أسس التنشئة السليمة في الاسلام
بقلــم الدكتور كامل صكر القيسي
أن الفقه الإسلامي زاخر بحقوق الأولاد، وأعظم تلك الحقوق وأسماها وأجلُّها، حق الأبناء في التنشئة الإسلامية الرشيدة، التي تقوم على مَحبَّة الله وطاعته، والابتعاد بهم عن كل ما يُفسد العقل والفكر والأخلاق، ليكون كل واحد منهم لَبِنَة في بناء الأسرة والمجتمع بكل خصائصه ومقوماته ومزاياه، وهذا يتحقق من خلال بنائه في كل جانب من الجوانب التالية: العقيدة، العبادة والأخلاق، البناء الجسدي، البناء الاجتماعي، البناء الفكري والثقافي.
- أولاً: العقيدة

يجب على المربي ربط الولد منذ صغره بأصول الإيمان وتعويده وتعليمه أركان الإسلام والإيمان، ومبادئ الشريعة الغرّاء، وكل ما ثبت من الحقائق الإيمانية والأمور الغيبيَّة، كالإيمان بالله عزّ وجلّ والملائكة والكتب السماوية والرُّسل واليوم الآخر وسؤال الملَكين والبعث والحساب والجنّة والنار وسائر المغيّبات. وقد أذّن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في أذن الحسين بن علي (رضي الله عنه) حين ولدته فاطمة، لأن في الأذان كلمة التوحيد، التي هي أصل العقيدة ومبدأ التوحيد والإيمان. وعلَّم (صلى الله عليه وسلم) ابن عباس وهو غلام أصول العقيدة بقوله (صلى الله عليه وسلم): "يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنّ الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروُّك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفّت الصحف"رواه أحمد والترمذي.
- ثانياً: العبادة والأخلاق
وتتمثلان في تعليم الطفل أحكام الحلال والحرام لكي يرتبط بمخافة الله عزّ وجلّ، ويتعلق بأحكام الشريعة، فلا يعرف سوى الإسلام آمراً وناهياً ومشروعاً ومنهاجاً.
وقد ورد عن ابن عباس (رضي الله عنهما) في تفسير قوله تعالى: (قُوا أنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً) (التحريم/ 6)، أنه قال: اعملوا بطاعة الله واتقوا معاصي الله وأمروا أهليكم بالذكر حتى يُنجيكم الله من النار. وقال مجاهد: اتقوا الله وأوصوا أهليكم بتقوى الله. وقال قتادة: تأمرهم بطاعة الله وتنهاهم عن معصية الله، وأن تقوم عليهم بأمر الله وتأمرهم به وتساعدهم عليه، فإذا رأيت لله معصية قذعتهم عنها وزجرتهم عنها. وهكذا قال الضحاك ومقاتل: حق المسلم أن يعلّم أهله من قرابته وإمائه وعبيده ما فرض الله عليهم وما نهاهم الله عنه، لأن طريق العقيدة يتمثل في توحيد الله والشعور برقابته والتطلع إلى ما عنده والثقة بعدله والخشية من عقابه، ثم الانتقال إلى دعوة الناس إلى الخير وإصلاح حالهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، والتزوّد بزاد العبادة لله والتوجه إليه بالصلاة والصبر. قال تعالى: (يَا بُنَيَّ أقِم الصَّلاةَ وأمُرْ بالمَعرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنكَر وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصابَكَ إنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْم الأُمُورِ) (لقمان/ 17). وقال لنبيه (وَأمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاة وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) (طه/ 132). وقال (صلى الله عليه وسلم): "مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرّقوا بينهم في المضاجع"رواه أبو داود. وتلك مرحلة تترسخ العقيدة فيها، وتسهم في التدريب والتعويد على أداء العبادات والتربية في ضلال الطاعة لله عزّ وجلّ والتسليم له، من خلال الصلاة والصيام والحج ونحو ذلك ممّا يطهّر قلب الولد ويُصلح جسمه ويُهذّب خُلقه وأقواله وأفعاله وكل سلوك يصدر عنه.
ويتفرّع عن هذا تأديب الأبناء على حُب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وحُب أهل بيته(رضوان الله تعالى عنهم)، ويتبع ذلك تعليمهم سيرة رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، وسيرة الصحابة الكرام والعظماء في التاريخ الإسلامي، ليرتبطوا بالحضارة الإسلامية بعد فهمها، فتكون عندهم العزة والأصالة والانتماء.
وهذه العزة هي باب من أبواب الأدب ومصدر للقيَم والفضيلة، ومنطلق للصدق والأمانة والاستقامة والإيثار، والوفاء بالعهد وإغاثة الملهوف وإجلال الكبير وإكرام الضعيف والإحسان إلى الوالدين والجار وحب الخير للآخرين. وتربية الولد وفق هذه المعايير تعد إكراماً له وبِرّاً به. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "ما نحَل والد ولده بأفضل من أدب حسن"رواه أحمد والترمذي والبيهقي. وقال (صلى الله عليه وسلم): "أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم". وقال: "علِّموا أهليكم الخير". وتلك هي الأسس الأصيلة التي أرستها قواعد الشريعة وأصولها، حتى تجلّت في معالمها الحضارية والإنسانية، حتى تتكون للمسلم شخصية متميزة تبرز في كل شكل من أشكال الحياة الفكرية والعقدية والسلوكية والمنهجية، والتمسك بالشخصية الإسلامية ومقوماتها وفق المنهج العلمي الصحيح، ومن ذلك ما يوجه إليه الرسول(صلى الله عليه وسلم) بقوله في الحديث الشريف: "لا تكونوا إمَّعة تقولون إن أحسن الناس أحسنّا، وإن ظلموا ظلمنا. ولكن وطِّنوا أنفسكم على إن أحسن الناس أن تُحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا"رواه الترمذي والطبراني. ومنه أيضاً الأمر بتزيكة النفوس وإبعادها عن مزالق الشَّطَط. وفي سبيل بلوغ ذلك ينبغي تعويد الأبناء ونصحهم بالحشمة وغضّ البصر والوقار والسكينة والحياء والستر في كل ما يعيب.
ولا يخفَى على المربي من فائدة المراقبة الدقيقة والمتابعة الواعية والملاحظة المسؤولة في تقويم الأخلاق لدى الولد وإصلاحه وتنمية شخصيته، ولا يمكن تجاهل هذا الدور الحيوي والغفلة عنه، لأن كل انحراف يأتي نتيجة الغفلة وتخلي الأهل عن واجب المراقبة والتوجيه. كما أنه لا يصح أن يُترك هذا الدور التربوي الحيوي ليتولاه الخدم والمربيات، اللواتي لا يُعرف لهنّ دين ولا خُلق، فينشأ الطفل وقد أخذ ممَّن تولى الإشراف عليه كثيراً من أخلاقه وسلوكه.