أنت غير مسجل في منتديات منابع الأدبية . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا

 

لوحة التميّز الشهري (قريباً)

قريبا

قريبا

قريبا

قريبا

قريبا

عدد الضغطات : 4,614

آخر 10 مشاركات الاستاذ علي هزايمه-قطار اللذه ( آخر مشاركة : علي هزايمه - )    <->    الاستاذ علي هزايمه-بركه خان ( آخر مشاركة : علي هزايمه - )    <->    قصة وقصة وراء الصراع الأزلي بين الخير والشر ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    قصة وقصة وراء الصراع الأزلي بين الخير والشر ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    قصة وقصة وراء الصراع الأزلي بين الخير والشر ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    قصة وقصة وراء الصراع الأزلي بين الخير والشر ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    قصة وقصة وراء الصراع الأزلي بين الخير والشر ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    قصة وقصة وراء الصراع الأزلي بين الخير والشر ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    الكلام حول ماذا كان قبل الوجود ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    هي أمي ( آخر مشاركة : حسين محسن الياس - )    <->   
مختارات      <->     الحُريةُ لاَ تُوهَبُ لأنَّها ليسَتْ صَدَقَةٌ وإِنَّمَا تُؤخَذُ لأنَّهَا حَقٌّ      <->     
العودة   منتديات منابع الأدبية > منتديات الأدب العربي > يحكـى آنـ
التسجيل المنتديات موضوع جديد اجعل كافة الأقسام مقروءة

الملاحظات

يحكـى آنـ هـمّـسٌ رِوائـِيّ , وقـِصـِة قصيـِره , وأعذب مامرّ على الأزّمـَان !

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 13-09-2011, 07:34 PM   المشاركة رقم: 11
المعلومات
الكاتب:
حلم ينتظر
اللقب:
نبع صافي

 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 رقم العضويـة : 6268
 مجموع المشاركات : 45
 بمعدل : 0.01 في اليوم
  العمر : 36
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حلم ينتظر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حلم ينتظر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

شكراً لكِ أختي ،ويسرني أن تكوني متابعة لي في قصتي ,

أحب ملاحظات الجميع..












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

سأحلم بالرجوع معاً حماماً.....أمام الشمس في اليوم الجديدِ

عرض البوم صور حلم ينتظر   رد مع اقتباس
قديم 14-09-2011, 10:04 PM   المشاركة رقم: 12
المعلومات
الكاتب:
حلم ينتظر
اللقب:
نبع صافي

 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 رقم العضويـة : 6268
 مجموع المشاركات : 45
 بمعدل : 0.01 في اليوم
  العمر : 36
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حلم ينتظر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حلم ينتظر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

مرحباً بكل المتابعين الأوفياء

وأتمنى أن لاتكون قصتي ثقيلة على قلوبكم

أرحب بالتعليقات الناقدة

والآن مع الفصل الخامس من رواية آدم


(الفصل الخامس)
عزم المحقق على سن مُثل جديد مذ ألقي في مسؤوليته هلاك الرجلين الحارسين في نزل الشيخ. لقد تحدثوا في مركز الشرطة عن تساهله وشرود باله عن الحقائق التي كانت خلف هذه الوقائع والأحداث ،وعذله المدير على تهاونه مع رجاله الذين كلفهم بحراسة المنزل. وقال المدير ولون سمرته المحمر من الغضب يتلاشى شيئاً فشيئاً:"إنك رجل جيد ،وأنا لا أرغب أن أسمعك هذه الكلمات." "إن القضية تجاوزت حدودها المرسومة لها..وبالنظر للمعلومات التي وردتني..فإني ختمت ملفها بهذا الشكل البسيط..إني أجدك غير أمين في نقل ما تتوصل إليه بعقلك وأبحاثك معي". ولم يذبّ المحقق عن نفسه بكلمة ،ولم يأتِ جسده بأي حركة ملل أو كظم غيظ ،ولم يرغب أبداً في تحطيم رؤوس أولئك الذين حدقوا فيه شامتين على طول الطريق إلى الخارج ،فقط كان دماغه يعمل على تحليل جريمة القتل الشنيعة ،و الوسيلة الأفضل لحصر المشتبه بتورط أيديهم في إزهاق الروحين. كان يعاتب الشيخ في مهجعه بصوت مرهق:"أيها الشيخ..لقد اصطبغت دارك بالأحمر ليلة أمس الأول..لقد ذبح أتباع علمك الذي تزعمه اثنين من رجالي..فإن كان هديك يحض على قتل الناس فبئس الهدي المضل جئت به بين يديك..وبئس الضياء المعتم تريد أخذ الناس إليه " وتحدث فقال بلهجة صارمة:"أيها الرجل المسن إنني أنوي جمع الأسماء المتوارية التي كانت تسمع كلامك..فضلاً عن استجواب لكل الأشخاص الذين نعرفهم من يدعونك بالشيخ الجليل..وسواء إخباري بجحورهم وإخفاء هذا..فإنني سأكشفهم قريباً". لم يبد على صوت الشيخ أي تأثر بالحادثة التي يرويها رجل الشرطة حين قال"إنه علم مهيب ذلك الذي جعلكم تخافون من رجل مسن مسجون ،تقدمون بين يديه فتنشدون بعض المساعدة في البحث عن الجاني..إن الكتاب الذي بين يدي يأمر لساني أن لا ينطق بغير الحق وإن كنت سأقتل لو نطقت به..فأي حكم ذاك الذي يعظم شأن الكذب إلى هذا الحد ويتهاون بروح إنسان بريء!..أيها الشرطي في أي قضية قمت عليها هل كنت تأخذ كلام الناس على محمل الجد؟..لقد كنت تمحص الأقوال لتعرف الحقيقة من الخيال..لكنك أتيتني وسألتني وتعلم أني سأصدقك القول..كما أن جوابي فقط هو الذي سيجعل تحرياتك تسير..وبطريق الصواب..لأنك لا تعرف أي نوع من الناس يمكن أن يجالس رجلاً هرماً..ولم تكن هناك عيون تراقب بيتي فتعلم من دخل إليه ومن خرج. إن الصبية الذين يرافقهم رجل في منتصف العمر قد تعهدوا لديكم بالتوبة من ذنبهم ذاك..ولا أدري لأي سبب اتسعت رقعة أبحاثك وصرت تعتقد بوجود غيرهم!". وتحرك المحقق صوب الباب ففتحه له جندي يحمل مدفعاً آلياً أدى التحية العسكرية ثم أغلق الباب.
لقد توجه المحقق إلى دار الشيخ مباشرة عقب مقابلته القصيرة معه ،ولم يكن رجال المختبر قد انتهوا من جمع الآثار التي تركها الجناة خلفهم ،وقال كبيرهم للمحقق:"لقد رفعنا آثار الأقدام الدامية ،ووجدنا من النظرة الأولى أنها لطفل وشخص بالغ..سنوافيك بالنتائج بعد مطابقتها ببصمات المشتبه بهم" وأكمل وهو يشير للمحقق على الشقوق في الحائط:"يتبدى لنا أنهم عبثوا بشيء ما هنا..ولم نعثر على سلاح الجريمة" ثم قال وقد بان الضجر على وجه المحقق:"سيفحص الطبيب الشرعي جثث القتلى وسيحدد أي سلاح أراق دمائهم..وأنا يظهر لي أنها شفرة صغيرة كرر الجاني هجومه بها ليؤذي الرجلين..إن خطوطها ليست غويطة وطعنتها ليست بذلك العمق. يعن لي أن أقول أنهما دخلا من النافذة فآثار الأقدام في الفناء الموحل تصرخ بذلك..". "سأستمع إلى تقريرك لاحقاً ،شكراً لك". قال المحقق قاطعاً استنتاج الرجل الذي بدأه للتو. راح المحقق يفحص المكان وفق منهجه الخاص وارتاح كثيراً حين ودعه رجال المختبر. كان من الطبيعي ألا يلقى الرجال شيئاً ليرفعوا البصمات من على سطحه ،إذ أن المكان خواء إلا من الجدار المتصدع الخرب. وقد فحصوا بعض بصمات مبعثرة لأنامل تنبش في الجدار وتستند إليه ،وقد أدرك المحقق أن فحص البصمات لن يجود بشيء ،لذا كان عليه أن يستحضر المشاعر التي كانت حاضرة الغرفة وقت حدوث الجريمة ،وكان رفاقه يسخرون من أسلوبه التأملي الحالم الذي لا يمكن أن يأتي بدليل مادي يحيل مجرماً إلى العدالة. غير أنه أكثر من مرة استطاع أن يودع سارقاً إلى السجن أو يسوق قاتلاً إلى حبل المشنقة باعتماده على عاطفته الحية.
لقد تحسس براحته شقوق الحائط الكبيرة وأدخل سبابته في ثقوبه الصغيرة ،وأغمض جفنيه مستسلماً للقصة الوهمية التي راحت ترويها مشاعره التي تسلمت معطيات القضية من أصابع كفه الخمسة. غير أن إحساسه المرهف لم يجد بشيء هذه المرة ،لقد أيقن في قرارة نفسه أن جريمة القتل في هذه الغرفة حدثت مجردة من أية مشاعر. فلا نظر القاتل إلى وجه ضحيته ،ولا المقتول نظر إلى عيني قاتله ،ولم تكن تتكون المشاعر التي يذرها الأفراد في موقع الجريمة ،إلا باتصال حواسهم المادية التي تصنع جواً من الحزن أو الفرح أو الغضب. إن المحقق دخل كل الحجرات في بيت الشيخ وانتهى إلى حجرة نومه والنافذة التي تسلل منها المجرمون ،وخرج من الباب الذي يحرسه رجاله الثلاثة ،فألقوا إليه تحية عسكرية طويلة ،وتمنوا له التوفيق.
كان يستقبل الكهل في غرفة صغيرة وقد حضر نفسه لتحقيق دقيق غير رفيق. قال للرجل الذي تهدلت أكتافه من الأسى:
- أين كنت وقت الجريمة؟ لقد قدرت بالثامنة من ليلة أمس الأول.
- لقد كنت في بيتي ،وإلى جواري زوجتي فقط..أحسب أنكم لن تأخذوا بشهادتها.
- حسن..وممن علمت بحدوث الجريمة؟
- من رجالكم ،لقد أخبروني أني أحد المشتبه بهم وطلبوا مني أن أصحبهم.
- أنت متأكد أنك لم تتلق اتصالاً من أحدهم..أو رسالة على بريدك الإلكتروني؟
- لم يحدث ،ويمكنكم أن تراجعوا ذلك..فأنتم تراقبون كل شيء.
- أنا لم أعن خطاباً يخبرك بالواقعة ،إنما محادثة من شخص قد انقطع عنك منذ أمد ،أو شخص لا يتصل كثيراً.
- لم يحدث.
- شكراً لك..أرجو أن تسمح لنا بمقابلة مع زوجتك على انفراد.
- لكم ذلك. ثم أدبر بجسده المترنح ذات اليمين والشمال ،وأقبلت زوجته عابسة المحيا. سألها المحقق بلطف محاولاً أن يشتت الخطوط الصغيرة بين حاجبيها الدقيقين. قال:
- لقد كنت مع زوجك في الثامنة من تلك الليلة ,هل هذا صحيح؟
- ليس من عادتي أن أنظر للساعة إن لم يكن لدي موعد.
- إذن..دعيني استفسر عما كنت تصنعين في ذلك اليوم.
- لقد كنت أقبّل زوجي.
- عفواً أنا لا أقصد هذا ،إني....
- لقد كنت أطهو الطعام..كيف لي أن أذكر كل شيء! لقد أخبرتك بالأعمال التي آتي بها كل يوم..نعم..إني أقبله قبل خروجه إلى العمل..وأقدم له الطعام عند عودته إلى المنزل.
- إنني ممتن لك ،هل كنت تعلمين أين يولي زوجك في الصباح؟
- لم يخبرني..لكن مشرفه في العمل اتصل أكثر من مرة يسألني عن غيابه..أيها السائل اللحوح هل تعلم أين كان يذهب؟..لقد كان يأتيني بعلم غريب..وأحسب أنه يخفي به عبثه مع بعض النساء..
- ولكن ،ألا ترين أن وقت البكور غير مناسب لهذه النشاطات؟
- إنه يسلو بهذا عن ذكرى وفاة ابنه الوحيد ،إنه يحبني ،ولا يريد تركي وحيدة في الليل ،و لربما وجد إحداهن تفتح أبوابها في هذا الوقت.
- لقد قلت أنه يحبك ،فهل يعقل أن يخون المحب حبيبته!
وسيطر على المرأة ضحك هستيري صاخب ،وأجابت وهي تقهقه ساخرة:
- أيها اللحوح لا تتصنع اللطف ،كلكم هكذا ،معشر الرجال ،لا تنظرون لامرأة واحدة.
- يمكنك أن تغادري..إني آسف..لقد أطلت عليك. ونهض من مقعدة وشرب كأس الماء أمامه دفعة واحدة ،وقال لمن عنده من الرجال:"أسوأ شيء أن تحقق مع زوجة غيورة ،أو رجل كبير عاشق". ودخل المتهم الثاني وجلس ،ووضع المحقق كأس الماء ونظر في وجه الصبي البليد أمامه مطولاً ثم بدأ الحديث:
- ما اسمك أيها الشاب؟ وهل تتمنى رؤية الشيخ؟
- سعيد..وأنا سأسعد برؤية سيدي.
- كيف قابلت الشيخ؟ وكيف دعاك إلى داره؟
- لقد كنت أشتري دمية لأختي الصغيرة ذات نهار ،ورآها الشيخ بين يدي ،فسألني ماذا أحمل ،فقلت له إنها دمية بهيئة طير صغير ،فقال متحسراً"إنما أضل أقواما قبلكم تماثيل نصبها آبائهم ليبقى ذكرهم ،فاتخذها أبناؤهم آلهة يعبدونها من بعدهم". فأجبته بالنفي ،فدعاني لمنزله لأعلم أكثر ،أن أعلم عنه ،إلهي الذي فطرني ،ومنحني الحياة.
- جيد ،أخبرني هل تؤمن بإله الشيخ؟ هل تراه موجوداً؟
- إني مؤمن به. ويعتري قلبي ضعف الإيمان من حين لآخر. إن شيخي على دراية بعلل القلوب ولقد بشرني دائماً أن ربي سيثبت وجوده في قلبي.
- أنت تذهب للمدرسة وتلتقي بأولاد آخرين ،هل تنوي دعوتهم إلى معتقدك؟
أطرق الفتى برأسه مفكراً ،ثم أجاب بحذر:"أريد ذلك ،ولكن بعد عهدي لديكم فإني لا أقوى على نقضه".
دخل الصبي الثاني ،ورقمه الثالث بين المتهمين ،كان هادئاً لا يبدو على وجهه أي تعبير. أجاب المفتش باسمه وكيف التقى بالشيخ:
- لقد ساعدت الشيخ في حمل متاعه إلى داره ،فشكرني وقبض على كفي وسألني"هل تريد أجراً على هذا العمل؟" فأجبته بالنفي ،فقال لي:"ما لذي يجعلك تقدم المساعدة للناس دون أن تكسب مقابلها شيئاً؟" ،فلم أتفوه بشيء ،وأجاب على سؤاله بنفسه بسرعة:"ألا أدلك على أحد يجزيك ثواب عملك..إنه ما تعمل مثقال حبة من خير أو شر إلا ويسجله في صحيفة عنده ،معرفة باسمك (غسان) ،محفوظة في حفظه ،لا يضل ربي ولا ينسى" "إني أدعوك إليه ،فهل ستجيبني؟" فكنت طالباً في حلقته التي ينشأها كل صباح.
ودخل الصبي الثالث وكان فارع الطول ،يلقي نظرات على كل شيء بطريقة حذر حيوانية. قال له المحقق بلطف وكان لاحظ جلسته الوجلة وأنفاسه المتوترة:
- ماذا أحببت في الشيخ؟ وهل ستنشر ما جاء به؟
- إني شغوف بالخوارق يا سيدي..وتشتاق أذنيّ إلى سماع لغة كتابه الفخمة.
- إذن أنت تراه كاهناً..ولا تؤمن بربه؟
- تستطيع أن تقول ذلك..إني غير جدير بمعرفة من خلف الكون والحياة..أحب شعور الغموض فقط.
- كم تبلغ من العمر أيها الشاب؟
- إني جاوزت الخامسة عشر..قبل يومين يا سيدي.
- هل ترغب بمتابعة غموض هذه القضية؟
- لا يا سيدي..لأنها ليست غامضة..فأنا أعرف القاتل.
- أنت تشك بأحدهم..ما اسمه أيها الشاب؟
- إنه الفتى الذي يلزم الشيخ ولا يفارقه أبداً ،إن بينهما من الود الشيء الكثير ،والفتى يحب الشيخ بطريقة مريبة. إنه إلياس.
- ماذا تعني بمريبة؟.
- أعني أن إلياس لا يحب الشيخ ،ولكن يريد شيئاً كامناً في داخله.
- شكرا لتجاوبك ،يمكنك أن تنصرف.
خط المفتش في مفكرته بعض الملاحظات ،وكان يحط يراعه جانباً حين دخل عليه المتهم قبل الأخير. سأله كيف التقى بالشيخ فأجاب بأنه لم يلتق به ولكن أحداً قدمه إليه.
- لقد سألت غسان عما يفعله صباح أيام العطلة فأخبرني عن شيخه ودعاني إليه ،ولم أحضر يا سيدي غير المجلس الأخير الذي قبض بعده على الشيخ.
- أراغب أنت بسماع علم الكتاب الذي يحمله الشيخ؟
- نعم يا سيدي ،فلم أكتف بمعرفة الثقلين وممن خلقوا ،أريد أن أعلم لأي شيء لا نرى الجن؟ وما هو النور الذي خلق منه الملائكة؟ إني أريد أن أرحل للجنة ،وأنا لا أريد أن أذوق شجرة الزقوم ،لدي مسائل كثيرة لن يجيب عنها غير شيخي الجليل.
- سأبدد حيرتك ،نحن لا نرى الجن ولا الملائكة لأنه لا وجود لهم ،وما أخبرك به الشيخ كذب وافتراء. دعني أرشدك إلى الوضوح ،إن الرجل المسن فقد اجتماع الناس حوله في عمره هذا ،فابتكر حيلة يجمعهم فيها إليه. وما كتابه وما حديثه إليكم إلا ليجذبكم إليه.
- أنت مخطئ يا سيدي ،إن الشيخ رجل صادق.
- قد أسرني ببعض الكلام ،مثلك تماما ،وكاد يخطفني بريق عينيه ونبل خلقه. أشكر لك تعاونك ،ولا تنس عهدك لدينا أن لا تعود لمثل ما قلت وفعلت.
- لقد سمعت أن شخصين كانا في منزل الشيخ ليلة الجريمة ،تمنيت أن أدلي بأقوال تساعدكم. إني حديث معرفة بالشيخ وليس باستطاعتي الشك بأي أحد.
- سؤال أخير أيها الشاب الطيب ،كم تبلغ من العمر؟
- إنه في الوثيقة أمامك يا سيدي ،إني عشت أربعة عشر سنة من الجهل.
سأل أحد الضباط المحقق بتردد لما أن غادر المتهم فقال:"أنت لم تسأل أحداً غير الرجل وزوجته عن حجة الغياب ،هل لديك خطة ما يا سيدي؟" أجاب المحقق بعدما أخذ رشفة من كوب الشاي الذي وضعه رجل قبيل لحظة:"لا أحب أن أكون رجلاً فضولياً ،إني لا أسأل إلا من أعرف بتلوث يده في الجريمة". وأقبل المتهم الأخير الذي أرجأه المحقق بإرادته المطلقة ،كرر النظر إلى وجهه الجميل ،وأرسل نظرات تحد نحو مقلتيه رداً على نظرات مثلها أصابه بها الصبي. وأفصح فقال:
- لقد التقينا من قبل ،وأحسب أنك مسرور با للقيا مرة ثانية.
- ..............................................
- من كان معك في منزل الشيخ ؟ وهل ساعدك في التخلص من حرسي؟
- لم أكن هناك.
وهم أحد الضباط المرافقين للمحقق أن ينطق منبهاً ،بيد أنه أعرض وراح ينظر إلى معركته الحامية. وعلا صوت المحقق وهو يقول:
- لقد قتلتهم لأنهم رأوك ،أين أخفيت الشيء الذي سرقته؟
نظر الصبي بغضب إلى المحقق ،وشعر المحقق بلظى نظرته يكوي كل جزء في بدنه.
- أسمع ،أنت القاتل دون شك. لقد جعلتك حبيس المنزل يوم أمس لأني لم أرد أن تهرب. إن هذه قضيتي الأولى التي أحكم على أحدهم خلالها دون الرجوع إلى أدلة مادية ،ليقيني التام أنك القاتل. ليس لدي أسئلة أخرى ،سأنتظر نتائج البصمات وسأدخلك إصلاحية المراهقين قريباً. نهض الفتى وخرج ولم ينبس ببنت شفة. وأعرض المحقق عن استجواب أمه وأولياء أمور الأولاد الآخرين ،وآب إلى مكتبه وراجع أعماله الرتيبة.
لقد تصفح بعض عشرات من ملفات قضايا القتل التي تسلمها منذ سنتين ،كان الجناة فيها أطفالاً لم يتجاوزوا الخامسة عشرة من أعمارهم. كان يشعر بقليل من التعاطف معهم ،ولكنه يريد قتل المتهم الصغير هذه المرة ،وهو قد جعله نداً خطيراً يتهدده ،رغم فارق السنوات والخبرة بينه وبينه. وبينما أخذ فكره في التأمل إذ بشرطي مبتدئ يقترب إليه ،وقبل أن يعلن عن بغيته بادره المحقق فقال:"إني آتٍ ،شكراً لك". ثم شد قوامه وعدل من هندامه ،واصطحب مفكرته معه. كانت الممرضة تتحين وصوله بهدوء ،وكان رجلان ينظران إليها ويتناجيان ثم يتبسمان ،كان أحدهما يخبر الآخر عن ميل المحقق لهذه الفتاة الصغيرة ،وأخبره صاحبه أنه استمع لحديث بينهما ذات مرة ،وأن الفتاة كادت للضابط ورحب صدره بكيدها. وحين أطل المحقق بقامته المربوعة أمام الباب ،حياه كل منهما بطريقة الشرطة ،وتلهفا للحوار الفريد الذي سيجري الآن أمام ناظريهما مباشرة. قال المحقق بلطف متكلف وهو يستقر على كرسيه مقابل الفتاة:
- أرجو أن لا نكون أثقلنا عليك بالحضور..بعد ساعات العمل المضني.
- لا يا سيدي..أنا التي أقدر لكم إقامة التحقيق في وقت يناسبني.
فابتسم بخبث وسألها:
- هل نلت حاجتك من الشيخ؟
- لم يتسن لي ذلك ،شكراً لاهتمامك.
فاتسعت ابتسامته وهو يقول:
- وهل ستطلبين مني زيارته مرة ثانية؟
- ربما.
قال وهو يرخي رباط عنقه ببعض الصرامة:
- تعلمين طبعاً عن القارعة التي حلت في نزل الشيخ ،أين كنت في ذلك الوقت؟
- إني على بينة منها ،لقد كنت خارجاً في ذلك الوقت.
- هل لديك شهود؟
- لا أعتقد قبول شهادتهم لديكم.
- هل الشاهد صديق..أو حبيب؟
- شيء من هذا.
- حسن ،إني أشك بتورط يديك في هذه القتلة ،فماذا تقولين؟
- لن أنكر هذا.
- إذن أنت تعترفين؟ّ!
- قلت بأني لا أنكر لكن هذا لا يعني مطلقاً أني أصرح بذلك. إن الحكم يستند على أدلتكم التي تجدون.
- كيف كانت علاقتك بالشيخ؟
- تماماً كعلاقتي بك.
- إني لا أعرفك.
- كذلك كان لي الشيخ.
- هل تشوهين الحقائق.
- لا يكذب سوى الجبناء ،ولا أعد نفسي فرداً منهم.
- والصفحة من ذلك الكتاب؟
- لقد أذهلني ما جاء فيها ،فأنشأت علاقة معها وليس مع الشيخ.
- مازلت تنكرين!
- لقد سلبتونا إياه قبل أن نشرع في عقد صداقة معه.
نظر المحقق في وجهها كثيراً ثم أزجى ضحكة قصيرة:"إن التحقيق معك ممتع للغاية ،ولو أومأ وقتك إلي لاستنفدته كله". ثم تخلص من أثر ضحكته المنفعلة قبل قليل فتنهد بقوة وشكرها وشكرته. صاح الشرطي الصغير الذي كان ينبه المحقق لساعته مع الفتاة وهو يهرول صوبهم:" قفوها..إن الفحص كان إيجابياً..قفوها إنها المسؤولة..". تضايق المحقق من صخب الشرطي فهب إليه وأبلغه أنه مخطئ وأن الأمر لا يتم بهذا الأسلوب ،وحانت منه التفاتة إلى حيث غرفة الاستجواب فوجد الفتاة قائمة ترقبهم بشيء من توتر ،فخاطبها قائلاً:"هل تريدين أن نتحدث الآن؟ أم أهبك ليلة تودعين خلالها منزلك؟". قالت بابتسامة ترتعد بوضوح:"أصنع ما شئت يا سيدي". "أذهبي ،قد آتي لاصطحابك في الغد".قال لها ثم نظر إلى جسدها المنتفض وهو يخطو خارجاً وقال للشرطي الذي سقط فكه من صدمة الموقف:"أما تلاحظ ساعة راحتي أقبلت! أذهب وتمدد في سريرك أيضاً!".
نظر المحقق في هاتفه النقال للحظة ثم حطه في جيب سترته ،وتوقف عند بيت يعرفه. فتحت له الباب المرأة الأم وسألته بخوف عن سبب مجيئه. قال لها وهو يتباطأ في سيره إلى المكان حيث دعته:"ليس وراء زيارتي فأل سيء ،لقد مررت بمنزلك بعد العمل ،فخطر لي أن أشد من عضدك بعد الذي حصل". أطرقت برأسها وشكرته بحذر ،وعلم..ما في شكرها من روح ،وأقر بثقل حضوره على نفسها ،وتحدث بعد فترة من الصمت فقال:"ما يفعل إلياس؟". أجابت بنفاد طاقة:"إنه يدرس في غرفته". رد عليها بفعل هذه المرة ،وكان أبصر دمعة تومئ بالنزول من جفنها الأدنى ،فنهض وقعد جانبها وأقر يده على كتفها ،فلم ترد بشيء. وهمس إليها قائلاً:"أريدك أم إلياس..لنفسي..خالصة لي من دون الرجال". لم تعطه إشارة بالإيجاب أو الرفض فتابع حديثه بنفس الصوت الهامس:"أراهن أنك تفكرين بابنك..هذه اللحظة..سأنقذه من سنوات السجن ،إن أكرمتني بسنوات الهيام". حركت رقبتها ونظرت ليده على كتفها ولم تجترئ أن ترفع عينها إلى وجهه القريب ،وأرادت الحديث ،لكن ذراعاً قوية جذبتها من يدها وصوت ثائر قال:"ابتعد عن أمي أيها السافل ،أخرج ولا تقربن هذا المكان ثانية". تحرك الضابط إلى الباب وما يفتأ يتابع عيونها الناظرة إليه ،قال بحزم:"استمعي إلي ،إن شئت فاتخذيني خليلاً وإن شئت لا تفعلي ،لن أعلق ابنك في عذاب لم تجنه يده ،إني لست واطياً حتى أفعل هذا". وقال قبل أن يغلق الباب:"سينجو ابنك لأنه قاصر ،وستنجو حينها روحك التي أحببت". نزل الدرجتين المنخفضتين عند الباب بتثاقل ،وكان يستخف بهما قبلاً ,وخطرت على قلبه صورة الصبي وهو يشد أمه من خصرها إلى جسده الذي يبلغ نصف قامتها ،وتعجب ما لوجهه من هيمنة ،إن له قلب أسد ،وعيني ثعلب ،وريش طير.
إن الشمس أشرقت على المدينة كالمعتاد ،وكان لها أناس منتظرون ومعادون كالمعتاد أيضاً ،فلم تكسف لحزن حزين ،ولم تزد من نورها لتوافي حفلة سعيد."إن الشمس كائن عادل". قال أحد الحراس لزميله وهو يتثاءب في كسل. أجابه الشيخ قائلاً:"وخالقها أعدل منها ،وهو من ألهمها ألا تبغي على أحد". التفت الحارس إلى الشيخ وتمنى أن يسمع المزيد لكنه استنكف وصد عنه. ولحق بهم موكب من الشرطة أُبلغ بوجود الشيخ في ساحة راحة المرضى ،فأوقفهم. حيا الرجال بعضهم بطريقتهم ،وأمر كبير فيهم أن يجهز الشيخ للذهاب إلى المحكمة. وتم لهم ما أرادوا وتحدث الشيخ جاهراً بصوته في المحكمة:"أقسم بربي الذي خلقني ،وإليه مردي أن العلم بين يدي وأن الحق ما تنظرون إليه أنه الباطل". وأذن القاضي للصبي الذي استأذنه الحديث فقال ساخراً:"وكيف تأخذون بكلام شيخي العاقل وأنتم صنفتموه ضمن من فقد لبه؟!". وارتبك القاضي في مقعده المشرف على المتهمَين ،وتنحنح فتحدث المدعي بنبرة وثوق:"إنا لن نأخذ ما يقوله في الحسبان ،فقط أحضرناه ليراه القاضي". ولم يقتنع إلياس بالتبرير الواهي ومط شفتيه في تكذيب. وأومأ القاضي للممرضة أن تدافع عن نفسها فتحدثت بصوت هادئ مستقر:"إن الدليل في أيديهم يا سيدي ،لقد كنت هناك لكني لم أقتل أحداً". وعاجلها القاضي بالسؤال فقال:"فمن قتل الرجلين؟ ولماذا لم تخبري الشرطة باسمه؟".قالت بكبرياء:
- لأني لا أريد.
- أليس الصبي بجانبك؟
فتدخل جالس في القاعة قائلاً:"أجزم أنه هو يا سيدي...".فقاطعه القاضي صائحاً:"ومن أذن لك أنت بالحديث؟ إني أسأل المتهمة".
- أعذرني ،لن أخبرك يا سيادة القاضي.
- وهنا توقف القاضي عن الكلام ،ومضت فترة قبل أن يتلو أحدهم حكم القاضي:
"تسجن المرأة حتى تعترف بالفاعل ،ويطلق صراح الصبي لحين إشعار آخر.
يتم فحص الرجل المسن في المستشفى ،ويحال إلى المحاكمة إن كان صحيح العقل ،أو يعاد إلى المصحة النفسية إن ثبت العكس.
يحدد تاريخ اليوم بعد سنة لجلسة آخيرة يحكم فيها بالإعدام على المرأة إن لم تعترف بقاتل الرجلين.
رفعت الجلسة."
لقد تم الأمر ،وتفرق الجمع ،وولوا الدبر ،وسمع بكاء نساء وأطفال كانت اعتنت بهم الممرضة ،وصد جنود القاعة هجوماً من بعض المرضى الذكور ،وتم توقيف بعضهم ،وخرج الصبي حراً يقبض على كف أمه ،ولم يبادل الممرضة بأية نظرة. وأقبل رجلان فأعدا الأغلال بين يديهما ،ولم تتراجع الممرضة إلى الوراء وشدت جسدها في اعتداد ،وصفق لها أتباعها من البعيد ،واستوقف المحقق الرجلين لحظة وسأل المرأة الممرضة:"هل تصافحيني؟". فمدت يدها إليه ،وقبض عليها بشدة ونظر إلى حدقتيها الصغيرتين فقال:"إنني صديق لك برغم كل ما حصل". أجابته وهي تبتسم :"إنك كذلك". ثم ألقى الرجال سلاسلهم في رسغيها الصغيرين وقادوها إلى خارج القاعة. قال المحقق لضابط مر إلى جواره:"إن الجوارب لتخفي كثيراً من ملامح القدمين ،ليت الصبي خلعها ذلك اليوم". سأله صديقه في حيرة:"أما زلت مصراً أن الصبي هو القاتل؟". "نعم ،إنه مجرم حمته جواربه!". قال الضابط بخيبة أمل.
لقد غادر المحقق إلى قضية أخرى لن يلقى فيها الصبي الخبيث ولا أمه الطيبة ولا الممرضة المشاكسة ،وسيترك ملف القضية معلقاً حتى تعترف الممرضة بعد أن تيأس من عذاب السجن. سار الرجال بها إلى المدير الذي رحب بها هاتفاً:"مازلت جميلة كما عهدتك" أجابته بمرح أكثر:"وأنت ظلت أسمراً على ما أرى". وثق المدير بعض الأوراق ،واستأذن رجل ضخم بالدخول. أذن له المدير ،وما كاد يبصر المرأة إلا وقال بظفر:"ألم تنسني ! لسوء الحظ سأصحبك إلى السجن". أجابته وهي توجه نظرات جريئة إلى وجهه العالي:"كلا لم أنسك ،أنت من علمتني أن الضباط رجال حقيرون!". وتبسم المدير من قولها ،وصر الضخم على أسنانه يريد أن يبرحها ضرباً ،ونصحها المدير قبل أن تغادر ،أن لا تتحمل العذاب في السجن وأن تعترف بالجاني ،فأجابته في صوت مهيب اقشعر له جلده:"سأتحمل العذاب ،حتى يشع الكون نوراً على يد غلام صغير". ثم ولت برفقة جلاديها الثلاثة.

إلى الفصل السادس بإذن الله












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

سأحلم بالرجوع معاً حماماً.....أمام الشمس في اليوم الجديدِ

عرض البوم صور حلم ينتظر   رد مع اقتباس
قديم 21-09-2011, 06:04 PM   المشاركة رقم: 13
المعلومات
الكاتب:
حلم ينتظر
اللقب:
نبع صافي

 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 رقم العضويـة : 6268
 مجموع المشاركات : 45
 بمعدل : 0.01 في اليوم
  العمر : 36
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حلم ينتظر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حلم ينتظر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

هل من أحد يتابع ؟؟

هل من أحد يتابع ؟؟

هل من أحد يتابع ؟؟












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

سأحلم بالرجوع معاً حماماً.....أمام الشمس في اليوم الجديدِ

عرض البوم صور حلم ينتظر   رد مع اقتباس
قديم 24-09-2011, 05:49 AM   المشاركة رقم: 14
المعلومات
الكاتب:
حلم ينتظر
اللقب:
نبع صافي

 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 رقم العضويـة : 6268
 مجموع المشاركات : 45
 بمعدل : 0.01 في اليوم
  العمر : 36
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حلم ينتظر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حلم ينتظر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

أجدد الترحيب بجميع المتابعين الأوفياء

وأقدم لكم الفصل السادس من رواية آدم

تمنياتي لكم بقراءة ممتعة

(

الفصل السادس)
إن المشاهد الطبيعية الرتيبة ،التي يراها المرء في كل ساعة في يومه ،تصبح محببة ومشوقة إلى نفس من أبلغ أن هذا آخر يوم سيراها فيه في حياته. يصاب بعض الناس بالعمى ،وينفذ على بعضهم حكم الموت ،وقسم آخر يوارون خلف حجب تفصل بينهم وبين ما يحبون. فأما من كف بصره ،فإنه يعيش في ظلام سرمدي في وضاءة من ذكريات. وأما من فقد روحه فهو في جدثه في حياة برزخ لا يمكن أن يصفها حي. أما القسم الذين قضوا عمراً في السجون فيصبحون ويضحون ويمسون بصور أعمدة صدئة ،وجدر بلون الزمان ،ووجوه عليها قترة ،ترهقها غبرة ،لا يملون الصراخ ،ولا يكلون من التعذيب. فأنى لمن عاش بين هذه الحجب البشرى بذكرى ماضٍ ،أو الحلم برؤية مستقبل!.
سلم الضابط الضخم مديرة السجن ،مفاتيح وثاق الممرضة ،وخاطبها قائلاً:"ننتظر الاعتراف بفارغ الصبر". أجابته وهي تأمر سجانة أن تفتشها في غرفة جانبية:"هل تعني أن نزيد من جلسات التعذيب؟". "ذلك ما عنيته". أجاب وهو ينظر في وثيقة تدخل كلماتها إلى شاشة عريضة ،امرأة على مكتب صغير. خرجت الممرضة ترتدي لباس السجن القاتم ،وخاطبت السجانة مديرتها فأبلغتها أن الأمر قد تم. تناولت المديرة سيجارة فأشعلتها وقدمت أخراً للضابط ورجليه ،ثم نفثت دخانها عالياً وقالت:"هل من شيء آخر؟". أجابها الضابط وهو يهز السيجار بين أصبعيه:"ألا يمنع التدخين في هذا المكان ،أيتها المديرة؟". قالت وهي تشير بيدها بغير اهتمام:"لا تكن متشدداً ،لا أحد يعلم..فضلاً عن أن السجينات يزعجن شعورنا فنضطر لمثل هذا". ابتسم المحقق بسخرية وقال:"إني أريد أن أدري كيف تجري اعترافات النساء للنساء تحت سياط العذاب!". ثم لوح لها بيده وغادر ورجاله تاركين خلفهم صوت خطواتهم الثقيلة. دب الذعر في قلب الممرضة مع آخر صدى لخطوات الرجال ،ونظرت إليها المديرة بكثير من الفضول ،قالت:"أعتقد أن الاعتراف سيكون جاهزاً بعد جلستين من الآن. يظهر لي أن هذا الوجه الرقيق لن يصبر على أكثر من هذا". ثم ساقتها سجانتها إلى زنزانة بعيدة في طرف منعزل. قالت لها وهي تدفعها من قفاها إلى الداخل:"توجد رفيقتين بانتظارك". ثم ابتسمت بسعادة شامتة وقالت:"سأسعد بمرافقتك صباح الغد". دخلت الممرضة إلى الزنزانة وسمعت الباب يوصد خلفها ،وفكرت للحظة في سجانة تستمتع بالتعذيب النفسي لسجيناتها ،ثم ألقت نظرة طويلة على ما حولها قبل أن تجلس في أقرب زاوية مظلمة. نظرت إليها رفيقتها السجينة نظرة فضول مفضوحة ،ثم قالت لها بلطف :"أنت نزيلة جديدة؟ أتمنى ألا تطول إقامتك هنا". أجابت الممرضة باقتضاب:"شكراً لك ،أتمنى أن تخرجي باكراً أيضاً". ردت بسرعة:"أيه..إني مقيمة هنا منذ أمد ،فالمحكمة تؤجل النظر في قضيتي كلما آن أوانها". نظرت الممرضة إلى امرأة نائمة بعمق في وسط الزنزانة ،ففهمت المرأة الأخرى مرادها فابتدرتها القول:
- هذه..إنها هناء ،واسمها كما ترين لا ينطبق على حياتها مطلقاً. إنها تنام في النهار وتستيقظ في الليل ،وهي نادراً ما تغادر فراشها.
- لأي شيء هي هنا؟
- إنها أم لثلاثة أطفال وقد قتلت أحدهم في الخريف الماضي. يقول الناس أنه مشاكس ،وأن تصرفاته أثارتها كثيراً. يقولون أنها تعتقد بوجود شر مستطير داخله وأنها لطالما رددت ذلك.
نظرت المرأتان إلى المرأة التي انقلبت إلى جانبها الآخر ثم تحدثت رفيقتها فقالت وهي تنظر لساقيها الممدودتين أمامها:"أما أنا فقد حبست بأمر من أبي".سألتها الممرضة بلهفة:
- ماذا تعنين بهذا؟
- إن..إن والدي هو نائب المدير هنا ،وقد انزعج من أسئلتي التي تهدد الأمن بحسب نظره. قال لي إن أفكاري غريبة وأني شخص خطير. وأنذرني أن السجن موعدي إن لم أتوقف عن هذا الطرح.
- كيف يفعل أب بابنته مثل هذا؟
- لا تستغربي يا صاحبة السجن ،فهناك آباء مخلصون لأبنائهم ،كما هنالك آخرون مخلصون لسادتهم. لقد ارتفع صوت جديد هذه الأيام وكل علية القوم في المدينة يعملون لإزهاقه.
- ما هو العلم الذي انتشر؟
- كتاب يقول أن لأبداننا خالق ،وأننا جميعاً صائرون إلى فناء ،وأنه لمبعوث من في القبور.
- وهل كنت لمثل هذا تسألين؟
- نعم يا صاحبة السجن ،لم أكن وحدي الحائرة ،لقد اتبع ملتي آخرون ،وقد اعتقل من اعتقل ،وسرح من سرح. لتجدين الذي يجوبون المدينة بسياراتهم الفارهة كل ليلة ،في فراغ يملؤه جهل ،وفي غنى يفتقر لعلم. إن أبي يعتقد أن حياة السجن ستصد فؤادي عنه ،إنه لا يدري أن قلبي يزداد تعلقاً به ،وأنه إن كان صنع شيئاً فهو منحني هذا الوقت الطويل للتأمل الهادئ ،والتفكير المتزن. يا صاحبة السجن هل تعرفين الذات التي أعني؟ إنها ليست بشراً أو حيواناً ،قد تدهشين إذا قلت لك أني لا أعرفها ،وأجد أنها أكبر مني بكثير.
تأملت الممرضة في وجه الفتاة وقالت لها:
- مازلت في عمر الزهرة ،هل أنت في السادسة أو السابعة عشرة من عمرك؟
- إن لي سبعة عشر ربيعاً ،عجباً كيف علمت ،أما تلحظين آثار الخريف على وجهي؟
- إن لك وجها ينضح بالصبا البشوش ،إن الذي تعتقدين بوجوده ،إني رافقتك لأني آمنت به.
تحركت الفتاة على ركبتيها نحو الممرضة وأمسكت برأسها بين راحتيها ،وقالت بحماسة:
- هل لديك بعض العلم ؟ يا صاحبة السجن ،بشريني!.
أنزلت الممرضة يدي الفتاة ،ورفعت ساعديها إلى رأسها ،وراحت تحل بعض العقد في شعرها ،وسقطت ورقة مصفرة مطوية ،التقطتها الفتاة وراحت تبسطها على الأرض باهتمام ،وسقطت ورقة أخرى ،تلتها أخرى ،ثم ركعت الاثنتان على الأوراق المفروشة على الأرض ،وأخذتا تلاحقان الكلمات المتلاصقة فوق سطوحها. تحدثت الفتاة بعد ساعة من التحديق فقالت بتأثر:"إنه هو ،من قال هذا الكلام ،إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة ،وإن خبره لا يجدر بإنسان أن يعلمه ،ولا لشاعر إن يكتبه ،لأنه من عنده وحده ،إنه هو". ثم ارتعدت فرائصها وتحول لونها إلى الأزرق ،وطبطبت على ظهرها ،الممرضة وقرأت ملحنة بصوتها الرقيق:
"تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً ،الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً ،واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يُخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً ،وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم ءاخرون فقد جاءوا ظلماً وزوراً ،وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً ،قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفوراً رحيماً".
ولجّت الفتاة في جزع وصياح ،وأخذت تضرب برأسها الأرض من الانفعال. في هذه اللحظة كانت نفسها تصرخ وعقلها ينبهر وروحها تنتحب. لقد استولى عليها ذهول عنيف وأسكرتها كلمات سطرت على ورق بال مصفر ،بمداد قد تغير لونه ،ولكن الذات الكبرى لا مبدل لكلماتها ولا محول ولا مغير. ولقد اعترتها برهة من سكون ،وكانت ساجدة بين يديها الصحف ،ورفعت رأسها فقالت باطمئنان:"إني أجد روحي هدأت ،يا صاحبة السجن ،عندما يلامس جبيني الأرض". ثم طوت الصحف باهتمام وقالت:"يا أيتها البشيرة ،أتوسل إليك أرشديني لمن وهبك هذه الألواح". أجابت الممرضة وهي تعيدها إلى رأسها:"لا تتوسلي إلي ،أيتها الروح السامية ،لقد أخبرني البشير الذي منحنيها لا أتذلل إلا لذات من أنزلها. يا وزيرتي في أمري إنه مستور في غياهب الظنون ،وورثت منه بعضاً من علمه. إن الأحرار سيحرررونا وسيقيمون دين الذات التي أنت بها مؤمنة". واتصلت أبصارهما تتعلق بحديث ،واجتمعت أكفهما تؤكد ميثاق الوزارة ، سيبصرون العذاب الأليم ،قطعاً سيلحقهم الأذى ،عندئذ ستؤنس أرواحهم بعضها ،أرواح مؤمنة برب وحيد.
و أصغيتا لصوت امرأة تدفع عربة في الممر ،وصرحت الفتاة وهي تقفز من فراشها:"هذه المأمورة ،أتت تلقمنا عشاءنا" "إني أترقبها من أول النهار. إن الحبس يكون مملاً حين لا تجدين أحداً لمحادثته". ودخلت المأمورة تتبعها سجانة حاولت الممرضة أن تبصر ملامحها في ضوء الممر الضعيف ،مالت الفتاة إلى أذن رفيقتها وقالت :" لا تغرنك بسطة جسمها ،إنها سجانة جيدة ،هي لا تسمعنا كلاماً جارحاً". وصفق بالباب بقوة بعد مغادرة الزوار ،أمام ناظري الفتاتين ،فاستدركت الفتاة وقالت بسرعة:"إلا أنها لا تحسن التعامل مع الأبواب". وابتسمت كل منهما في وجه الأخرى ،ومضغتا طعامهما بهدوء. نظرت الممرضة بتساؤل إلى المرأة النائمة ثم إلى وجه الفتاة تترقب جواباً. وفاجأها الوجه الغائب المتأمل الذي يسقي ذقنه وحضنه ،شرابه الذي يحتسيه!.
"إن طعام السجون لا يشبع أحداً ،ولا يظمأ إلى شراب السجن أحد. وليس يجد المستريح في أريكته كسلاً يؤخر فجره إلى ضحاه ،أو سمراً يؤجل رقاده إلى صباح. بين القضبان تنصت النفوس إلى وعظ العقول ،ومن قبل كانت تنفر من سماعه. وبين السياط الحامية يولد العزيز ،مارداً غاضباً ثائراً واثقاً يركض خلف الذليل الضعيف".
تلك قصيدة صادقة شاكية ،فاضت بها قريحة الممرضة السجينة ،ولم تك يوماً شاعرة!. كان النعاس قاب قوسين أو أدنى منها حين لمحت رفيقة السجن ،التي جعلت نهارها لباساً ،محتبية في فراشها تَلقم وجبتها في إناء عميق. كانت تلتمع على الأرض الرمادية ذؤابتين شقراوين من شعرها الطويل الأجعد ،وبدت هيئتها كأميرة كاسفة في عين الممرضة الصغيرة. كانت الفتاة تشخر بصوت أزعج سكون الأم السجينة ،فعلت وجهها الجميل سحنة عبوس ،كانت شديدة الوطء على نفس الممرضة التي لا تحب الجمال الغاضب أو المتألم. وبزغ في ذهنها الغلام الجميل وذكرت..ما عزاها بكلمه ،وأمه من خلفه تجره إلى خارج قاعة المحكمة. والشيخ الجليل قد أخرج قبل أن يتلى حكم القاضي فيها وفيه. تململت الممرضة في مرقدها تريد انتباه الأم لها ،لكن نظرة الأم لم تنحرف عن الجدار المتصدع أمامها ،فأمسكت الممرضة بخصلة من شعرها وجذبتها بلطف ،وألقت إليها الأم نظرة واحدة ثم آبت لجدارها.
في منتصف الليل ،لقد عبر ضوء القمر أرضية الزنزانة فتبدت وجوه النائمات واضحة لمن يرى ،وداعب نسيم لطيف قادم من فتحة صغيرة مطلة على الفضاء ، وجناتهن وأهدابهن ،وحركت رياح أقوى أغطيتهن الخفيفة ،وامتزجت بانسجام مع أجسادهن الدافئة. وتكشّف خسف في زاوية المكان كان لاحقه بصيص النور الخفيف ،ثم استتر متظللاً على استحياء بحجب السواد الداكنة. وتأست به بعض معالم الزنزانة فاختبأت في الظلام حتى جلاها سراج وهاج ،اتحد مع نوره نور ثلاث جباه مشرقة ،لا تميل لغروب ولا يراودها كسوف. لقد رحل ضيف الليل المنتظَر ،وودعت جفونهم التي يقطر منها الماء هذا الضيف العزيز على أمل تجديد الزيارة في حال أفضل ،واستعدت أفواههم لطحن طعام قاس ليس ذي لذة ولا نكهة ،وزيد إلى رصيد الحزن والأمل حزن متأمل له رقم بعيد.
إن السجانة صدّقت ما وعدت به الممرضة ،وسمعت النساء وقع حذائها الجلدي الثقيل قادماً نحوهم.قالت
الصبية للممرضة:"أيتها البشيرة ،لقد حانت ساعة العذاب ،فثقي به وتصبري واذكري دعمي". أجابت الممرضة شاكرة:"إني تاركة ما ورثت بين يديك ،فإني أخاف أن يظهروا عليها فيحرقوها ،ويسومونني سوء العذاب". ونظرت الممرضة نظرة ذات معنى إلى الأم السجينة التي تتقلب في فراشها ،وقالت:"إني أجد لديها مخبئاً مدهشاً لن تطوله أيديهم". ثم استأذناها فأخفيتا الورق في خصلتين كبيرتين من شعرها الطويل. وكن يشكرن لها سعيها حين وصلت السجانة لاصطحاب الممرضة. تبعتها الممرضة باستسلام وراحت تفحص بعينها ملامح المكان الذي تمر فيه. وسلمت السجانة الممرضة إلى مسؤولة أرفع ،وقالت بسخرية قبل أن تذهب وتذر آثاراً لحذائها المتسخ:"لا تبحثي كثيراً أيتها الممرضة ،فجميع المخارج هنا مؤمنة بتيار كهربي صاعق". حضر طبيب وفحص الممرضة ،وقال وهو يحك أنفه بكسل:"لياقتها عالية ،بإمكانها احتمال الصعق لعشر دقائق متوالية..على الدرجة الثالثة". ثم قام بتثاقل يحضر كوباً من الشاي. رحلت المسؤولة بمعية الممرضة فأدخلتها حجرة لها سقف بعيد لا يكاد يصله الناظر بعينيه بسهوله ،ثم أقعدتها في كرسي ضيق وحزمت عليها الأربطة المثبتة ،وسألتها بصوت يخلو من التعبير:"ربما تودين الاعتراف قبل تجريب الشوط الأول من الألم". "لا أريد" أجابتها الممرضة بعناد سيطر على صوتها الرقيق. استدارت السجانة تريد تشغيل الآلة ،وسرت موجات متدرجة في الأسلاك حول الممرضة ،وأغمضت عينها من الوجع ،وتحركت سبابة المعذِبة بسلاسة إلى زر آخر ،وزاد ورود الذبذبات حول جسد الممرضة ،وتشنجت أطرافها فلم تقو على الصياح ،وازرقت شفاهها ،ثم أطاح الألم ببقايا الوعي في ذهنها. وصفعتها سجانتها فرجعت إلى الدنيا. سألتها ببرود وهي تحضر أصابعها لنوبة ثانية:"من قتل الرجال؟ هيا تحدثي". ولم ترد السجينة بكلمة هذه المرة ،فأصابتها نوبة ثانية ،تواترت بعدها أخريات. ثم سحبت سجانتها جسدها الواهن فألقته على منصة إسمنتية منخفضة وقالت وهي تقبض بكفها البارد على ذقن المعذَبة:"سيكون هذا ضريحك إن لم تعجلي بالاعتراف ،في المرة القادمة". وفتح الباب الحديدي بعنف وتقدمت السجانة إلى الممرضة الراقدة على الضريح ،فانتزعتها من ذراعها وقالت تفسر الأمر لرئيستها وهي تهرول خارجة:"لقد طلبتها المديرة". ولم يسع الممرضة أن تسير على ساقيها الخائرتين كل هذه المسافة فتوقفت عن السير ،نهرتها سجانتها وسحبتها على بطنها الذي انحسر عنه الرداء إلى غرفة المديرة. كانت المديرة تصرخ على الفتاة الصغيرة والسجينة الأم وهي تقبض على الكتاب في يدها المكتنزة الكبيرة. لما أن لاحظت وجود الممرضة ابتسمت بعصبية وقالت بغضب:"جلبت هذا الشيء معك هنا أيضاً أنت جريئة جداً". ثم نظرت إلى السجانة التي لم تزل تمسك قيد الممرضة:"لولا أن تداركنا فطنة الفطينة ،للبث في شعرها بضع سنين" ثم حطت قدمها بالتتابع على رؤوسهن إذ كن جاثيات ،وداست بكعب حذائها فوق كف الممرضة على الأرض ،وقالت وهي تطبق فكيها في شراسة:"قد جاوزت التفتيش بيسر ،وأضمن لك أن لا تجاوزي العذاب أبداً". وعلت ذراعها بأ لكتاب فألقته بين قدميها ،ثم ألقت سيجارتها فوقه حتى انتشر دخان الورق الممزوج بفوح الحبر الخفيف ،وسحقت الرماد بقدمها تعلو وجهها نشوة النصر. لم تحتمل الممرضة ورفيقتها إهانة الكتاب المقدس ،فهبتا من مقعديهما قائمتين ،ونطحتا المديرة برأسيهما فخرت على الأرض وأحسوا لوقعتها زلزلة في أرض الحجرة. وفقدت الفتاتان توازنهما فانبطحتا على متن الأغلال في أيديهما ،وتدخلت السجانة فضربت الممرضة بكعب مسدسها الذي تحب رفقته ،وخرت الممرضة على الأرض تحيطها بقعة من دم أحمر. تقدمت رفيقتها الصغيرة ملبية نداء وثيقة الوزارة ،والصداقة ،والتواصي بالحق ،وهمت السجانة الغليظة أن تجلدها بسياطها النفاض ،وأوقفتها المديرة متعللة بأن السجينة ابنة النائب ،ثم أمرتها أن تأخذ الممرضة إلى زنزانة فارغة وتأتي في الحال. وتحركت السجانة طوعاً لأمر مديرتها ،ولكن الأم السجينة هجمت عليها بيديها العاريتين ثم استولت على سياطها فجلدت به كل شيء أمامها ،فحطمت قوائم الكراسي فضلاً عن العظام وبعثرت ما على المكتب من مستندات ووثائق ،وكسرت زجاج النوافذ وألقت بمنفضة السجائر على الحائط فانتشرت قطع الزجاج في كل جزء في الغرفة. صرخت المديرة بأعلى صوتها وكان فوج من العاملات اجتمع حول غرفتها:"لقد أصابتها نوبة الصرع ،اجلبوا الطبيب بسرعة". وجاء الطبيب ولم يسعه ضبط الموقف ،فاستعانوا بنفر من السجانين الرجال ،وأسروها فثبتوها إلى الأريكة ،وحقنها الطبيب بمهدئ دسه في ذراعها ،وسرى الخدر في أطرافها ،وأصبح بإمكان الرجال أن يسحبوا أيديهم فيفكوا أسرها. حدث كل ما حدث والممرضة وجلادتها لم ترحلا ،والفتاة الصغيرة إلى جانب المديرة والحاشية يشهدون ثورة الأم السجينة. وتيقظت من سنتها ولم تستطع تحريك إصبعها ،فاعترفت بهدوء وهي تنظر ببلادة إلى وجه الطبيب :"لقد قتلته من دون إذن قلبي ،إنه طفل شرير. كيف فعلت ذلك؟ كيف قتلته؟ إني لا أذكر وجهه حين طعنته بسكين المطبخ ،آه..آه ماذا أفعل ماذا فعلت..". وسيطر عليها حزن عميق وتحدثت بصوتها المبحوح:"و أسفاه عليك يا بني ،و أسفاه". وصارت إلى نوبة نواح ،وحقنها الطبيب بأخرى قوية الأثر ،واعتدل قائماً ثم قال:"سنريحها في عنايتنا هذا اليوم". ثم عاد الرجال من حيث أتوا،وقامت امرأتان بتنظيف الفوضى العارمة ،وتبادلت الممرضة والفتاة نظرة طويلة ابتسمت خلالها الممرضة وقد احمر وجهها وتلونت أسنانها من الدم. ثم مضت كل منهما إلى سبيل كئيب مع سجانة لا ترحم.
رقدت الممرضة على الأرض وضغطت على جرحها بخرقة قطعتها من ثوب السجن القاتم. و أجاءها النوم فلم تمانع ،وقضت غفوات كثيرة فاتتها بالأمس. وأتتها عاسة الليل تنبأها بوجود زائر ،ودخل الزائر فعرفته على الفور ،قال لها حين ألفاها راقدة على الأرض القاسية بادية الضعف:"أيتها الممرضة ،لا تصبري كثيراً ،لا تصبري كثيراً". ثم جثا على ركبتيه وشاء أن يقعدها فقالت بصوت يكاد لا يظهر:"أنا ماضية في التجلد أيها المحقق ،قد أتيت إلي تسألني عن الصحف ،فإني لن أجيبك بحرف ". وتقرب ببصره إلى وجهها المعاند ،وقال هامساً:"إني دعيت محققاً في ما حصل ،غير أني لن أسألك شيئاً. أحذري أيتها الممرضة فسياط الغد لا ريب تزيد عن سياط اليوم ،أخبرينا بالقاتل ،لقد شج راسك اليوم ولا ندرين غداً ماسيحدث ،هل تجدين هماً غير حفظك لحياة جسدك؟.." قاطعته بسرعة:"أجد غيرها ،بل إني لا أجد نفسي مهمة بدونه ،بدون نور ربي ،إني لا أعبأ بعذابكم ،إني لا يضعفني إرهابكم ،إني لن يبدل جَلدي إكراهكم. سأصبر من أجل الذات التي أنتم بها كافرون". وانتصب المحقق على قدميه وربت على رأسها مواسيا ،ثم خرج.
إن الممرضة في حزن عظيم ،أخذ بكل عزمها فأصابتها ساعة من بكاء. لقد ورطت نفساً بريئة ،أم كسيرة الفؤاد ستعذب بسببها. وصديقة ءازرتها في أمرها ستجلد حتى تتراجع أو..تموت. وذكرت كلام صديقتها أنها لم تقاس كثيراً من العذاب ،وذكرت أن الأم لم تتلق غير جلسة واحدة. والآن مس المديرة غضب غاشم ،فإن لم يتدخل والد الفتاة الذي يعمل نائباً وينهي الأمر ،فستنقلب الفتاة إلى ألم شديد لا تعلمه. والأم المريضة ليست بمفازة من العذاب ،سيصلها الشواظ تلو الشواظ ،وستجني عقاب ذنب لم تقربه. وهداها فكرها أن تحتمل عذاب الاثنتين ،وهي على معرفة بحكمهم ،أنهم لن يقبلون. ونزلت دموعها تسيل دماً متجلطاً على وجنتيها ،وتفطر قلبها ،وتوقفت العبرات في حلقها ،فلم تقدر أن تصدر صياحاً يخرج بغيض من فيض الوجع في صدرها ،فهو كظيم. فنادته بمقلتين تشعان من الدمع في زنزانة لا يدخل جوفها النور ،وختم على لسانها وحدثه جلد ويدين وقدمين بما كان يُصنع بها ،وأمّن هتون الدمع على الشكوى الصادقة ،ونطق لسانها من بعد ذلك فقالت بصوت يسلبه الكمد قوته:"يا من أنا مؤمنة به ،أنجدني. وهب لي من لدنك قوة ،وهب لي من لدنك هداية. يا سيدي قد جار الحظ على امرأتين بائستين ،يا سيدي فضع عنهما العذاب. يا سيدي واحمله إلى الوزر الذي أحمله." ثم ذكرت قد أراح الصبية سجود ،فاعتمدت على راحتيها ولكن لم تسطع على رفع جسدها ،وسجدت بعد أن وقعت على الأرض مرتين. وأطلت حارسة الليل على إثر تكرر السقطة ،فما وجدت غير جسم ضئيل يلقي رأسه إلى الأرض ،في ظلام الزنزانة الدامس. ،ورحلت من المكان.
ناجته مرة أخرى ،فقالت:"يا ربي أنجد امرأة بذلت شعرها لحفظ كتابك ،يا ربي واجعل بركة كلماتك تهدي عقلها وتضع إزرها وتشارك". واستقرت أمام عينها صورة صديقتها الوزيرة ،وأحست بروحها تطير لترتبط بروح الوفية ،وتنعقد. وقد صدقت الرؤيا إذ التقت الروحين المؤمنتين في سقف بناء الحبس ،وتظللت وضلت أسفله الأرواح الكافرة.
إلى الفصل السابع بإذن الله












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

سأحلم بالرجوع معاً حماماً.....أمام الشمس في اليوم الجديدِ

عرض البوم صور حلم ينتظر   رد مع اقتباس
قديم 30-09-2011, 01:17 AM   المشاركة رقم: 15
المعلومات
الكاتب:
حلم ينتظر
اللقب:
نبع صافي

 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 رقم العضويـة : 6268
 مجموع المشاركات : 45
 بمعدل : 0.01 في اليوم
  العمر : 36
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حلم ينتظر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حلم ينتظر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

مرحباً بكم

(الفصل السابع)
"في كل إنسان ،يوجد قلب ضعيف ،مقسم إلى غرفتين كبيرتين ،تظهر إحداهما بلون الصباح ،وتستتر الأخرى بلون الليل. ويتبع كبرهما وصغرهما فصول عقل الآدمي الذي يحمل هذا القلب ،كما يتبع طول الليل فصل الشتاء ،وطول النهار فصل الصيف ،وبينهما وقت قصير ،في كل يوم ،يلج خلاله الليل في النهار ،والنهار في الليل. والليل في قلب المرء لا يقوى على صده إلا برزخ يفرُق بين الاثنين ،يسمى بالفرقان".
ليس قلب الشيخ بدعاً من القلوب ،فإن فيه ظلام يعتقد جلاءه بالنور الذي في النهار المجاور. وقد أحيي ليل قلبه ويكاد لا يعتم أبداً. كان يجلس بصحبة حارسه هادي يتحرون إذناً بالدخول على الطبيب ،وستعتمد نتيجة هذا الفحص الأخير ،التي ستجعله إما عاقلاً حكيماً ،وإما رجلاً أخرقأ لا يفقه شيئاً. وأبصرت عيناه بعض صور من بياض ،مشوب بصوت يأمر وينهى لعمال المستشفى. فتهلل وجهه ،وتبسم عن لثة لا تحمل الأسنان ،وقال وهو يعقد كفيه بشدة:"اصبري ،الحق ظاهر بنوره ،ظاهر ،أيتها النفس الزكية ،اطمئني لتكوني نفساً مطمئنة ،وترجعي إلى ربك راضية مرضية ،فتدخلين في عباده وتدخلين في جنته" نظر إليه حارسه نظرة حيرة وإشفاق ،وساعدته ممرضة ليجلس في كرسي متحرك ،فقال مستبشراً:"الله ،الله كم تتحرك يراع كاتب الحسنات! وكم تكف عن السير يد ملك السيئات! وأنت راكعة تحت سوط العذاب." واقشعر جلد المرأة وهي تسمع كلمات الرجل المسن ،ودفعته إلى مكتب الطبيب ثم ولت هاربة. خرجت فثقفت الرجل الحارس واقفاً ينتظر. سألها وهو يطيل النظر إلى وجهها الجزع:"هل كان يعنيك؟" ثم استطرد بسرعة:"أوه انتظري إنه خرف" لم ترد عليه فسألها بسرعة وقد جاوزته بخطوتين:"هل تعرفين المرأة التي كانت ترعاه؟ يقولون أنها امرأة شقية" أجابته بلهجة نافرة:"قد كانت في قسم آخر..ونأيت عنه بسبب القضية" قال متحفزاً لحديث:
- هل كنت صديقة لها؟ هل تعرفين عنها شيئاً؟
استدارت إليه حتى واجهته تماماً ،وقالت:
- تلك المرأة كانت متلهفة لكل غريب..هي تفكر كثيراً..وتدخل عقلها في متاهات الأوهام. وقد أوذيتُ كثيراً لأني أحد من حدثها ،يوم الجريمة.
- هكذا إذن. أصدقيني القول ،هل أنت مهتمة بتحريرها؟ هل ترقبين عودتها؟
هربت حدقتها إلى غرفة مجاورة حيث طفل صغير ،وأم رقيقة. تمثل الحارس أمام نظرتها وحاصرها فتحدثت بنفاق مكشوف:"أريد خروجها ،هذا مؤكد". لم يصدق قولها وأعرض عنها إلى زاوية قريبة. تقدمت الأم وصغيرها إلى حيث الممرضة ،وسألتها الأم ببعض الإحراج الظاهر في وجهها:
- من فضلك ،هل تعرفين شيخاً مريضاً يتبعه بعض الحراس؟
- إنه مع الطبيب ،ولا يسمح لأحد برؤيته. إنه التحليل النفسي ولا ينبغي حتى لي أنا بمقاطعته.
قالت ذلك ولم تنظر إلى الصبي أبداً ،ولم تحيه رغم أنها تعرفه. تحدث الصبي فجأة فأكرهها هذا إلى النظر ناحيته ،قال وهو يبتسم:
- أنت الأخت التي أعلمت الأخت الأخرى بقدومي ذلك المساء ،شكراً لك.
- لا عليك. قالت وهي تتظاهر بمتابعة حدث مهم.
جلس الصبي وأمه أمام العيادة مباشرة ،ولم يكن الحارس متوفراً وقتها ،وتابعت عيون الصبي المخيفة كل شيء تفعله أو تقوله. وانتبهت بعد مدة إلى الحارس الذي استند خلف أحد الأعمدة ،فتضايقت من فكرة غياب الحارس المجنونة ،التي أبزغها في لبها طفل صغير. وتولت ساعة تلتها أخرى ،وأخرى ،خرج بعدها الشيخ بشوش الوجه كعادته ،وقد خدعت ابتسامته الجميع غير طفل وحيد. تقدم الحارس من الشيخ تبعه رجال يلبسون ما يلبس ،لا يدري أحد من أين يظهرون. وتقدم الصبي أيضاً ،ومنعه ضابط بذراعه ،فقال الصبي وهو يرسم تعبيراً متوسلاً على محياه:"إني أريد تحيته ،وأمي ،سنتحدث أمامكم" أجابه بعنف:"إنكم تستخدمون رموزاً وكلمات ولا نعلم أي رسالة تحمل له ،ثم من أنبأكم أنه هنا؟" تحدث الشيخ فقال بهدوء:"ربما كان رجلاً من قومك ،إن فيكم قلوباً تشتاق إلى الهدي الذي بين يدي ،إني أكاد أراها قلوب يريد الصبح أن يجليها ،ولهون لبعض الخير" ألقي في الرجال الستة فزع من أثر كلمات الشيخ ،الذي خاطب الصبي وأمه مبتسماً: "صبراً ،صبراً ،آل إلياس فإن موعدكم الجنة" وأخذه الرجال إلى الخارج ولحق بهم الصبي وألقى نظرات وداعية لوجه الشيخ ،قال لأمه بعد مدة:
- أمي لا ريب أنهم سيرمون به خلف الجدار مرة أخرى.
- ألن تستسلم يا بني؟ إن المحقق يعلم عنا وقد يأتون إلينا مرة أخرى.
- لقد أنبأك بملء إرادته ،وهو اقترح عليك أن تلاقي الشيخ في العيادة هنا. لا تقلقي يا أماه ،لا تقلقي ،فإني هنا لحمايتك. ثم قبض على أصابعها بقوة ،ونزل وإياها درجات السلم القصير في هدوء وروية.
قال أحد الحراس لرفيقه هادي:"ألا يمكن لهذه الأفواه أن تخرس. لا أعتقد المدير مستأمناً ببقائهم على قيد الحياة. حتى لو حجر على الشيخ ،فإن عشرات العقول تحمل علمه. إني أتعجب من إطلاق سراحهم" أجابه رفيقه وهو يرقب الحراس يعيدون الشيخ إلى عنبره:"إن العقول تطير بالأفكار ولا يستطيع أحد منعها ،إلا..إلا إذا أمر سيد المدينة الجليل بقطف هذه الرؤوس اليانعة. ولكن ،أخبرني هل تجد في ما يقوله الشيخ شيئاً؟ هل تعتقد أنه على حق؟" أجاب الحارس متعجلاً:"إن هي إلا أساطير الأولين اكتتبها ،فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً ،وما أرى في علم الشيخ هدياً لأتبعه" أجابه هادي وهو يلقي نظرة أخيرة على الشيخ :"فإنك ترى هذا ،أعتقد أنك على حق". ولحق بالشيخ قبل أن يوصد الباب ،فدخل وأوصده. قال الشيخ وهو يبسط سجادته إلى ناصيته المباركة:"إن القلب يقر ويقوى به. بالفرقان بين الحق والباطل. بالنذير عن يوم التلاق. وإن القلب صائر إلى الظلام بغير كتاب يتبعه " لم يخرج الحارس هادي طوال عبادة الشيخ وراح يصغي إلى تلاوته متأملاً في معانيها ،متفكراً في حكمها وقصصها ،وأمثالها وأوصافها ،وأحس في جنانه استقراراً وطمأنينة فلم يبرح مقعده تلك الليلة. وناداه الشيخ فلبى النداء وجلس جانبه. وضع الشيخ راحة يده على صدر الحارس وتمتم بكلمات قائلاً:"اللهم حبب إليه الخير والطاعة والإيمان ،وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان" "اللهم اشرح صدره لتقبل هديك. اللهم واجعل نورك يجلو ظلام قلبه". ثم قال وهو يربت على كتفه:"اخضع لربك يا بني ،الذي خلقك وخلق والدك وأمك ،ولم يتخذ زوجة لنفسه ولم يلد ولداً" "إني أتوسم في اسمك هادي خيراً ،وفتحاً قريباً" كان الجسد الشاب المستسلم لأفعال الشيخ ،وأقواله يظهر واهناً ومهموماً. وبدا أن وجه الشيخ هو الذي ينضح بالحيوية والعنفوان. تحدث الشاب المهموم فقال :"أيها الشيخ ،إني أستمع إليك إذ تتعبد ،وإني يريح قلبي صوتك وكلامك ،وإني أجد في ذلك بلاغاً صادقاً غير كاذب. أيها الشيخ أريد اتباع ملتك ،فهل أنت مرشدني؟" أجابه الشيخ قائلاً:"إنك تقر بوجود من خلقك وخلق كل ما ترى ،أنت مؤمن به. فما عليك سوى أن تشهد أن لا إله إلا الله ،وأن محمداً رسول الله".سأل الحارس باهتمام:
- ومن هو محمد؟ إنني أسمع إشارات كثيرة إليه في تلاواتك.
- إنه رسول الله إلى العالمين ،إلى كل إنسي وجني. بعثه الله هادياً إليه ،بشيراً ونذيراً وختم ربي كتبه بالكتاب الذي تسمعه ،بالفرقان ،بالقرآن ،الذي أوحي إلى محمد عليه الصلاة والسلام.
- أيها الشيخ أيصح لي أن أتبع سنتك ولما يثبت الإيمان في قلبي؟
- إنها سنة الحبيب ،سنة محمد وليست سنتي. عندما تسلم أمرك لربك أيها الطيب ،تجد سكينته وتثبيته يتغلغلان فيه دون أن تشعر. ولكني أنذرك أن تخبر القوم بأمرك ،وأحضك أن تجعله سراً حتى يأذن الله بنصر قريب.
- فإني مسلم له. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.
ثم بكى وعانق الشيخ ،ولبثا كذلك حتى ابتعد الحارس عن جسد الشيخ إذ أحس ضعفه ،وخاف أن يؤذيه. قال له الشيخ:
- يا بني لقد ولدت من جديد ،كل الذنوب فعلتها مغفور لك كبيرها وصغيرها. اذهب فطهر بدنك بالماء ،فلا يصح وجود روح طاهرة في بدن نجس.
وذهب الشاب فاغتسل ،وأتى الشيخ فبشره أنه يجد فوح المسك في قربه ،رغم أنه ضعيف الأنف. قال له:
- إن روحك بعثت رَوحاً ورياحاً طيبة. أسأل الله أن يديمها على دوام حياتك.
- أيها الشيخ الكريم ،أعذرني إذ أغلق خلفي الباب ،سأفتحه أيها الشيخ ،وستبرز منه يوماً ما. أعدك بهذا. إنني جندي صغير ،وربما لا أملك في يدي ما يساعدك ،لكنني..أحمل الآن قلباً غير قلبي ،قلب يضيء باسمه الكبير ،قلب يضخ القوة في الأعضاء التي تتصل معه.
ثم قبل الشيخ في جبينه بإجلال ،ونهض مستأذناً الشيخ ،متشوقاً للعودة إليه مرة ثانية. وقابله زميله المناوب في الخارج فسأل باستغراب عن سبب لزومه غرفة الشيخ ،فابتسم هادي إليه وولى إلى الخارج.
لقد أحضر الشيخ بمعيته في الغد ،إذ قرروا له جلسات فحص متكررة ،وتكررت مجالس المشاورة بين الأطباء النفسيين من تعاملوا معه من قبل ،وبدا أن الموضوع لن ينتهي ،ولم يرقب أياً من الناس أن يخرج الشيخ من المصحة مسجل على جبينه عاقل ،فالجميع عرف أن هذه الجلسات تحقيقا لتوجيه سلطات القضاء ،التي أمرت بإقامتها. ختم رئيس مجلس الشورى الطبية كلامه فقال:"يظهر لي أن النتيجة واضحة ،إنها كسابقتها ،غير أني سأرجأ رفع القرار النهائي إلى وقت لاحق" وتفرق مجلس الأطباء ،وغاظ الحارس هادي من القرار ،وأرسل الشيخ نظرة قريرة. لقد ارتفع صوت الشيخ في المدينة كلها ،دون أن يقصد ذلك ،ودون أن يكون له معاون بث أمره. وأصبح يدعى باسم المعمر في أحاديث من كان عرفه كأهل حيه ،ومن لم يعرف ،ونشر الناس خبره وآراءه وتدبروا فيها ،وتفكروا وكانت قضية كل مجلس. وأضحى له معارضون ومفكرون ،وأناس أسلموا ولما يتمكن الإيمان في قلوبهم. وأناس آخرون يجدون متعة في تتبع خبر قضيته. وكانت الوجوه تتجه قِبَل السماء علها تنظر لرب الشيخ ،وكانت وجوه أخرى تضحك وتستهزئ بهم. قال حارس لصاحبه هادي حينما كانوا يعيدون الشيخ إلى حجرته:"يا هادي ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب ،أسباب السماوات فأطلع إلى إله الشيخ ،وإني لأظنه كاذباً." ثم قهقه وتولى إلى سيارته ،وألقى تحية بيده إلى رفاقه.
يعتقد الحارس هادي أن مفاتيح الشيخ وأسراره ،محبوسة مع قلب المرأة التي اعتنت به أيام مرضه ،وشد عقدة ظنه ،وقرر موافاتها في زنزانتها وهو لا يدري سيستطيع الدخول عليها ،أم سيمنع. وقدم طلباً بالأمر وفوجئ برد صريح يرحب به لزيارة السجينة. فذهب إلى مبنى السجن الكائن في طرف المدينة ،وألقى نظرة طويلة على المكان. كان محاطاً بأسوار عالية في ظاهرها وباطنها أسلاك معقدة صاعقة ،وللحصن بوابتان لا تفتحان إلا بإذن من لوحة مفاتيح إلكترونية ،يتناوب على حراستها بعض الرجال. تقدم من أحدهم فعرض هويته وختم المدير الصريح ،فدخل. قادته إحدى السجانات إلى جوف المبنى وجال وإياها حول عدد من الزنزانات قبل أن يصلا إلى زنزانة الممرضة. تخيرت من بين المفاتح في يديها ،ثم ذكرت بسرعة فأدخلت يدها في جيبها وأظهرت مفتاحاً وحيداً ،وفتحت له الباب. قالت له باحترام غير عادي:"أرجو أن تنتبه للوقت يا سيدي" ثم أغلقت الباب وتركته في حيرة شديدة. تبادل والسجينة بعض نظرات التعارف ثم تحدث أولاً فقال لها بينما حاولت هي القعود:"أنا..أنا حارس سيدي ،أعني الشيخ الجليل" لم يتغير في وجهها شيء يدل أنها فهمت بعض كلامه ،وأحس في نفسه شفقة عليها إذ بدت لتوها خارجة من تعذيب. فاقترب منها وأعاد جملته ثانية ،فردت عليه بصوت واهن:"هل أرسلك لتقول شيئاً ؟"قال بسرعة وقد لاحظ الوقت يمضي:"كلا ،لقد أتيت من تلقاء نفسي. أنت ممرضة الشيخ السابقة ،لذا اعتقدت أنك تملكين شيئاً يمكن أن يساعدنا.." قالت وقد بدا في صوتها قصور الفهم:"في ماذا..؟ يمكن أن أساعدكم" أجاب وقد جثا قربها:"في نشر حكمة الشيخ ،إني أسلمت منذ أسبوع وأريد أن يعاونني أتباع الشيخ في إطلاق سراحه وتبيان الحق الذي لا باطل بعده". "إني أسيرة ،إنهم منعوا جسدي من الخروج ،ولكن هل تعلم! إن روحي تطير كل ليلة لتأتم بالشيخ حين يصلي. إني لا أعلم عن صدق نيتك أيها السائل ،ولكني مرتاحة لإخبارك. إني أقول لك أن الشيخ كريم مع الجميع ،يفيض من علمه ولا يفرق بيني وبينك. لقد أسلمت أيها الرجل ،وأنت تعلم من أمر الإله ونهيه الكثير ،فأنت ملازم لعبده الصالح. إن في المدينة عشرات الأرواح الهائمة تريد من أحد أن يهديها إلى الصراط القويم" قالت وصوت نفسها يزيد مع كل كلمة تقولها. واستدركت في قولها قبل أن يغادر:"استمع إلي إني أعرف فتى كان يصاحب الشيخ ويحمل بعض علمه ،يقال له إلياس. إن استطعت إليه سبيلاً فسيشرق الكون نوراً في العاجل القريب. لا تهتم بالأسرى ،لا تهتم بمن كمموا أفواههم ،أجمع حولك الأتباع وقد ثورة ضد أناس هذه المدينة ،ضد الملحدين ،من لا يعترفون بإله ولا فناء ولا بعث بعد الموت. إني أجدك رجلاً رشيداً أكبر في عيني من طفل صغير." أومأ برأسه لها ثم قال معزياً:"إن عذاب السجن سيجعلك قوية ،سنحررك ،انتبهي لنفسك حتى ذلك الحين". وخرج عائداً من طريق آخر غير الذي سلكه عندما أتى قاصداً زنزانة الممرضة. وشاهد غرفاً لمكاتب المسؤولات يلجن إليها ببطاقات متطورة ،وأجهزة تفحص الأعين والأصابع ،وفكر كم طلاء الجدر هنا مختلف عن هناك!! وازدحم المكان فجأة بجنود أجلاف ،واستقبلتهم مديرة السجن ودعت قائدهم إلى مكتبها ،فصاح بها قائلاً:"أيتها المرأة أين الزائر الذي أدخلتموه قبل قليل؟" وارتبك الحارس في مكانه وأشارت السجانة التي كان يتبعها إليه ،فهب الرجل صارخاً:"أنت ،أيها الجندي لا يحق لك الدخول" وتعجب هادي وأخبره أنه استلم رداً صريحاً من مدير السجن ،فقال الرجل بانزعاج:"ذلك تصريح لم يقصدك أنت..لقد ابتغينا به طبيباً معروفاً" قالت المديرة وهي تلقي سيجارتها في منفضة تحملها مرافقة لها:"كان خطئاً إذن ،لقد دخل الرجل ،يجب أن تحققوا معه". وتقدم منه رجلان فألقيا الأغلال في رسغيه وأخذاه إلى الخارج. سأله قائدهم بعصبية:"ماذا أخبرتك المرأة؟ بماذا تحدثتما؟" رد هادي بهدوء:"لم نقل شيئاً ذي أهمية ،إن الشيخ طلب إلي أن أتفقد السجينة وفعلت هذا تقديراً لشيبته" نظر إليه القائد مطولاً ومط شفتيه في انزعاج ملحوظ ثم قال لرجاله:"لقد أمرنا بإيقافه فقط ،في حال أنه لم يدخل. غير أنه دخل ولا أجد التحقيق من اختصاصنا" "اتصل بالمركز وأبلغهم النبأ ،ستكون وصاحبك حارساه إن استلزم الأمر". واتصل الرجال بالمركز فأجابهم صوت يتثاءب لرجل ،أخبرهم أن ينتظروا قليلاً ،ثم تحدث صوت أجش أفادهم أن يتركوا الحارس وشأنه ،وختم حديثه بقوله:"لو قبضنا على الجميع فستفيض سجوننا منهم. سنجتث الرؤوس فقط ،حظاً موفقاً". وبرز هادي من طرف المدينة الحبيس إلى حيث وسط الحرية ،ولم يخطر بباله أن يسلم من شرهم.
لقد دخل بعد الحارس بيوم واحد ،إلى سجن النساء ،رجل يحمل حقيبة طبية في يده ،ويرتدي ثياباً سوداء تزيد من وسامته. واطلع إلى رسالة الإذن التي يعرضها رجل قال له:"هذا صحيح ،إنها صالحة لمدة ثلاثة أيام من تاريخ الإصدار،يمكنك أن تدخل" والتقى في طريقه طبيب السجن ،فعرفه إذ ثقفه في أحد المؤتمرات ،التي يحضرها بانتظام. صافحه بسرعة وتبادلا بعض كلمات الترحيب ،وارتحلا من المكان ،طبيب يسعى لإغاثة أنفاس الناس ،وطبيب يسعى لإخمادها. دخل الطبيب زنزانة المعذَبة ،وكانت تأخذ غفوة قصيرة تحت ضوء شمس الأصيل القادم من النافذة. تركته الحارسة وانحنت له باحترام. خطى خطوتين إلى حيث رقدت الممرضة ،ورفع دثاراً أثار غباراً فآثر أن لا يغطيها به. قالت له وهي ترفع جفنها بصعوبة:"إني أحب هذه النسمات الباردة ،إنها تخبرني أنني أشعر" أجابها الطبيب بإشفاق:"هل بدأت تفقدين إحساسك في بعض أنحاء جسدك؟" أجابته وقد فشلت في محاولة النهوض:
- إني قريبة من هذا. لكن لا تقلق فروحي حية لا تفقد الإحساس.
- لماذا لا تعترفين؟ هل تعتقدين أنك ستصبرين؟
- أيها الطبيب المنصف ،إن السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ،وسيصرف ربي عني بقية العذاب.
- مازلت تهذين بهذا الهراء!. أخبريني أي شيء تخفينه خلف الضمادة؟
وارتفعت يدها إلى الشج في الجبين ،وحط هو يده وتحسس يدها الباردة فشد عليها بيده ،ونظر إلى الجرح. قال بلهجة الأطباء الرتيبة:
- لديك شج عميق ،لم يعتنى به جيداً. سأعقمه وأرتقه ،وإن جادلوك فأخبريهم أن طبيباً أدى مهمة إنسانية هنا. أبعدي يدك قليلاً.
وأحست بوخز الإبرة مع كل غرزة يعقدها الطبيب ،وكان جسدها يرتفع إلى الأعلى من الألم. وأخبرها الطبيب أن الجلد لا يتقبل الرتق بعد فترة وأن هذا سبب الألم الذي توجسه لخرق الإبرة. قال لها مهنئاً:"لا يزال جرحك مفتوحاً ،كنا سنتركه يلتئم على هواه لو كان غير كذلك". ثم أدار الضمادة حول رأسها مرتين ،وختم نهايتها بشريط لاصق. وخاطبها بلهجة حازمة وهو يقول:"إني لا أجد لعنادك مبرراً ،لماذا ترفعين الوزر عن أحدهم؟ يجدر به أن يحتمل جزءاً من العذاب" أجابته وهي ترسل بصرها صوب السقف المتشقق:"لأنه النور" نظر إليها متسائلاً وجمع عدته وقال:"كيف ستقنعينني بمعتقدك وأنت بين القضبان؟ يجب أن تخرجي لتجمعي الأدلة" ردت عليه بهدوء:"إنهم يجمعونها الآن ،لقد ضربت معي موعدة بعيدة ،إذا صار ليل رأسك إلى النهار ،ذلك ما اتفقنا عليه"
قال بنفاد صبر:"حسن ،سأنتظرك. إنني رجل غير صبور" قالت له بعد مدة من الصمت:"إني مرسلة إلى أحد الأحرار ،هل تقبل أن تكون وسيطاً بيني وبينه؟" أجابها وقد عبثت به الظنون:
- أي نوع من الرسائل؟
- رسالة لطفل صغير.
- هل تعنين المتهم ،صديق الشيخ الصغير؟
- هو بعينه. إن معي خبراً التقطته روحي من روح الشيخ. إن الشيخ يريده أن يعجل بالرحيل من هذه المدينة.
قال متعجباً:
- هل هو التخاطر؟ تصدقين به أيضاً! حسنا سأبلغه ،هذا من أجل الفصال الذي سيجري بيننا.
- شكراً لك ،إني قريبة من الشيخ لدرجة أني أحس دفء أنفاسه.
وقف وألقى إليها نظرة عطوفة ،وأومأ برأسه موافقاً وقال:"سأكون حمامة حذرة". ثم خرج. دخلت عليها بعد ذلك سجانتها ,وأخذتها إلى غرفة التعذيب وأخبرتها أن الجلسة ستكون مختلفة عم اعتادت عليه. ودعتها بسخرية إلى الاعتراف الذي سيريحها ويريحهم.
أصبح الحارس هادي في وجه المنزل الصغير الذي استدل عليه من أحد الجيران ،فطرق بابه متردداً ولم يلبث أن فتح له الباب ،وبدت له امرأة جميلة بعينين حمراوين ،سألها عن الغلام الذي يسكن هنا ،فقالت وهي تغالب البكاء:"لقد رحل ،هذا الصباح عندما صحوت لم أجد ابني في المنزل."طمئنها فقال:"لابد ذهب يشاهد الشروق ،لا تقلقي أيتها الأم." قالت باكية:"أنبأني في رسالته على هاتفي أنه مسافر إلى مكان بعيد ،وعندما حاولت الاتصال به سمعت رنين هاتفه في غرفته..وهو أخذ سيارتي أيضاً ،إنه لا يعرف القيادة..أوه لا أدري ما أفعل. هل أنت شرطي؟"
- تستطيعين قول ذلك. لا عليك سيعود بالتأكيد.
- هل أستطيع الاعتماد عليك؟ سأزودك برقم هاتفي أيها الشرطي.
- عفوا أيتها الأم ،بإمكانك تقديم طلب لدى الشرطة. لا تقلقي سيلتقونه على أطراف المدينة.
قال ذلك وابتعد تاركاً إياها على عتبة الباب. كان هادي حريصاً أن لا يدع خلفه أدنى أثر يجعلهم يشكون في أمره ،وقد دهش من الفعل الذي جاء به الصبي هذا الصباح وعقد النية على انتظاره حتى يحضر. وانصرف إلى بعض شأن أهمه ليلة البارحة ،وقرر أن ينفذه اليوم حيث أنه يوم عطلة من حراسة الشيخ. اطلع إلى ساعته فوجدها لم تتعد السابعة فانطلق إلى المكان وجهته في لهفة مفضوحة. كان الوصف مطابقاً تماماً للذي سمع ،وأبصر لوحة باسم صاحب البيت النائم معلقة يمين الباب. اقتحم المكان من جهة مستورة بفروع شجرة لم تقلم وقفز إلى فناء الدار،وعالج قفل الباب بطريقة متعلمة وولج إلى المنزل. كان يبدو مرتباً كأن لم يقربه بشر أو كأن المدبرة خرجت للتو. تعرف الحارس ببصره على أركان المكان واختار سبيله إلى غرفة النوم الرئيسية وكان ينبعث من الغرفة هواء بارد ورائحة قهوة مكتومة. تسلل بهدوء إلى الداخل وخطف هاتف الرجل النائم وعطل التنبيه ،ثم وضعه على مكتب في زاوية الغرفة بعجل فأسقط كوب القهوة المنتصف وأزعج صوت الزجاج المتحطم سمع النائم ،فأزاح جفنيه في انتباه وطالعه وجه متلثم. أمسك الحارس بتلابيب ثوب الرجل وقال له مغيراً في صوته:
- أين تحتفظ بتقريرك عن الشيخ؟ قم بتعديله وإلا سلبت حياتك.
أجاب الرجل بوثوق مصطنع:
- ومن أنت يا هذا؟ ثم كيف تقتحم بيتي بهذا الشكل؟
سحب الحارس الرجل إلى المكتب وأرغمه على الجلوس ،وقال مهدداً:"إذا كنت تريد الحياة ،فاستمع إلي. ويسعدني أن أجلب لك الموت إن كنت تريده" وأحس الرجل خطر المقتحم ،فرفع غطاء جهازه المحمول وأشعله ،وأطبقت كف الحارس على كفه ففزع ،قال له الحارس بنبرة مخيفة:"إنني ألاحظ كل شيء إياك أن تستغفلني" وظهر التقرير الذي لم يكمل أمامهم ،وتحدث الحارس آمراً إياه أن يغير خطابه إلى المنحى الذي يريد. وقال له بنفس النبرة المخيفة:"كنت سأقتلك أيها الطبيب ،ولكنك تجاوبت بشكل طيب معي. الآن أرسل الرد إلى المحكمة وأحذرك أن تستغفلني" واستدار الطبيب بسرعة إلى المقتحم ،ولكمه في وجهه فخر على الأرض ،وعاجله بلكمة أخرى أتت في عينه فلم يبصر الحارس من بعد ذلك جيداً. وأجهز الطبيب عليه و استوى على صدره وسعى لإدراك هويته ،فسحب الوشاح الأبيض الذي غطى فمه ،وأمسكت به ذراع الحارس المفتولة وألقته إلى الأرض. وانقلب الحال وصد الحارس لحظة يعدل لثمته. واستسلم الطبيب لجسد جندي ضخم. قال الحارس بصوته المكتوم:"إنك عديم الحيلة وأنت مع هذا تقاتل." وقال وهو يثبته على الكرسي:"لقد كدت تجني على نفسك ،لو كنت رأيت وجهي لما سعيت على قدميك ثانية". وأحكم وثاقه ليؤخر استنجاده بأحد ووصلت الرسالة إلى القاضي ،وكاد الرجل يصطدم بالمرأة في غرفة المعيشة وهو يسلك طريقه صوب باب المنزل ،ولم يلحظ أن وجهه كان ظاهراً لها. وارتدت هي إلى الخلف وسدت فمها بيدها ووقعت على الأرض. وتساءل في نفسه هل البقعة الزرقاء في عينه أرعبتها إلى هذا الحد! و ادكر بعد مدة وجهه الذي رآه في مرآة أعلى الدرج قبل قليل. فهب إليها وانتزعها من كفها وهي الخائفة لدرجة لا تقوى فيها على الصراخ. وأعاد لثامه وجرها إلى الخارج. كان السير مع فتاة تنتفض من الخوف أمراً لا يمكن لأحد أن يفسره بغير الشر. قال لها وهو يعيد وشاحه حول كتفيه:"لقد أبصرت وجهي وإني أمام حلين إما أن أقتلك أو أذرك حين آمن شرك" لم تتحدث فقال لها :"تظاهري بالهدوء كيف أفسر الأمر للمارة؟". ثم انقلب إلى مسكنه وبصحبته ضيف ثقيل ،سألها حين جعلها تتخذ لنفسها مكاناً في الأريكة:"ما سمك أيتها المرأة؟ وهل تعرفين الطبيب من قريب أو بعيد؟" أجابته بصوت يتموج من الفزع:"إنني ابنته ريحانة ،وأنا أسكن معه مذ تركته أمي" قال وهو يجلس على الأرض قبالتها:"اعتقدتك مدبرة منزله ،هل كنت هناك قبل أن أدخل" لم ترد عليه وظلت تحرك ساقيها ذات اليمين والشمال ،فنهض وقال بلهجة لطيفة:"قد لا يعجبك المكث هنا ،ولكني مجبر على هذا" وعقب :"لن أسيء إليك ،لن أصنع شيئاً يوجعك ،لا يمكنني إن أخبرك إلا أنك ستبقين هنا حتى أجد لنفسي مخرجاً" ثم تولى إلى المطبخ يحضر شيئاً حطه أمامها فلم تقربه. قال لها ساخراً:"لا تقلقي ليس في الطعام سم مميز ،إنه خبز محمص مع بعض قطع الجبن ،اعتقدت أنك لم تطعمي شيئاً" وحين رآى ماء عينها ينزل بهدوء ،قال يخاطب نفسه:"لقد حظيت برؤية امرأتين تبكيان هذا اليوم" ثم خاطبها قائلاً:"استمعي إلي ،تبدين فتاة صادقة ولهذا سأطلق سراحك" "سأعتمد على وعد بيني وبينك ،فهل أنت موافقة؟.. إن لقيت منهم من أحد فقولي لا أعرف شيئاً..ماذا تقولين" قالت بصوت كالهمس:"أعدك بذلك" فنصب إصبعه الخنصر ورفعه أمام عينها مباشرة ،فأبرزت إصبعها وأحاطت بإصبعه. قال وهو يشد عليه:"إنه وعد بيننا ،لا أحب أن أؤذيك فلا تشيري إلي بكلمة" ثم قادها إلى الباب وراقبها وهي تستأجر سيارة وتمنح سائقها المال الذي أقرضها إياه. لقد ضرب موثقاً معها ،وافتضاح أمره ليس ببعيد. واستقبله مديره في النهار التالي يأمره بأخذ الشيخ إلى السجن انحناء لأمر وردهم يوم أمس. وفعل الحارس هادي ما أمر به ،ودفع كرسي الشيخ مع بعض رجال آخرين. في منتصف الطريق الوعرة إلى الحبس ،استعد هادي لتنفيذ خطته فقال لهم أنه سيرافق الشيخ ليقضي حاجته ،فأذنوا له وانتظروا. انطلق الحارس مع الشيخ حتى إذا تواروا عنهم بصخرة كبيرة حمل الحارس جسد الشيخ على ظهره وهرول باتجاه المدينة. استتر الحارس بظلل من الغبش الذي يسبق الغروب ،وآوى إلى سقيفة قديمة ودفع بابها بقدمه فحيته امرأة بجسد ضخم ورحبت بالشيخ. قال لها الحارس أن تعد متكأً وتعطي الشيخ طعام العشاء ،وقال للشيخ وهو يغادر:"قد وعدت أن أفتح لك الباب ،وها أنا أفي بوعدي أيها الشيخ الجليل" وابتسم الشيخ بسرور صادق ،ورفع يديه يتمتم ببعض الأماني لرجل حارس شهم. وآب الحارس إلى رفاقه فثقفهم ذاهلين حائرين ،وحين أبصروه قادماً نحوهم ،ترجلوا من المركبة وهبوا لملاقاته ،قال لهم بذهول:"أين الشيخ ألم يأتكم؟" وصاح به أوسطهم لائماً:"أنت الذي تركته يذهب أيها المندس" فقال بنغمة انتصار:"والآن ماذا ستقول لهم ؟لست بالشخص الذي يثق به القائد وما فعلته كان خِطئاً كبيراً. ليس من المسموح أن تتوقف سيارة السجن مهما كان السبب وليس ترك السجين مع جندي صغير بالعمل الحسن" وجحظت عينا الرجل وانتفخت أوداجه وقبض أصابعه إلى كفه بشدة ،ثم أدبر وألقى نظرة تهديد إلى هادي وقال:"سأجعل هذه الأرض السبخة قبرك يوماً ما" ونظر الرجال إليه شزراً ،وتركوه واقفاً وانطلقوا يبحثون. ولم يكن بحثهم ذو معنى ،ذلك أن ظلام الليل خيم على المكان ،ونادى بعضهم بعضاً أن ارجعوا فلا شيء يرجى من ليلة أخيرة من شهر قمري ،وقالوا معذرة إلى ربنا ولعله يدركنا برحمته. وروى كبيرهم لربه ما كان منهم من إهمال وصاح به ليسجننه لو لم يأت بخبر عنه خلال ثلاثة أيام ،وتولى الرجل غاضباً يضرب بحذائه الأرض. لشد ما تمنى أن يدق عنق الجندي المكار ،وحاك مع بعض الموثوقين من رجاله مؤامرة يحصل بها على الانتقام من الحارس الماكر. وحادثه الأخير بصوت مطمئن:"لم أقصد أن أسيء لك ،إذ كنت أحرس النور أن يختلط بظلام الليل حتى يشتد وتقوى شوكته" وعقد الرجل بين حاجبيه وابتعد.
إلى الفصل الثامن بإذن الله












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

سأحلم بالرجوع معاً حماماً.....أمام الشمس في اليوم الجديدِ

عرض البوم صور حلم ينتظر   رد مع اقتباس
قديم 13-10-2011, 01:34 AM   المشاركة رقم: 16
المعلومات
الكاتب:
حلم ينتظر
اللقب:
نبع صافي

 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 رقم العضويـة : 6268
 مجموع المشاركات : 45
 بمعدل : 0.01 في اليوم
  العمر : 36
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حلم ينتظر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حلم ينتظر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

أجدد التحية

(الفصل الثامن)
في نزل صغير على طرف المدينة استفاق الشيخ حراً فوق متن فراش من الحصير ،وطلع يمشي بصحبة عصاه قبل طلوع الشمس في الفلاة الجرداء من الأنس بإنسان أو حيوان ،غير جحر لنمل وطأه الشيخ بقدمه الحافية واعتذر إلى ساكنيه بسرعة فقال:"لا تهربوا مني ،لا تدخلوا مساكنكم ،لن أحطمنكم برجلي". وجاوز جحور النمل بحذر فهبطت نملتان من ساقه إلى الأرض ولاذتا بجحرهما. عبر الشيخ على ثلاثه الضعاف صراطاً مستقيماً لا ميل فيه ولا انحراف ،ثم عاد منه إلى بدايته لما ارتفعت الشمس في السماء قيد رمح. واستشعرت أطرافه الدفء الخفيف فتلكأ في سيره وقال هو يدخل إلى الدار:"وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً. إنما وهج الشمس أصابني فأردت أن استتر عنه ،فماذا إذا لظى النار أرادني من يحجبني عنه؟.." ثم بكى ورفع كفيه إلى الذي يعتقد أنه سينجيه ،قال:"اللهم اجعلني ممن تظلهم في ظلك يوم لا ظل إلا ظلك ،يومئذ تدنو الشمس من الخلق ولا يحجبها إلا أنت. اللهم فاجعلني منهم". واستقبل سمعه صوت الباب يصفق بقوة وخطوات ثقيلة سريعة ،ثم حياه الداخل وقدم له بعض الطعام ،وسأله الشيخ في اهتمام:"لابد تجدين مشقة في الذهاب والإياب ،هل تعملين في الليل؟". أجابت المرأة وهي تضع بعض طعام للشيخ:"هذا صحيح تبدأ نوبتي في الساعة السادسة" أزاح الشيخ الملعقة جانباً وحثا بأطراف أصابعه بعض حبات الأرز وحملها في يده ومضغها بهدوء. اقتربت المرأة من الصحفة وحطت يسراها في الوسط تريد الأسوة بالشيخ ،فقال الشيخ ببعض الصرامة:"يا أمة الله سميه وكلي بيمينك وكلي مما يليك" كفت المرأة يدها في حياء وقاربت أناملها حافة الصحفة فكانت تأخذ في اللقمة حبة أرز أو حبتين. وتلمس الشيخ بيديه طلباً للماء واستفسرت عن بغيته فأجابها وحظي بجام منه. قالت المرأة بنبرة اعتذار:"ربما جلبت طعاما لا يناسبك أيها الشيخ الجليل ،استميحك عذراً". رفع الشيخ رأسه إليها وقال :"كل الطعام رزق من ربي ،وما اعتدتِ عليه ليس يستثنى منه" وشكرها الشيخ بعد أن شكر ربه ثم التمس درباً إلى إبريق من الماء. نادته المرأة إنك لم تطعم الكثير فرد عليها وقد غلفت وجهه غشاوة من الوقار:"حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ،وإنني قادر على السير". نظرت إليه المرأة بحيرة ثم انتبهت إليه وهو يرفع الإبريق فهبت إليه. غسل الشيخ وجهه ووصلت قطرات منه أذنيه وأقصى لحييه ،وأدخل الماء في أنفه وفيه ،ثم أسبغه على ساعديه النحيلين ومرفقيه البارزين ،ومسح بالأثر في راحتيه على رأسه الأبيض وصوان أذنيه واعتمد على عكازه بيسراه ،وخلل بصبيب البارد أصابع قدميه ودفعه بيمينه حتى غمر كعبيه ،ثم استقام وشهد أن إلهه هو الله ،وأن رسوله هو محمد وخطى خطوات قليلة إلى محراب بيّنه بحجارة صقيلة بالأمس ،ورفع كفيه مفارقاً بين أصابعه ففعلت المرأة من خلفه ما فعل ،واستمعت إلى الكتاب المسطور في أنحاء قلبه ،وانحنت معه لربه. سألها الشيخ لما أن فرغ أتحس نفوراً أو اطمئناناً في قلبها ،فأجابته أنها تتحرى الآية تلو الآية قالت له:"إني أتمنى أن تطيل في سجودك ،سجدة لا يرتفع جبيني بعدها أبداً. إن الجبين سر من الأسرار فيه شرف الإنسان وعزته ،وإنا نهين أسرانا بضربهم على مقدمة رؤوسهم" قال لها الشيخ وقد أحب حديثها:"وإن للناصية علامات ،بها يعرف الخيّر من الشرير ،وإن الدجال لن يوق من فتنته إلا امرؤ أراد الله له أن يبصر الكفر محفوراً في جبينه" أجابته وهي ما تزال عاقدة كفيها على صدرها باطمئنان من أثر عبادتها مع الشيخ:"لقد عرفت هادي من مسحة النور في وجهه ،وهو أرشدني إليك" قال الشيخ بصوته الحكيم الهادىء:"إن الأخيار يعرفون الأخيار بسيماهم الظاهرة في وجوههم" ثم سألها ببعض التردد:"أخبريني ما حل بالممرضة في سجنكم؟ وكيف تبلي تحت السياط؟" أجابته بسرعة:"إنها بخير وهي تطمح للحرية يوماً ما ،غير أني لا أستطيع وصف صورتها بشكل مقرب فزميلة لي هي من تشرف على جلساتها". أومأ الشيخ برأسه مرتين وصمت. كان النهار بساعاته الطويلة غير كاف على الإطلاق لمجالسة شيخ بحكمة الشيخ وحلو حديثه ،ووجدت المرأة صعوبة شديدة في الإياب إلى العمل وترك الشيخ. كانت تلبس بذلة ثقيلة وتعتمر طاقية يميزها شعار صغير ،وعلى كتفيها استقرت حلقتان معدنيتان كبيرتان وفي أحد جوانب صدرها تعلق كل يوم صورتها ورتبتها واسمها الثلاثي. شاهدتها سجانة الممرضة ذات الجسد النحيل والتعبير الشرير والصوت الذي يشبه الصفارة فقالت:"يتبدى لي أنك لم تنمي هذا النهار" ثم غيرت صفارتها إلى نغمة تطفلية ماكرة:"ماذا كنت تفعلين؟" نظرت السجانة الطيبة تجاهها والتفتت ثم أكملت طريقها ،لكن الأخرى منعتها من النفاذ بذراعيها الطويلتين وقالت:"تعلمين أن المعلومات تشترى بثمن بخس هذه الأيام..ذلك لاعتمادها على الكذب والاشتباه في أغلب الأحيان..(ثم غيرت صفارتها إلى نغمة أخرى وهي تقول) لكن معلوماتي مستثناة منها على أية حال!" أمسكت الطيبة ذراعي الخبيثة وهصرتهما بما أوتيت من قوة عظيمة فصرخت الأخرى من شدة الألم واندفعت بعيداً مع أول فرصة منحتها الشديدة للإفلات ،وبرقت عيناها في شهوة للإيقاع بها وهي تبصرها ذاهبة إلى العمل. شعرت السجانة الطيبة ببعض الخوف من انكشاف السر ذاك أن الثعلبة النحيلة ترمي عيونها في كل مكان ولا تدع أحداً بحاله. ولكم تساءلت إن كانت تعمل بالسر لمصلحة سيد المدينة أو لمن وراءه من الأسياد.
إن الحراسة الليلية في السجن عمل ممل ورتيب ،فجميع النساء نائمات هادئات ونائبة المديرة تتثاءب في مكتبها. وفي مثل هذا الحصن لا يفكر أحد بالهروب وإن فكر فلن يقدر أن يخطو خطوتين خارج زنزانته. كان نفر من حارسات الليل راقدات إلى النصف من أجسادهن في الممرات ،غائبات عن الدنيا. وحارستان أو يزيد يترنحن في مشيهن ويكدن يقعن لولا عصيهن النافضة ،وفي الحقيقة أن رفيقة (السجانة) لم تكن تسير سيراً بل تثب وثباً بين الأعضاء المتناثرة في دهاليز غير واسعة. انقضى من الليل أكثر من نصفه ولم تقعد رفيقة أبداً إبان جولتها حول زنزانات سجيناتها ،واستمعت إلى حوار بين سجينتين من وراء بابهما الفولاذي. كانت إحداهما تقول للأخرى:"يظهر أن الممرضة قضت تحت العذاب الأليم ،إني يغيب عن أذني صوتها هذه الأيام" "أتعلمين ،لقد اشتقت للحرية ،رغم شهور الحب مع قضيب الحديد" ولم يأت لسان المخاطَبة بأية كلمة فأجابت المخاطِبة نفسها:"إني أظل إنسية أحمل الشر في صدري ،هه أريد الخروج!" وهنا تحدثت الصامتة ببعض الحماسة المبالغ فيها ،قالت:"هل ،هل تعنين أن ابني حمل الشر في قلبه؟؟" أجابت المرأة بشيء من السخرية:
- أنت تحملين شيئاً منه.
- إني لا أقصد شراً آدمياً ،أريد به شر مجهول.
- لا أفهم غايتك ،لكن رجلاً واحداً يمكن أن يخبرك ،إنه سجين أيضاً.
- وهل يعرف ضروب الشر؟
- يعرفها كما يعرف ضروب الخير. ولكنه مسجون ،لا شيء يرجى من وراء القضبان.
وسكتت المرأتان عن الحديث ،وعادت المتنصتة إلى أول الدهليز تنهي شوطاً آخراً في مسعاها الليلي. وأتى الصباح ،وجلت خيوط النور مسالك المبنى المظلم ،وأزعجت جفون النيام فقاموا إلى الحياة. ودخلت أفواج سجانات النهار وأزاحت جموع سجانات الليل ،وبقيت لرفيقه مهمة واحدة. أقبلت المأمورة بعربة الطعام ،وصاحت بالميتات أن يتيقظن قائلة:"طعام الإفطار ،طعام الإفطار" وانتهت إلى زنزانة منعزلة ممنوعة النور دخلت إليها بمساعدة رفيقة التي تسمرت في الممر قبالتها. وانتبه بصر الممرضة المرهق إلى الجسد الضخم أمامها ،فتذكرت هذه الملامح التي عرّفتها بها رفيقتها الصغيرة أول أيام السجن. خرجت المأمورة بعد أن حطت كسرة خبز وقَدَر ضئيل من الفول ،وتابعتها رفيقة ببصرها حتى غابت فدخلت إلى الممرضة وجافت الباب. هبطت بجسدها الكبير حتى صار وجهها قريباً من وجه الممرضة ،وتعجبت الأخيرة من ضخامتها وطولها الذي استحال إلى شيء صغير جلس جانبها. تحدثت رفيقة بصوت متوتر على عجل حتى أنها أدغمت الكلمات ببعضها:"إن الشيخ حر وهو يذكرك دائما." ردت الممرضة بصوت هامس وهي تحاول النهوض:"حقاً! ما أعذبك وما أعذب هذه البشرى! هل أنت متصلة معه؟" قالت رفيقة وهي تنتصب واقفة:"وحارس الشيخ معنا ،اسمه هادي ،قريباً ستكونين معنا يا أختاه" ردت الممرضة بنبرةٍ طموح:"نعم ،أخبريه أنني بخير وأقرئيه مني السلام". أومأت السجانة برأسها وسمعت الممرضة نافذة النور توصد خلف الطيبة ،وغمر الظلام الزنزانة من جديد.
انطلقت رفيقة إلى سبيل النزل فاعترضها أحد الرجال وقال لها هامساً بحيث استغربت لهجته:"إني مرسل من هادي هل أنت ذاهبة للشيخ؟" ردت عليه ببعض الحذر وبأسلوب قاس تعلمته من مهنتها:
- ما اسمك أيها الرجل؟ وكيف علمت الطريق؟
- اسمي نادر ،كنت أدرس لدى الشيخ. قد أرشدني حليفك إلى نزل الشيخ لكني تهت المكان. وكنت سمعت عنك منه.
- أنت أحمق تماماً ،هل تعتمد على حدسك بالتعرف على الناس؟ فماذا إن وصلوا للشيخ وقتلوه؟ إن الوضع ليس بمستقر ،والعيون تلاحقنا في كل مكان ،فما يدريني لعلك تكون جاسوساً آخر. أرجوك كن حذراً.
واعترف بخطئه في نفسه وعرف أن حماسته أوقعت به في الخير هذه المرة ،وقد توقعه في الشر مرة تالية. وسارت المرأة وإياه فجاجاً وعرة لا تعبرها السيارات ،واطلعوا إلى النزل الصغير ،فهبطا التل مهطعَين إليه ،ولمن فيه. واستقبلهم الشيخ جالساً على عتبة الباب فلم يتمالك الكهل نفسه وأوى إليه وبكى ،وتأثر الشيخ من صدق عاطفة الرجل وارتسمت في محياه آيات رقيقة. تحدث الكهل أولاً فقال:"لقد اشتقنا إليك يا شيخ ،وإننا لم نعاني فيك مثل البعض فنتلذذ بالعذاب المريح ،ولم نقدر على دفع الحق ليظهر على الباطل. إننا عشنا الأيام في حيرة وضياع ،فكأننا لبثنا أحقاباً من الزمان طويلة" وأمسك الشيخ بيده ودعاه للدخول وقال الكهل وهو يسند الشيخ إليه:"إني شغوف بالكتاب حين تتلوه علينا بصوتك الرخيم" وتبسم الشيخ من قوله وقال:"ستسمعه بإذن ربي حتى تحفظه ،فتكون متعلماً ومعلماً له". أدركت المرأة من حديثهما أن الاثنين يعرفان بعضهما جيداً ،فاستراحت ظنونها واطمأنت ،وقالت تحدث الرجل:"أيها الغريب القريب ،قد حضرت طعاماً للشيخ فإن شئت فاستأذنه ،إنك ضيفنا اليوم ولكن الشيخ ضيفنا على الدوام. أعتذر منك يا صديق الشيخ الكريم" وقرب الشيخ إناءه إلى الكهل فقال:"ضع كفك في إنائي ولا ترفعها حتى تشبع. فو الله لا يأتيني رزقه إلا وأكرم خلقه منه" ودعا المرأة فاقتربت ،ومد الثلاثة أيديهم إلى الطعام الذي خصص لرجل واحد ،وما كفوها إلا وهم شبعون. قال الشيخ حين كان يغسل كفيه تحت الماء يسكبه الكهل:"قد طرح ربكم البركة في طعامكم ،لسعة نفوسكم وخلوها من الشح ،أيها الطيبان". وجمعت المرأة الآنية وجعلتها في زاوية الغرفة وجاءها الكرى يطلبها حقه ،فاستندت إلى الحائط وقالت. وتحدث الكهل والشيخ في الخارج حيطة من إقلاق راحتها قال الكهل للشيخ وحمْل من الهم في صوته:"لقد فصلت من عملي أيها الشيخ لأني أحمل فكراً غريباً على القوم ،وزوجتي الغيورة اتهمتني بمصاحبة العاهرات -سموت وسما مقامك- ولايهمني لمزهم إذ يتحدثون ،ولا يهمني ما وصلتُ إليه..أيها الشيخ إني حزين لأجلك تلقى في الصحراء في سقيفة فقيرة من الزاد إلا قليلاً ،تنام متيقظاً وتصحو متيقظاً ،لو أن لي قوة أو أوي بك إلى ركن شديد ،لو أن لي قوة..." فقال الشيخ بنبرته الهادئة المعتادة:"لا تقلق أيها الرجل الطيب فإن مع العسر يسرى إن مع العسر يسرى. ثم لا تبجلني لتسمو بي عن إماء ربك ،ما يدريك لعلهن أفضل مني عنده." وارتفع صوت الكهل متعجباً وهو يقول:"مالذي تقول أيها الشيخ؟ أبائعات الهوى خير من رجل يقرأ كتاب ربهن!!" وعاجله الشيخ بالإجابة وما من عادته الاستعجال:"فإنك لا تدري عن حالهن ،أنت تعلم ما يجرحن في الليل ،ولكنك لا تدري ما يصنعن في النهار. وربما رجعن إلى ربهن بتوبة لو وزعت على أهل المدينة لكفتهم. كف عن تزكية من تعرف ،ولا تزكي نفسك ،فقد يغلبك غيرك وغيرهم عند ربك" وأمسك الاثنان عن الكلام إذ أقبلت قافلة من الرجال نحوهم. وأوجس الكهل خيفة منهم ،وطمأنه الشيخ أن الرجال أنصار لهم ذلك ما يسمعه في خطواتهم المهرولة قِبل الحق ،وللروح صوت تغنيه القدم يفضح مبتغاها. ووصل خمسة من الرجال وسادسهم هادي ،الذي تحدث فقال:"أيها الشيخ ،إنهم رجال أشداء على الكفار رحماء بينهم يبتغون علماً ينجي أبدانهم من دودة الأرض في أجداثهم بعد الموت" وزع الشيخ نظراته عليهم بالتساوي وقال:"فإنكم حزب الله ،ألا إن حزب الله هم الغالبون" وتقدم رجل منهم وتحدث باحترام شديد فقال:"إنا نتوق للكثير من العلم ،وأتيناك لأن هادياً أخبرنا عنك". "ستجد الكثير يا ولدي فاطمئن ،يلزمك ويلزم الجميع عزيمة قوية ،وصبر جميل" رد الشيخ متبسماً وأشار الكهل لهم على السقيفة فنبهه العجوز الفطين إلى المرأة النائمة داخلها ،فاستقروا في ظلالها متحلقين حول الشيخ. كان جميع الرجال يعملون في السلك العسكري وقد تعرف هادي إليهم بعد مناوبة حراسة أو حفلة تكريم أو تدريب جماعي. وتحدث هادي بوثوق قائلاً:"إنما نحن جنود ذوي بأس شديد وقوة ،وإن أجسامنا قادرة على حماية علمك أيها الشيخ ونفسك الكريمة" فقال الشيخ:"ليس الجسم يجدي يا ولدي إذا غاب عن أعلاه حكمة العقل الذي يسيره. إني أريد أن أؤمر عليكم من أنفسكم رجلاً فمن ترشحون؟" وتبادل الشباب النظرات ثم تحدث هادي فقال:"أنت أميرنا أيها الشيخ". "فذلك في صلاتكم وحلقات علمكم ،وإني أريد جندياً خبيراً بخدع الحرب وحيلها فهم سيدركونا بعد مدة ،ولسنا بمأمنة منهم. أريد قائداً لجند الله حصيفاً صبوراً ثابتاً باسلاً ،وكلكم كذلك إن شاء الله". قال الشيخ لهم ، فقال رجل منهم:"فإن هادي رجل رشيد ،أعلم بهضاب هذه النجد وأوديتها منا" وخاطبهم الشيخ بصوت عال:"فهل أنتم موافقون؟ وهل تذعنون لأمره ونهيه؟ هل تطيعونه في المنشط والمكره؟" فأجابه الرجال بصوت يماثل صوته العالي ،وهبوا إليه مصافحين ،وقالوا له:"إنا نبايعك أيها الشيخ على السمع والطاعة في ما نحب ونكره حتى نهلك ونموت". وتقبل الشيخ كلامهم بقبول حسن ،ونهض فتوضأ لما أن زالت الشمس ،وتبعه الشباب ففعلوا ما فعل ،ووقفوا خلفه صفاً كالبنيان المرصوص. واستمعت المرأة النائمة إلى تكبير الرب وتسبيحه خارج السقيفة ،فهرولت إلى الصوت الخاضع والجمهور الخاشع وركضت إلى إبريق الماء فألفته فارغاً وجزع قلبها الصادق فهي تريد أن تدرك الصلاة معهم ،وشاهدت أجساد الجنود المتلاصقة فآثرت أن تجلس خلفهم ، وانتظرتهم حتى قضيت الصلاة. التفت الشيخ إليهم وأبصرها وأبصر حزنها بقلبه ،فنادها أن لا تخافي ولا تحزني وقري عيناً ،فاضربي على الصعيد بيديك وامسحي بوجهك منه ،وقومي طاهرة فصلي لربك. وسعدت المرأة بالرخصة وقامت تصلي متباعدة عن القوم. وسأل بعضهم بعضاً من تكون المرأة ،وأخبروا بعدئذ أنها داخلة في دين الشيخ تكتم إسلامها. وتفرق الرجال بعد أن اتفقوا على بعض الأوقات يزورون فيها الشيخ ،وقالوا لبعضهم إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ،ولن تفلحوا إذن أبداً. فلزم كل منهم طريقا يسلكه.
صاحت المرأة بحارس الشيخ لما رأت الرجال غادروا ،فقالت:"أيها الرجل الغافل كيف تدل رجالاً مثلهم على مكان الشيخ؟ وما يدريك لعل أحدهم يحيك غلاً في نفسه ،ويريد أن يوقع بنا" قال لها بغضب استثارته ظنونها في رجال يعرفهم:"إني رفيق لهم ،وأنا من دعوتهم إلى الشيخ وإلى رب الشيخ" نظرت إليه المرأة بغضب ،فبادلها غضباً بغضب وقال لها وهو يوليها ظهره:"أسمعي ،لا تجلبي متاعك إلى هذه السقيفة غداً ،وانقلي ما فيها إلى الدار التي سأرشدك إليها" حدجته بنظرة تساؤل طويلة ثم رحلت ،ورحل.
اجتمع رجلان إلى أميرهما هادي في مقهى الجنود المزدحم ،واتخذ رجل سبيله إلى المجموعة التي تتحاور بلغة الإشارات الهامسة. حياهم بتحية الجنود لبعضهم خارج العمل وخاطب هادي بصوته المستكين الهادئ ،قال:"أيها الجندي لدينا طلب بحضورك ،يعتقد اشتراكك في شيء ما. يجب أن تصحبني لتبدد شكوكهم" وانقبضت عضلات وجه الحارس هادي بعد انبساطها إثر حديث بث أملاً مع صاحبيه ،وقام إلى الرجل وأشار لرفاقه أن يذهبوا قبله. سلك الرجل الهادئ بصحبة الحارس وسط المقهى حتى وصلا إلى مائدة في الهواء الطلق تجلس عليها امرأة عسكرية ورجل بدين. تفحصت المرأة بعينيها الضيقتين وجه الحارس الوديع ،ورحبت به للجلوس. أفصح الرجل البدين بعد أن انتظره الجميع أن يفرغ كوب قهوته ،الذي كان يتجرعه مصدراً صوتاً كريهاً ،قال:"أيها الحارس ،هل ترتبط بأية زمرة إرهابية ،هل تذلل لصديق ما طريقاً لا ترضاه الحكومة؟" تحفزت المرأة للكلمات التي سيخرجها لسان الحارس ،واتكأت على مرفقها في راحة نادرة. قال الأخير ببعض التردد:"لا أملك علاقات من هذا النوع ،إن وقت العمل انتهى وليس لديك حق لتحقق معي" قال البدين وشحوم وجهه تتهدل كلما أخرج عبارة من فمه:
- إنها المعلومات..المعلومات أخبرتنا أنك تحاول حماية أحدهم. وقد شوهدت تحادث سجانة تشرف على ممرضة مجرمة ،وبحسب ما أعرف فأنت حارس الشيخ ،إن في رأسي الكثير من التكهنات.
- تكهناتك في غير موضعها الصحيح ،أنا رجل شريف لا أخون عهد الوظيفة التي أتمنت عليها...
- وما تقول في حادث هروب الشيخ؟ كنت أحد الرجال الذين رافقوه إلى الحجز...
قاطعه هادي صارخاً وهو يدفع كرسيه إلى الخلف:
- كانت مسؤولية الجميع ،وعلى القائد يقع الحمل الأكبر...
هاج الرجل البدين أيضاً ،فرفع صوته فوق صوت هادي ،قائلاً:
- وردتنا معلومة مفادها أنك من صحبت الشيخ لبعض حاجته ،قل..قل وشى بك بعض صحبك.
نكس هادي رأسه في خضوع ،فلم يحر جواباً يسكت به الرجل ،تحدثت الثعلبة بسعادة قائلة:
- إنه ليس فطيناً كما أرى ،لم يخبرنا أحد رفاقك بشيء ،قد ابتغينا اختبارك فقط وها أنت تقر بالحقيقة. إنك تملك عقل الجندي الحقيقي ،عقل لا يفكر إلا بالطاعة ،أنت جندي ،أنت جندي!.
وقهقهت بصخب فنظر إليها الرجال من حولهم وتساءلوا عن حضور امرأة في مقهاهم ،ووقف البدين ورفيقه الهادئ وقال الأول للمرأة:"سنذهب الآن ". ورحل الرجلان بصحبة هادي إلى مديره الذي ينتظر.
رغب هادي ببعض السؤال لكن لسانه انعقد فلم يتحدث ،إنه مدرك لضعفه أمام السلطات وفي ذات الوقت عالم بالقوة الروحية التي تسيّر بدنه. هي المرة الأولى التي يدعى فيها إلى مكتب المدير المهيب ما سبقها غير مرة تقابل فيها معه ،في سنة عمله الأولى. قال المدير وملامحه متصلبة كدأبه في الحديث إلى الناس:"سجلك أبيض تماماً ،أي رجل هذا الذي تريده أن يأخذك إلى الهلاك؟" "أنت تعلم علاج الناشز في الجند ،يصلب على الوتد ويتوافد رماة الرصاص على قبره العالي" ثم أمسك عن لهجته المؤدِبة وقال لائماً:"ألن تدرأ عن نفسك بعض ما تهمتك به؟" أجاب هادي وهو يصد بعينه عن عين المدير:"أنا لم أفعل". طلب المدير دنوه منه ،وأخذ ذراعه بين كفيه ،وقال:"إنه سوار مسجل حديثاً لدى البوابات ،إني مضطر لاحتجازك حتى يردني مبدل للأمر". تيقن هادي أن جسده محجور هذا اليوم ،فجلس في كرسي الممر محبطاً يفكر. عبر به بعض الأشخاص وحدقوا في سواره في استغراب ،وجاوزه بعضهم دون أن ينظر إليه. واصفر لون الشمس الذي تلاعبه ظلل الأشجار فوق قدميه ،وخلا المكان إلا منه ورجل يحمل مكنسة في يده وعدة تنظيف. وسكنه شعور أرعش أصابعه وهو يرنو إلى جذع الشجرة الطويل من النافذة أمامه ،ويتخيل نفسه مصلوباً تأكل الطير منه.
لقد ورد على مكانه عشرات الرجال الذين أيقظوه من غفوته ،بعضهم يأمر وبعضهم ينهى ولم يفهم من ضجيجهم إلا أنهم في معترك لا يدرون أي سبيل ينفذهم منه. غادروا وهو راقد على الكرسي البارد يريد الخلاص من أوهامه التي صدقت إذ سمع رجلاً يصرخ:"إن الإرهابيون في الجهة الشرقية من المدينة قد حدد الرجال موقعهم بالضبط ،إنهم يحتمون بمنزل قديم". وانتفض الحارس من مقعده وسأل الرجل ببعض الغلظة:"من تقصدون يا رجل؟" نظر إليه الرجل وإلى سواره بارتياب ،وقال:"إني أحدث الجنود. هل أنت موقوف أو ما شابه؟ إننا في منتصف عملية مهمة". وترك هادي الرجل والرجال وراءه ،وكره صورة السوار في معصمه وتمنى لو ستره ردن طويل ،ومشى خارج المبنى نحو آخر نقطة ينفجر بعدها السوار ببدنه ويلقيه أشلاء متناثرة. أخرج من ثيابه خنجراً صغيراً وأقره على يده. إن السوار حساس للمعادن التي تقترب منه ،فقد أبعد الخنجر عنه إلى منتصف ذراعه ،ولم يصدر الجهاز أية أصوات أو تنبيهات ،وبدأت روحه الحرة تطلق دما ثائراً في جسد حبيس ،وتحفزت يمناه لتقتل يسراه وشخص بصره ،وتشنج جذعه ،ودفع بالسكين فجرحت وسكبت دماً ودفعها فزاد سيلان الأحمر وصرخ بأعلى صوته حين كانت يده تلفظ الأنفاس الأخيرة. وعلم بعض البعيدون ما يفعل ،فهرعوا إليه وهم يتساءلون ،ووقفوا على المكان فما وجدوا غير رائحة الدم ،ويد حبيسة. انطلق الحارس إلى محروسِه بكل السرعة التي تصلها سيارة عسكرية بغير علامات ،ويد واحدة تحرف دفتها صوب قارئ الكتاب ،وترك مركبته وراءه هابطاً تلالاً صخرية تفصله عمن يحب ،وطوى الأرض النجد بوثباته العالية يغطي جانبه الأيسر دم يتناثر من جرح يده ،أضحية روحه الحرة.

إلى الفصل التاسع بإذن الله












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

سأحلم بالرجوع معاً حماماً.....أمام الشمس في اليوم الجديدِ

عرض البوم صور حلم ينتظر   رد مع اقتباس
قديم 18-10-2011, 05:20 AM   المشاركة رقم: 17
المعلومات
الكاتب:
حلم ينتظر
اللقب:
نبع صافي

 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 رقم العضويـة : 6268
 مجموع المشاركات : 45
 بمعدل : 0.01 في اليوم
  العمر : 36
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حلم ينتظر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حلم ينتظر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

ترقبوا قريباً الفصل التاسع بإذن الله..












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

سأحلم بالرجوع معاً حماماً.....أمام الشمس في اليوم الجديدِ

عرض البوم صور حلم ينتظر   رد مع اقتباس
قديم 25-10-2011, 09:15 PM   المشاركة رقم: 18
المعلومات
الكاتب:
حلم ينتظر
اللقب:
نبع صافي

 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 رقم العضويـة : 6268
 مجموع المشاركات : 45
 بمعدل : 0.01 في اليوم
  العمر : 36
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حلم ينتظر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حلم ينتظر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

السلام عليكم
أحيي كل المتابعين

وهذا الفصل التاسع من رواية آدم

أرجو منكم التفاعل

(الفصل التاسع)
تحلق الرجال الستة حول الشيخ في سكون شديد ،واعتزلتهم المرأة إلى كثيب قريب ،توحي صوت المحدّث وأسئلتهم وتحرسهم بعينها وتسمع الطير البعيد. كان الشيخ يلقن اثنين منهم كلمات التوحيد ،والدخول في دين الله الذي بلغه محمد ،وهتف الرجال مسرورين بالنعمة التي نزلت على صاحبيهم ،وابتسمت المرأة ونهضت تنفض التراب عن ثوبها ،إذ جاء الغسق بواجب العمل. وأبصرت مركبة تتجه قبلهم تحت غيمة سوداء كبيرة ،وضيقت جفونها أكثر فلاحظت مشاة يسبقون الركبان يسيرون في مناحي متفرقة. هبطت من عليائها وهي تصرخ بالرجال:"عليكم أسلحتكم ،قد أتى موكب مقاتل" ولم يصنع الرجال شيئاً ،فصرخت بهم مرة أخرى فتلفتوا حائرين ،واتخذ بعضهم سلاحه ،وتوكأ الرجل المسن على عكازه الذي غاص في الرمل وقال للمرأة:"هوني عليك ،لن يجديك الصياح" ثم التفت إلى الرجال فقال لهم:"انتخبوا أحدكم يقود المجموعة ،واصبروا واثبتوا فإنكم حزب الله ،ألا إن حزب الله هم الغالبون" وعين رجل منهم نفسه أميراً على الرجال وراقب الوفد القادم وهو يشد على سلاحه. قالت المرأة بغضب:"ذلك الرجل إنه يجمع الرجال حوله بغير انتباه ،لقد كشفونا بسببه" أجابها الرجل وهو ينظر إليهم خلال منظار بندقيته:"إنهم أكثر منا ،لا طاقة لنا بلقائهم". واستعدت سيقان الرجال للهرب وحثهم الشيخ أن يلزموا أميرهم الذي قال بصوت أعلى:"جهزوا أنفسكم للهرب يا رجال ،وليحمل حسن الشيخ"ووصلت الغمامة الكبيرة وسترت الجمع عن الجمع الملاحِق ،وتأبطت المرأة مدفعها وجرت خلف الرجال. كان الكهل مدنياً لا يعرف العدو السريع لأمتار كثيرة كرفاقه ورفيقته ،وتجلطت الدماء في باطن قدميه فتأخر عنهم مسافة طويلة. تفقدت المرأة رفاقها وقالت بدهشة:"مالي لا أرى الكهل أم كان من الغائبين؟" وانتبه لها الأمير فارتدا على آثرهما قصصاً فوجداه قائماً يتخبط في ظلام الصحراء الشاسعة. قدم الأمير ظهره رَكوباً للمدني العاجز فامتطاه من غير سؤال ،وسار الثلاثة أقرب للجري يقتفون سبيل رفاقهم والشيخ. تبادل الجند جسد الشيخ وعاد الكهل ماشياً بعد استراحته القصيرة ،وكان القوم يقيمون ساعة ويسرون الساعة التي تعقبها ،وبلغ النصب بهم كل مبلغ وغشّت عيونهم سحائب النعاس والغفلة ،قالت المرأة لما أحست فتورهم ،وقلة وعيهم:"أيها الرفاق دعونا ننزل في المكان هاهنا ،فإني لا أجد للتابعين ريحاً ،دعونا نريح شيخنا ونحل عن الوسط هذه المدافع الثقيلة" واستحسن الأمير فكرتها ،وكان بوسع الباقين أن يلقوا أجسادهم على الرمال ولا يحركوا شفاههم بأية كلمة ،وخلع حسن سترته فدثر بها الشيخ ،وجلست المرأة والأمير ساهرا العين يعسان المكان في كل قطع من الليل ،قالت له بصوت مسح حباله عطش شديد:"فماذا نفعل في الغد؟ نحن قضينا مسافة طويلة ،ولا نحمل على أكتافنا ميرة المسافر" أجابها وهو يرقد على الأرض الدافئة:"ليست لي معرفة بهذه البراح القصية ،ماذا لو تفضل علينا رب الشيخ ،أليس يرانا ويعلم حالنا؟؟ لعلنا نشبع ونرتوي بمائدة ينزلها من السماء.." قالت شاردة بنظرها في تفكير:"لا أعتقد الأمر يتم بهذه الطريقة..إن أريد إلا بئراً تبل عروقنا وصيد بر سمين" رد منكراً ببعض الغلظة:
- وما لذي يمنع نزول المائدة وفيها ما تقولين؟
- إنه أمر أشبه بأسطورة قديمة ،أو وعد ساحر. إن الله لا يشابه فعلهم ذاك.
- إنه كرامة وجزاء حسناً لعباد أخرجوا من ديارهم لأنهم آمنوا به..هل يجزون إلا الحسنى.
وأقامت المرأة صلبها وخطت خطوتين ،وحدثته بنبرة ختامية:"إن أفضاله غمرتني حين كنت كافرة به ،لما أخرجني أبي من منزله ،إني مؤمنة بفرج قريب لكنه لا يبدو كما تقول " نظر إليها الرجل وهي تعتلي نشزاً صغيراً ثم نظر إلى السماء الدهماء فوقها راجياً رؤية النجوم ،ثم انتفض لما أتته المرأة مسرعة وهي تلقي وحياً هامساً إليه:"إنهم خلفنا أيقظ القوم ،يجب أن نهرب قبل أن يجدونا ،أسرع" وعوت سباع من مكان قريب ،وانقلبوا إلى النيام يريدون إيقاظهم ،فبصر بهم سبع كان يتشمم الجثامين الملقاة تحت قدميه ،ثم تولى عنها دون أن يطأها وواجههم مباشرة. تحفز إصبع الرجل للإطلاق ،ونهته المرأة معللة سماع التابعين صوت الرصاصة ،واقترب السبع مكشراً عن أنيابه مخرجاً غضباً هائلاً من صوته وعينه الضيقة. وتراجع الحارسان وأمر الرجل المرأة أن تسري مع القوم ولا يلتفت منهم أحد إنه مطلق على المفترس ومتصدٍ لملاحقي الصوت خلف التلال ،واستمعت المرأة لأمره وأذعنت ،ونهض الرجال على عجل وهربوا واستمعوا للرصاص يرمى من ورائهم ،ولحق الرجل الأمير بهم وهو يصيح:"قفوا عندكم إنهم يحاصرون المكان". وأزجى القوم الذين اتَبعوا للذين أتُبعوا رصاصتين صاح بعدهما صوت تحذيري من أحد التلال:"سلموا أنفسكم أيها الإرهابيون دقيقة ونفجر المكان" فأصاب الرجال هلع وأسقط في أيديهم وهم الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلاً ،وبال الكهل في ثوبه من غير بلل ذلك أنه عن بطن لا يختزن الطعام ولا الماء ،وارتفع صوت الشيخ ينفث العزيمة والطمأنينة فيهم ،قال:"أيها الرجال ،إن ربكم يطلع عليكم ،إنه يختبركم ،فاصبروا واثبتوا ،أيها الرجال من يعش منكم منتصراً فذلك خير ،ومن يمت منكم مقتولا فذلك الشهيد وله من الأجر قراب هذه الصحراء والله يضاعف لمن يشاء. من يرد منكم اليوم أن يلقى ربه الذي أحدثكم عنه في الليل والنهار ،من يرد ذلك ،من يرد ذلك! إن كنتم تحبون الله ورسوله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم" ثم أشار للأمير أن يقود المعركة وبدأ الجند من خلفهم يذرؤون الرصاص ويرمون القنابل ،وانفجرت إحداها قريباً من الجند المهاجم الذي يحرس الشيخ وأعوانه الهاربون. صاح الأمير بالرجال الثلاثة خلفه وهو يتجلى للعدو ويشير لربعه بسلاحه:"إن كنتم تحبون الله ورسوله فاتبعوني يحببكم الله" فأجابته المرأة المولية من البعيد:"وددت لو أكون معكم ، لكن..امتثل لأمرك أيها الأمير. غطِ بطيورك الفرجة التي سنخرج منها" وابتسمت ورأى ابتسامتها تحت لهيب النيران وكشافات العدو فابتسم لها ابتسامة واسعة وأخذ يحرس إسراءهم. كان ورجل معه يحتمون ببنادق الرجلين الآخرين خلفهم ،وسد رشاش الرصاص سمعه وسمعهم فقال بصوت أيقظ أهل المدينة:"أيها الشيخ إنني مسلم لربي ،أليست التوبة لا تقبل إذا بلغت الحلقوم ،فإني أشهدك أنني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ،إلى اللقاء أيها الشيخ!" وسمع الشيخ الساري شهادته وأنصت لشهادات زملائه من بعده ،ثم غابت صيحاتهم وهدير رشاشاتهم بابتعاد رهطه عن موقع التشابك إلى بسيطة هادئة. وعجز الكهل عن المسير ثانية ،فاستند إلى المرأة الجندية ذات البنية القوية ،لكنها تباطأت عن صاحبها وحمْله الشيخ ،فعرض عليها أن تهتم بالشيخ وتذر الكهل البدين يرتاح عليه ،ففعلت وانتقل جسد الشيخ الهزيل إلى ظهر المحارِبة.
لقد ظهر الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ،فأناخ القوم في أرض صخرية ،وقرأ الشيخ بمن معه بصوته المطَمْئن:" فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ" وانحنى جسده ،ثم قام من ركوعه فأتم الكهل والمرأة من خلفه صلاتهم ،وسلموا وتسلموا مركز الحراسة من الجندي الحارس ،فوقف يمين الشيخ وركع معه ثم أتم صلاته بمفرده وألقى السلام مع الشيخ القاعد على الأرض ،ثم قام إلى أصحابه وقد أظهر ملامحهم نور الصباح. تخير الجند بقعة تظللها صخرة عالية واستندوا إلى قساوتها مقبلين على يوم عصيب. وتلا الشيخ على الأجساد الصريعة آيات الكتاب يحيي أفئدتهم بها ،وإن صوته ينقطع حين يغادر البلل فمه:" إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" أرادت المرأة أن تحرك لسانها بحديث ،وابتغى الرجل الراقد أن يعلم ما لتوراة ،ونام الكهل على كلمات الشيخ بملء جفنيه ،وسكت فو الشيخ عن الحديث وسقط رأسه على الأرض وتخضبت لحيته البيضاء بلون التراب ،وفجعت الجندية فهبت إليه وحطت راحتها على جبينه وقالت للجندي بكلام ليس يتضح من بين شفاهها اليابسة:"إنه محموم ،والآخر محموم أيضاً ،إنني لا أبصر جيداً ،هل تسمع ندائي يا حسن؟". ولم يجبها جثمان الرجل بكلمة ووقعت على الأرض وهي تشاهد سراب الماء أمامها ،وأرادت أن تقعد فلم تقدر فراحت تلعق بلسانها النبع الوحيد الذي لم يجف في بدنها ،وكان مالحاً زادها عطشاً على عطش ثم توقف بعد برهة ،وغلت مقلتاها ورمدتا كالجمر ،ولم يبق في أناملها قوة لحت الحصى عن وجه الشيخ ولحيته ،فبكى قلبها. قلب عسكري تحمله رفيقة بين أضلاعها الاثني عشر ،قلب ضامر من كثير مشاهدة العذاب والتعذيب ،قلب عليه أكنة فلا يتنفس ،قلب ميت. وقد رفع غطاءه ما سمعت من العلم و أدهق رهباً ورغباً في مد عاطفي مدهش ،يجعل جسدها الذي عافته السباع يزحف بحثاً عن الحياة. في وعي عقلها وحواسها نصف جهل ،تم بعد يوم ونصف ليلة ،فبكرت في جهل كامل ،في باحة ما فيها شجرة واحدة تتخذ في رقدتها هيئة جنين ،وتبتعد شفتاها عن فرجة تحلم بالماء..أو قطرة منه. في المكان غير بعيد عنها ،يضطجع جثمان الحارس هادي في عطش إلى الدم وإلى مجري الدم ،يعتقده الرائي كبش ذبيح سلبه الذئب يده.
في الفجر التالي ،شيء لأحدهم أن يحيا ،ويلحق بأثر رفاقه مثقلاً ظهره بزاد كثير. كان يضع قدميه في أثر حذاء الجندي تماماً ،إذ كانت أخاديده واضحة لم تدفنها الرياح ،ولم تطمسها أيادي العابثين. سار الرجل ببطء شديد يسقط تارة وينهض تارة ،ويهرول بإذن من ضعفه تارة أخرى. وفي وسط الأثر ،على مد البصر ،كانت كومة بشرية متعفرة ،ليس لما يواري سوءتها لون معروف. واقترب هادي منها وعرف هيئتها الضخمة وشعار ثوبها ،وعلتها التي أودت بها إلى هذا المنظر. وأرساها على ظهرها وقطر على لسانها الظاهر من قربته. وتحرك لسانها بشدة يلحس أصابعه فسكب المزيد ،فحيت أطرافها هذه المرة وهجمت على مصدر الماء ،فشل حركتها بساقه وضعها على صدرها ،وشق تمرتين وغمر الأجزاء الأربع بالماء ،ثم أغطش بياض خرقة من القطن في الماء الأسود. وعصر الخرقة في فيّ الظمآنه وسقاها الفرات رويداً رويداً. واختار أن يتفيأ وإياها ظل العوشز على البقاء في الرمضاء تحت الشمس ،ونطقت بعد أن عاد ريق فمها ،وسألت:"هل أرسلك الله إلي؟ تبدو هالكاً أو على شفا جرف من الهلاك" أجابها وأنفاسه تعلو صوته المتعب:"كيف حال القوم؟ ولم أنت منفصلة عنهم؟" قالت وهي تنحني لتنهض:
- إني ذاهبة إليهم ،إنهم هالكون.
- تريثي حتى تبتل عروقك ،لن يسعف المريض مريض.
- إني أتيت زاحفة ،فأي أثر سأتبع؟ ما يكون إن أضعت مكانهم؟
فقام وأعاد وزره إلى كاهله وسارا في جهة معلومة ،بدراسة موضع الشمس ظهر غادرت المرأة ،وأقرت أن السطوع كان أمامها ،فمضوا إلى الشرق مفترضَين أنها لم تنحرف إلى قبلة أخرى ،في زحفها ولم تبتعد. وكانا يسندان بعضهما البعض مشياً على القدمين أو على أربع ،ومرت لحظات قطعاها بالزحف على البطون ،وبدا لهما بعض متاع القوم وهرولت هي إلى الصخرة حيث تركتهم تحتها ،ونفر خفيفاً إلى صحبه ،وأنعشهم برودة معينه فثارت أجسادهم ،وصاحوا صيحة الوليد حين يقدم للدنيا ،ويضرب الهواء حباله الصوتية لأول مرة في حياته. وحين وعى الشيخ طلب إلى المسعف أن يسقي الرجلين أولاً ثم يأتيه بالباقي ،وأقبل الرجلان على الماء الذي امتنع عنه الشيخ فشرباه عن آخره ،وأتيا على الطعام فلم يبقيا ولم يذرا شيئاً. ودعي الشيخ إلى الطعام فلم يجبه ،وسجد ،وتحدث إلى ربه الذي سقاه وأطعمه يشكره على فيض فضله. وسجد صحبه الذين يتمثلون قوله وفعله ،وشوهد سجودهم من طيار عسكري ،على متن السحب يظن بأنه الأعلى وأن الساجدون ،هم الأرذلون. حام بطائرته فوق رؤوسهم المطلعة إليه ،بنظرة تخوف وترقب سوء ،وتحدث هادي بصوت مرتفع يأمرهم أن يستتروا بظلال الصخرة ،ولكن المدد الجوي القادم من البعيد أخبره أن العدو يقصد مكانهم بالضبط ،فسار بصحبه إلى ناصية ليست معلومة إلى مصير مجهول. قال بصوته الجهوري :"يتعين علينا أن ننفصل ،فسيروا في الأرض حتى تلقوا منحدراً توارون فيه خبركم" وقبض على ذراع رفيقة وابتعدا عن الصخرة ،وعن أصحاب الصخرة. وراودت خطواتهم عيون الطيارَين فوقهم ،فخفضت الطائرتان مقدمتيهما واستعد أربعة من الجنود للهبوط منها على سلم تطير به الرياح ذات اليمين والشمال ،فقال هادي للمرأة وهو يرفع سلاحه:"سأكفيك الرجلين هنا ،وأنت اكفنيهم هناك" وتقابلا بالأدبار وصوب كل منهما على صيده. استطاعت الجندية أن تنال من الرجلين المعلقين في الحبال وأن تفادى طلقاتهم ،لكن الرجل باليد الواحدة لم يرسل نيرانه جيداً ،واهتز السلاح الثقيل على كتفه فطاشت رصاصاته وأصيب ذراعه المصاب ،ولم تتلقى المرأة تدريباً كافياً لتسيطر على هذا الموقف ،واختارت توفير الطلقات لأجساد البشر الذين أحاطوا بهما كزوايا مربع ،وأجبر الاثنان على الاستسلام فرفعا أيديهما وأطاحا بالسلاح ،ولم يحتمل ذراع الرجل أن ينتصب فرفع يداً وحيدة خلف رأسه. كبل الجنود أسيرتهم بالحديد وعاد الوثاق إلى ساعد الرجل الحرة. وجف قلب المرأة من الرهب في اقتراح ورد ذهنها أن ما أصابهم هنا ،أصاب القوم هناك ،وتمايلت على المصعد من الضعف ،وهددها الرجل المرافق لها واضطر ثلاثة منهم أن يمسكوا جسدها الثقيل ،الغائب عن الوعي. وتناهى إلى سمع هادي صوت السيارات المصفحة وأقدام الجنود الذين تهافتوا عليهم ،يرفعون شارة النصر. قال الرجل الذي يحرس هادي لرفاقه:"ليست السماء جيدة هذا اليوم ،من الأفضل لو عدنا مشاة". ولم تمهله السماء ليكمل تكهناته وأرسلت تحذيراً قطرات مطر ونضحت في وجه الغافية الماء ،ثم صفقت غمامتان فوقهما وتعانقت خطوط بيض دون حياء كشعب قارورة ،وتجمع السيل تحت أقدامهم ،وصرخ الطيار أن يركضوا ،فكأنما أوحى نداءه وعي الحارس والجندية وحاول الجند أن يلحقوا بهما ،غير أن الأرض الصخرية مهدت للهارب سبيل الفرار ،وزلقت أقدام الملاحق في رمضاءها المنخفضة فعاد فلول الجيش إلى المدينة يبتغون سلماً من غضب السماء أن تساءلهم عن مبكي غمامة الصيف.
قطع الهاربان الدرب القصير الذي يفضي إلى مكان افتراق الرفاق ،وعظم على سيقانهما المتمايلة عزوف اليدين الموثقتين عن دعمها ،فوقعا على ركبتيهما مرة أو مرتين في الأرض المبتلة ،فتناثر على وجهيهما من الماء. قالت المرأة وهي تبصر كهفاً في جبل قريب:"إني أجد معتزلاً جيداً" أجابها هادي بصوت غاضب:"وما يجدينا المخبأ إن غاب المخبّأ؟". "سنجدهم ،إن الذات الكبرى معهم" قالت بنبرة وثوق. قال لها وهو يضع كفه فوق عينه:"لعل الصيب خيل لك الصورة ،لو وجد فهو سقف جيد يمنعنا من المطر". وسلكا فجاً إليه وارتقياه بخفة الجنود والتفتا إلى الشق بين الصخور ،وضرب هادي بكعب حذائه بقوة ،ثم دخلا وجلسا قريبَين من بعضهما. وأخذتهما سنة بعد الذي اعتراهما من الوصب ،وتيقظت لواحظ الجندية بعد مدة فأيقظت رفيقها وأدركا أن سواد الليل غمر المكان. قالت رفيقة وهي تنهض:"إني أحس نشاطاً في بدني لا أدري له سبباً". نهض بدوره وخرج ،فلامس أنفه ريح الثرى وهبطا الجبل من الموضع الذي صعداه أول مرة ،وجالا حول المكان الساكن بخطى وئيدة.
"إن الله أنزل من السماء ماء وأرسلك بزادك إلينا ،فماذا سأطلب غير هذا. لابد أن الجندي حسن هناك قد علم مرادي وشكر ،قد رزقنا بالمائدة" قالت بنغم ساكن. وتبسم هادي ولم تر ابتسامته في الظلام ،قال لها:"إن فؤادي مطمئن والقوم فارقونا إلى مآل لا نعرفه. أجد هذا غريبا" ردت عليه بصوت هادئ مستقر:"لأنهم بخير ،أحبابنا في صيانة الله".وضربت الرياح صدورهما وحملت هواء الحرية إلى القيود التي تبرق خلف ظهريهما ،فتحرك القيد عن اليد الذبيحة وصرخ الرجل قائلاً:"لقد نجحت ،لقد نجحت!". وابتسمت المرأة جواره برقة ،وأخذ القيد يهتز خاوياً على ذراعه اليمنى.
إلى الفصل العاشر بإذن الله












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

سأحلم بالرجوع معاً حماماً.....أمام الشمس في اليوم الجديدِ

عرض البوم صور حلم ينتظر   رد مع اقتباس
قديم 30-10-2011, 07:00 PM   المشاركة رقم: 19
المعلومات
الكاتب:
سارة سعد
اللقب:
نبع جارف
سارة سعد
نبع جارف
 
الصورة الرمزية سارة سعد

 تاريخ التسجيل : Jun 2011
 رقم العضويـة : 6026
 مجموع المشاركات : 602
 بمعدل : 0.11 في اليوم
 معدل التقييم : 18
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
سارة سعد غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حلم ينتظر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

أسلوبك ممتع حقا لقد استمتعت بها












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

يؤلمنى فراق الأصدقاء ويجعلنى اندم فلا تفارقونى

عرض البوم صور سارة سعد   رد مع اقتباس
قديم 01-11-2011, 10:00 PM   المشاركة رقم: 20
المعلومات
الكاتب:
حلم ينتظر
اللقب:
نبع صافي

 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 رقم العضويـة : 6268
 مجموع المشاركات : 45
 بمعدل : 0.01 في اليوم
  العمر : 36
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حلم ينتظر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حلم ينتظر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

أشكرك كثيراً

وأتمنى أن تتابعيني حتى النهاية ،بإذن الله سأمتعك أكثر..

شكراً للجميع












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

سأحلم بالرجوع معاً حماماً.....أمام الشمس في اليوم الجديدِ

عرض البوم صور حلم ينتظر   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026
إستضافة و تطوير براقما
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi
كل مايطرح في المنتدى مسؤلية الكاتب فقط وليست للإدارة أية مسؤلية