَى ، الْعَامُ الْقَادِمُ 0
ـ الْعَامُ الْقَادِمُ ؟
ـ إِنْ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ 0
ـ لَكِنْ لِلصَّبْرِ حُدُودٌ يَا عَدْنَانُ 0
ـ وَمَاذَا أَفْعَلُ ؟ يَا اللهُ 0
ـ تَقِفُ هُنَا لا تَتَحَرَّكُ ، سَأَدْخُلُ هَذَا الْمَحِلَّ أَشْتَرِي مَلابِسَ وَأَحْذِيَةً جَدِيدَةً 0
ـ لا بَأْسَ يَا لَيْلَى لَكِنْ لا تَتَأَخَّرُوا 0
000000
000000
000000
رَائِحَةُ اللَّحْمِ الْمَشْوِيِّ تَمْلأُ رُوحَهُ فَائِحَةً مِنَ الْمَطَاعِمِ الْمُتَجَاوِرَةِ طُولَ الطَّرِيقِ الْمُؤَدِّي إِلَى مَيْدَانِ الْمَحَطَّةِ ، وَالانْتِظَارُ امْتَدَّ سَاعَةً وَسَاعَتَيْنِ 0
فِي بُطْءٍ يَقْتَرِبُ مِنْ أَحَدِهَا مُتَرَدِّدًا يَخْشَى أَنْ يَخْرُجَ الصِّغَارُ فَلا يَجِدُونَهُ 0
خُطْوَةً خُطْوَةً يَقِفُ أَمَامَ الْمَحِلِّ مُسْتَسْلِمًا لِرَغْبَتِهِ الْجَامِحَةِ فِي تَنَاوُلِ اللَّحْمِ السَّاخِنِ 0
يَزْدَادُ الزِّحَامُ وَتَضِيقُ الشَّوَارِعُ وَتَبْرُقُ الأَضْوَاءُ مُبْهِرَةً تَكَادُ تَخْطَفُ الأَبْصَارُ 0
ضَاغِطَةً عَلَى كَتِفِهِ تُقَهْقِهُ سُهَيْلَةُ فِي ابْتِهَاجٍ غَيْرَ مُصَدِّقَةٍ أَنَّهَا تَرَاهُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ عِجَافٍ مَرَّتْ عَلَى لِقَائِهِمَا الأَخِيرِ 0
خَمْسُ سَنَوَاتٍ مُمْتَلِئَةٍ بِالْبَهْجَةِ لَمْ يَفْتَرِقَا يَوْمًا ، ذَاقَا مَعًا حَلاوَةَ الْعُرْيِ حِينَ تَخْلَعُ الأَرْوَاحُ عَبَاءَتَهَا مُحَلِّقَةً فَوْقَ الأَجْسَادِ الْمُشْتَعِلَةِ آَخِذَةً فِي الصُّعُودِ نَحْوَ السِّدْرَةِ 0
يَفْتَحَانِ فِي جُنُونٍ أَبْوَابَ الْمُنْتَهَى دَاخِلِينَ فِي أَلَمٍ لَذِيذٍ لا يَنْتَهِي 0
يَضْرِبُ الْبَحْرَ بِعَصَاهُ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ، يَتَجَاوَزَانِ الشَّاطِئَ غَارِقَيْنِ فِي اللُّجَّةِ تَحْتَ الأَمْوَاجِ 0
ـ مَعْقُولٌ ، سُهَيْلَةُ حَمْدِي ؟
ـ نَعَمْ أَنَا يَا عَدْنَانُ 0
ـ أَيْنَ كُنْتِ أَيَّتُهَا الْجِنِّيَّةُ الْمَاكِرَةُ ؟
ـ بِلْ أَيْنَ كُنْتَ أَنْتَ ؟
ـ أَخَذَتْنِي الْحَيَاةُ بَيْنَ الضِّفَافِ بَعِيدًا يَا سُهَيْلَةُ 0
ـ أُعَرِّفُكَ بِزَوْجِي سَعِيدٍ وَأَخِيهِ سَعْدٍ 0
ـ أَهْلاً بِكُمَا 0
يَتَنَقَّلُونَ هَادِئَيْنِ مِنْ رَصِيفٍ إِلَى رَصِيفٍ يَدْفَعُونَ الزِّحَامَ الْمُتَزَايِدَ دُونَ جَدْوَى 0
هَامِسًا فِي أُذُنَيْهَا الرَّقِيقَتَيْنِ يُلامِسُ أَصَابِعَهَا مُبْتَسِمًا فِي تَرَدُّدٍ 0
ـ لِنَبْتَعِدْ قَلِيلاً عَنْهُمَا ، أُرِيدُكِ وَحْدَكِ 0
ـ لا يُمْكِنُنِي يَا عَدْنَانُ 0
يَنْسَحِبَانِ رُوَيْدًا يَدْخُلانِ فِي الزِّحَامِ تَتَشَابَكُ الأَصَابِعُ فِي ارْتِبَاكٍ ، يَبْتَعِدَانِ مُنْعَطِفَيْنِ إِلَى مَمَرٍّ مُظْلِمٍ ، يَسِيرَانِ مِنْ شَارِعٍ إِلَى آَخَرَ ، تَتَلاشَى الأَضْوَاءُ مِنْ بَعِيدٍ 0
000000
000000
000000
فِي الْمَرَّةِ الأُولَى حِينَ فَاجَأَتْهُ فِي حُجْرَتِهِ الضَّيِّقَةِ كَانَتْ تَبْكِي مُرْتَجِفَةً ، وَقَدْ وَضَعَتْ سَاقًا عَلَى سَاقٍ ، وَغَرَّدَتِ فِي الْحُجْرَةِ عَصَافِيرُ الرُّوحِ جَائِعَةً تَحُطُّ فَوْقَ عَنَاقِيدِ العِنَبِ الَّتِي تَدَلَّتْ مِنْ وَرَاءِ أَزْرَارِ قَمِيصِهَا الْوَرْدِيِّ ، فَكَانَتْ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى مِنْ شَفَتَيْهِ الْمُشْعَلَتَيْنِ 0
فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ فَتَحَتْ بَابَ حُجْرَتِهَا لَهُ دَاخِلاً جَسَدَهَا الْمَخْبُوءَ مُنْتَشِيًا مُمَدَّدًا تَحْتَ فِرَاشِهَا الْوَثِيرِ 0
فِي الْمَرَّةِ الْعَاشِرَةِ كَانَا يَبْحَثَانِ عَنْ عُصْفُورٍ فَرَّ مِنَ النَّافِذَةِ الْحَدِيدِيَّةِ وَلَمْ يَعُدْ 0
فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ اكْتَمَلَ الْقَمَرُ وَالْتَفَّتْ حَوْلَهُ النُّجُومُ لامِعَاتٍ ، فَقَرَّرَ أَنْ يُغَادِرَ فِرَاشَهَا رَاضِيَةً تَبْحَثُ عَنْ حُلْمٍ لا يَجِيءُ 0
ـ يَا اللهُ يَا سُهَيْلَةُ عَشْرُ سَنَوَاتٍ مَرَّتْ مُسْرِعَةً دُونَ أَنْ أَرَاكِ 0
ـ الْيَوْمُ لَنَا يَا عَدْنَانُ ، لِنَعُدْ إِلَى الْبَيْتِ 0
ـ لَنْ أَتْرُكَكِ ثَانِيَةً 0
ـ أَنْتَ حُلْمِي الَّذِي ضَاعَ وَلَنْ يَضِيعَ 0
يَمْضِيَانِ مُنْتَشِيَيْنِ مِنْ حَارَةٍ مُظْلِمَةٍ إِلَى حَارَةٍ وَقَدْ تَجَمَّعَ الصِّغَارُ حَوْلَ كُرَةٍ 0
يَجْرِي الصِّبْيَانُ وَرَاءَهُمَا بِالْحِجَارَةِ يَهْرَبَانِ إِلَى رَصِيفٍ بَعِيدٍ 0
تَخْرُجُ الأَشْبَاحُ مِنْ رُوحِهِمَا مُطَارِدَةً ظِلَّهُمَا مُمْسِكَةً يَدَيْهَا فِي ذُهُولٍ 0
تَشُدُّهَا صَامِتَةً لِلرَّصِيفِ الْمَكْسُورِ مُتَدَحْرِجَةً بَيْنَ أَقْدَامِ الصِّغَارِ مُقَهْقِهِينَ 0
تَغِيبُ مَلامِحُهَا الْبَاهِتَةُ بَيْنَ وُجُوهِ الْعَابِرِينَ غَيْرَ مُتَجَاوِزِينَ زِحَامَ الْمَدِينَةِ 0
000000
000000
000000
يَدْخُلُ شَارِعًا مَسْدُودًا ، تَهْتَزُّ الأَوْرَاقُ فَوْقَ أَغْصَانِ الأَشْجَارِ الْمُتَشَابِكَةِ ، تَصْطَدِمُ الأَبْوَابُ الْحَدِيدِيَّةُ فِي الْجُدْرَانِ الأَسْمَنْتِيَّةِ فِي ضَوْضَاءَ مُتَدَاخِلَةٍ ، يَنْبُحُ كَلْبٌ مَنْفُوخٌ مُطَارِدًا سِرْبَ قِطَطٍ سَمِينَةٍ 0
يَتَرَاجَعُ عَدْنَانُ لا يَدْرِي أَيْنَ تَحْمِلُهُ قَدَمَاهُ فِي مَتَاهَةٍ لا يَلْتَقِي طَرَفَاهَا 0
تَتَّصِلُ الشَّوَارِعُ وَالْحَارَاتُ تَتَقَاذَفُ رِجْلَيْهِ الْمُصْطَدِمَتَيْنِ فَوْقَ الأَرْصِفَةِ 0
تَنْهَمِرُ الأَمْطَارُ غَزِيرَةً غَاسِلَةً أَوْجَاعَ الْبُيُوتِ الْحَزِينَةِ تُبَلِّلُ ثِيَابَهُ ، مَأْخُوذًا يُسْرِعُ مُخْتَبِئًا تَحْتَ سَقْفِ شُرْفَةٍ مُمْتَدَّةٍ 0
يَخْتَفِي الْمَارَّةُ قَافِزِينَ دَاخِلَ الْعَرَبَاتِ الْمُنْطَلِقَةِ قَاطِعَةً دَفْقَ الأَمْطَارِ 0
كَرَجُلٍ يَخْلَعُ عَبَاءَتَهُ الْقَدِيمَةَ الْمُغْبَرَّةَ تَبْدُو الأَرْصِفَةُ الْمُبْتَلَّةُ ثَائِرَةً تَدْفَعُ بَلاطَهَا الْمَكْسُورَ 0
وَحْدَهُمَا عَدْنَانُ وَالرَّصِيفُ الثَّائِرُ عَلَى أَقْدَامِ الْعَابِرِينَ يَهْرَبَانِ مِنَ الشَّوَارِعِ الْمُظْلِمَةِ 0
ـ أَيْنَ أَنَا ؟
لا بُدَّ أَنَّهُ كَابُوسٌ دَفَعَ بِهِ ذَلِكَ اللَّحْمُ الْمَشْوِيُّ وَالْخُبْزُ السَّاخِنُ وَالْفَاكِهَةُ الطَّازَجَةُ 0
كَيْفَ أَصِلُ إِلَى مَيْدَانِ الْمَحَطَّةِ ؟
فِي يَأْسٍ يَشْعُرُ بِالتِّيهِ ، يَظُنُّ أَنَّ رَأْسَهُ الْكَبِيرَ قَدْ سَقَطَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ ، يَسْتَسْلِمُ لإِعْيَاءٍ يَزْحَفُ إِلَى بَقَايَا أَعْضَائِهِ الْمُرْتَعِشَةِ 0
ـ كَابُوسٌ ثَقِيلٌ لا يَنْتَهِي 0
تَبْدُو السَّيَّارَاتُ مِنْ بَعِيدٍ كَسَرَابٍ لا يَكَادُ يَصِلُ إِلَيْهَا حَتَّى تَخْتَفِيَ 0
مَحْمُولاً فَوْقَ الرَّصِيفِ الثَّائِرِ يَلْمَحُ لَيْلَى جَالِسَةً جِوَارَ صِغَارِهِ دَاخِلَ عَرَبَةٍ مُسْرِعَةٍ 0
ـ لَيْلَى ، أَوْلادِي !!
مُخْرِجًا بَقَايَا أَنْفَاسِهِ يُسْلِمُ سَاقَيْهِ لِلرِّيحِ وَرَاءَ الْعَرَبَةِ قَاطِعًا شَوَارِعَ الْمَدِينَةِ الْمُظْلِمَةَ تَحْتَ الأَمْطَارِ هَارِبًا مِنْ أَشْبَاحِهَا دُونَ هَوَادَةٍ 0
تُطَارِدُهُ فِي إِصْرَارٍ ثَوْرَةُ الرَّصِيفِ الَّذِي خَلَعَ عَبَاءَتَهُ فِي جُنُونٍ 0
ــــــــ
قصة قصيرة من مجموعة
ثَوْرَةُ الرَّصِيفِ الَّذِي خَلَعَ عَبَاءَتَهُ
للشاعر الكبير الدكتور / عزت سراج
مصر ـ طنطا ـ محلة مرحوم
ـــــــــــــ