|
|
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
لوحة التميّز الشهري (قريباً) |
||||
|
|
|
|
|
|
|
قريبا |
قريبا |
قريبا |
قريبا |
قريبا |
![]() |
| آخر 10 مشاركات |
| مختارات |
|
|||||||
| يحكـى آنـ هـمّـسٌ رِوائـِيّ , وقـِصـِة قصيـِره , وأعذب مامرّ على الأزّمـَان ! |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
المشاركة رقم: 11 | ||||||||||||||||||||||||
|
كاتب الموضوع :
حلم ينتظر
المنتدى :
يحكـى آنـ
شكراً لكِ أختي ،ويسرني أن تكوني متابعة لي في قصتي ,
|
||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||
|
|
المشاركة رقم: 12 | ||||||||||||||||||||||||
|
كاتب الموضوع :
حلم ينتظر
المنتدى :
يحكـى آنـ
مرحباً بكل المتابعين الأوفياء
|
||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||
|
|
المشاركة رقم: 13 | ||||||||||||||||||||||||
|
كاتب الموضوع :
حلم ينتظر
المنتدى :
يحكـى آنـ
هل من أحد يتابع ؟؟
|
||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||
|
|
المشاركة رقم: 14 | ||||||||||||||||||||||||
|
كاتب الموضوع :
حلم ينتظر
المنتدى :
يحكـى آنـ
أجدد الترحيب بجميع المتابعين الأوفياء الفصل السادس) إن المشاهد الطبيعية الرتيبة ،التي يراها المرء في كل ساعة في يومه ،تصبح محببة ومشوقة إلى نفس من أبلغ أن هذا آخر يوم سيراها فيه في حياته. يصاب بعض الناس بالعمى ،وينفذ على بعضهم حكم الموت ،وقسم آخر يوارون خلف حجب تفصل بينهم وبين ما يحبون. فأما من كف بصره ،فإنه يعيش في ظلام سرمدي في وضاءة من ذكريات. وأما من فقد روحه فهو في جدثه في حياة برزخ لا يمكن أن يصفها حي. أما القسم الذين قضوا عمراً في السجون فيصبحون ويضحون ويمسون بصور أعمدة صدئة ،وجدر بلون الزمان ،ووجوه عليها قترة ،ترهقها غبرة ،لا يملون الصراخ ،ولا يكلون من التعذيب. فأنى لمن عاش بين هذه الحجب البشرى بذكرى ماضٍ ،أو الحلم برؤية مستقبل!. سلم الضابط الضخم مديرة السجن ،مفاتيح وثاق الممرضة ،وخاطبها قائلاً:"ننتظر الاعتراف بفارغ الصبر". أجابته وهي تأمر سجانة أن تفتشها في غرفة جانبية:"هل تعني أن نزيد من جلسات التعذيب؟". "ذلك ما عنيته". أجاب وهو ينظر في وثيقة تدخل كلماتها إلى شاشة عريضة ،امرأة على مكتب صغير. خرجت الممرضة ترتدي لباس السجن القاتم ،وخاطبت السجانة مديرتها فأبلغتها أن الأمر قد تم. تناولت المديرة سيجارة فأشعلتها وقدمت أخراً للضابط ورجليه ،ثم نفثت دخانها عالياً وقالت:"هل من شيء آخر؟". أجابها الضابط وهو يهز السيجار بين أصبعيه:"ألا يمنع التدخين في هذا المكان ،أيتها المديرة؟". قالت وهي تشير بيدها بغير اهتمام:"لا تكن متشدداً ،لا أحد يعلم..فضلاً عن أن السجينات يزعجن شعورنا فنضطر لمثل هذا". ابتسم المحقق بسخرية وقال:"إني أريد أن أدري كيف تجري اعترافات النساء للنساء تحت سياط العذاب!". ثم لوح لها بيده وغادر ورجاله تاركين خلفهم صوت خطواتهم الثقيلة. دب الذعر في قلب الممرضة مع آخر صدى لخطوات الرجال ،ونظرت إليها المديرة بكثير من الفضول ،قالت:"أعتقد أن الاعتراف سيكون جاهزاً بعد جلستين من الآن. يظهر لي أن هذا الوجه الرقيق لن يصبر على أكثر من هذا". ثم ساقتها سجانتها إلى زنزانة بعيدة في طرف منعزل. قالت لها وهي تدفعها من قفاها إلى الداخل:"توجد رفيقتين بانتظارك". ثم ابتسمت بسعادة شامتة وقالت:"سأسعد بمرافقتك صباح الغد". دخلت الممرضة إلى الزنزانة وسمعت الباب يوصد خلفها ،وفكرت للحظة في سجانة تستمتع بالتعذيب النفسي لسجيناتها ،ثم ألقت نظرة طويلة على ما حولها قبل أن تجلس في أقرب زاوية مظلمة. نظرت إليها رفيقتها السجينة نظرة فضول مفضوحة ،ثم قالت لها بلطف :"أنت نزيلة جديدة؟ أتمنى ألا تطول إقامتك هنا". أجابت الممرضة باقتضاب:"شكراً لك ،أتمنى أن تخرجي باكراً أيضاً". ردت بسرعة:"أيه..إني مقيمة هنا منذ أمد ،فالمحكمة تؤجل النظر في قضيتي كلما آن أوانها". نظرت الممرضة إلى امرأة نائمة بعمق في وسط الزنزانة ،ففهمت المرأة الأخرى مرادها فابتدرتها القول: - هذه..إنها هناء ،واسمها كما ترين لا ينطبق على حياتها مطلقاً. إنها تنام في النهار وتستيقظ في الليل ،وهي نادراً ما تغادر فراشها. - لأي شيء هي هنا؟ - إنها أم لثلاثة أطفال وقد قتلت أحدهم في الخريف الماضي. يقول الناس أنه مشاكس ،وأن تصرفاته أثارتها كثيراً. يقولون أنها تعتقد بوجود شر مستطير داخله وأنها لطالما رددت ذلك. نظرت المرأتان إلى المرأة التي انقلبت إلى جانبها الآخر ثم تحدثت رفيقتها فقالت وهي تنظر لساقيها الممدودتين أمامها:"أما أنا فقد حبست بأمر من أبي".سألتها الممرضة بلهفة: - ماذا تعنين بهذا؟ - إن..إن والدي هو نائب المدير هنا ،وقد انزعج من أسئلتي التي تهدد الأمن بحسب نظره. قال لي إن أفكاري غريبة وأني شخص خطير. وأنذرني أن السجن موعدي إن لم أتوقف عن هذا الطرح. - كيف يفعل أب بابنته مثل هذا؟ - لا تستغربي يا صاحبة السجن ،فهناك آباء مخلصون لأبنائهم ،كما هنالك آخرون مخلصون لسادتهم. لقد ارتفع صوت جديد هذه الأيام وكل علية القوم في المدينة يعملون لإزهاقه. - ما هو العلم الذي انتشر؟ - كتاب يقول أن لأبداننا خالق ،وأننا جميعاً صائرون إلى فناء ،وأنه لمبعوث من في القبور. - وهل كنت لمثل هذا تسألين؟ - نعم يا صاحبة السجن ،لم أكن وحدي الحائرة ،لقد اتبع ملتي آخرون ،وقد اعتقل من اعتقل ،وسرح من سرح. لتجدين الذي يجوبون المدينة بسياراتهم الفارهة كل ليلة ،في فراغ يملؤه جهل ،وفي غنى يفتقر لعلم. إن أبي يعتقد أن حياة السجن ستصد فؤادي عنه ،إنه لا يدري أن قلبي يزداد تعلقاً به ،وأنه إن كان صنع شيئاً فهو منحني هذا الوقت الطويل للتأمل الهادئ ،والتفكير المتزن. يا صاحبة السجن هل تعرفين الذات التي أعني؟ إنها ليست بشراً أو حيواناً ،قد تدهشين إذا قلت لك أني لا أعرفها ،وأجد أنها أكبر مني بكثير. تأملت الممرضة في وجه الفتاة وقالت لها: - مازلت في عمر الزهرة ،هل أنت في السادسة أو السابعة عشرة من عمرك؟ - إن لي سبعة عشر ربيعاً ،عجباً كيف علمت ،أما تلحظين آثار الخريف على وجهي؟ - إن لك وجها ينضح بالصبا البشوش ،إن الذي تعتقدين بوجوده ،إني رافقتك لأني آمنت به. تحركت الفتاة على ركبتيها نحو الممرضة وأمسكت برأسها بين راحتيها ،وقالت بحماسة: - هل لديك بعض العلم ؟ يا صاحبة السجن ،بشريني!. أنزلت الممرضة يدي الفتاة ،ورفعت ساعديها إلى رأسها ،وراحت تحل بعض العقد في شعرها ،وسقطت ورقة مصفرة مطوية ،التقطتها الفتاة وراحت تبسطها على الأرض باهتمام ،وسقطت ورقة أخرى ،تلتها أخرى ،ثم ركعت الاثنتان على الأوراق المفروشة على الأرض ،وأخذتا تلاحقان الكلمات المتلاصقة فوق سطوحها. تحدثت الفتاة بعد ساعة من التحديق فقالت بتأثر:"إنه هو ،من قال هذا الكلام ،إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة ،وإن خبره لا يجدر بإنسان أن يعلمه ،ولا لشاعر إن يكتبه ،لأنه من عنده وحده ،إنه هو". ثم ارتعدت فرائصها وتحول لونها إلى الأزرق ،وطبطبت على ظهرها ،الممرضة وقرأت ملحنة بصوتها الرقيق: "تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً ،الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً ،واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يُخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً ،وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم ءاخرون فقد جاءوا ظلماً وزوراً ،وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً ،قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفوراً رحيماً". ولجّت الفتاة في جزع وصياح ،وأخذت تضرب برأسها الأرض من الانفعال. في هذه اللحظة كانت نفسها تصرخ وعقلها ينبهر وروحها تنتحب. لقد استولى عليها ذهول عنيف وأسكرتها كلمات سطرت على ورق بال مصفر ،بمداد قد تغير لونه ،ولكن الذات الكبرى لا مبدل لكلماتها ولا محول ولا مغير. ولقد اعترتها برهة من سكون ،وكانت ساجدة بين يديها الصحف ،ورفعت رأسها فقالت باطمئنان:"إني أجد روحي هدأت ،يا صاحبة السجن ،عندما يلامس جبيني الأرض". ثم طوت الصحف باهتمام وقالت:"يا أيتها البشيرة ،أتوسل إليك أرشديني لمن وهبك هذه الألواح". أجابت الممرضة وهي تعيدها إلى رأسها:"لا تتوسلي إلي ،أيتها الروح السامية ،لقد أخبرني البشير الذي منحنيها لا أتذلل إلا لذات من أنزلها. يا وزيرتي في أمري إنه مستور في غياهب الظنون ،وورثت منه بعضاً من علمه. إن الأحرار سيحرررونا وسيقيمون دين الذات التي أنت بها مؤمنة". واتصلت أبصارهما تتعلق بحديث ،واجتمعت أكفهما تؤكد ميثاق الوزارة ، سيبصرون العذاب الأليم ،قطعاً سيلحقهم الأذى ،عندئذ ستؤنس أرواحهم بعضها ،أرواح مؤمنة برب وحيد. و أصغيتا لصوت امرأة تدفع عربة في الممر ،وصرحت الفتاة وهي تقفز من فراشها:"هذه المأمورة ،أتت تلقمنا عشاءنا" "إني أترقبها من أول النهار. إن الحبس يكون مملاً حين لا تجدين أحداً لمحادثته". ودخلت المأمورة تتبعها سجانة حاولت الممرضة أن تبصر ملامحها في ضوء الممر الضعيف ،مالت الفتاة إلى أذن رفيقتها وقالت :" لا تغرنك بسطة جسمها ،إنها سجانة جيدة ،هي لا تسمعنا كلاماً جارحاً". وصفق بالباب بقوة بعد مغادرة الزوار ،أمام ناظري الفتاتين ،فاستدركت الفتاة وقالت بسرعة:"إلا أنها لا تحسن التعامل مع الأبواب". وابتسمت كل منهما في وجه الأخرى ،ومضغتا طعامهما بهدوء. نظرت الممرضة بتساؤل إلى المرأة النائمة ثم إلى وجه الفتاة تترقب جواباً. وفاجأها الوجه الغائب المتأمل الذي يسقي ذقنه وحضنه ،شرابه الذي يحتسيه!. "إن طعام السجون لا يشبع أحداً ،ولا يظمأ إلى شراب السجن أحد. وليس يجد المستريح في أريكته كسلاً يؤخر فجره إلى ضحاه ،أو سمراً يؤجل رقاده إلى صباح. بين القضبان تنصت النفوس إلى وعظ العقول ،ومن قبل كانت تنفر من سماعه. وبين السياط الحامية يولد العزيز ،مارداً غاضباً ثائراً واثقاً يركض خلف الذليل الضعيف". تلك قصيدة صادقة شاكية ،فاضت بها قريحة الممرضة السجينة ،ولم تك يوماً شاعرة!. كان النعاس قاب قوسين أو أدنى منها حين لمحت رفيقة السجن ،التي جعلت نهارها لباساً ،محتبية في فراشها تَلقم وجبتها في إناء عميق. كانت تلتمع على الأرض الرمادية ذؤابتين شقراوين من شعرها الطويل الأجعد ،وبدت هيئتها كأميرة كاسفة في عين الممرضة الصغيرة. كانت الفتاة تشخر بصوت أزعج سكون الأم السجينة ،فعلت وجهها الجميل سحنة عبوس ،كانت شديدة الوطء على نفس الممرضة التي لا تحب الجمال الغاضب أو المتألم. وبزغ في ذهنها الغلام الجميل وذكرت..ما عزاها بكلمه ،وأمه من خلفه تجره إلى خارج قاعة المحكمة. والشيخ الجليل قد أخرج قبل أن يتلى حكم القاضي فيها وفيه. تململت الممرضة في مرقدها تريد انتباه الأم لها ،لكن نظرة الأم لم تنحرف عن الجدار المتصدع أمامها ،فأمسكت الممرضة بخصلة من شعرها وجذبتها بلطف ،وألقت إليها الأم نظرة واحدة ثم آبت لجدارها. في منتصف الليل ،لقد عبر ضوء القمر أرضية الزنزانة فتبدت وجوه النائمات واضحة لمن يرى ،وداعب نسيم لطيف قادم من فتحة صغيرة مطلة على الفضاء ، وجناتهن وأهدابهن ،وحركت رياح أقوى أغطيتهن الخفيفة ،وامتزجت بانسجام مع أجسادهن الدافئة. وتكشّف خسف في زاوية المكان كان لاحقه بصيص النور الخفيف ،ثم استتر متظللاً على استحياء بحجب السواد الداكنة. وتأست به بعض معالم الزنزانة فاختبأت في الظلام حتى جلاها سراج وهاج ،اتحد مع نوره نور ثلاث جباه مشرقة ،لا تميل لغروب ولا يراودها كسوف. لقد رحل ضيف الليل المنتظَر ،وودعت جفونهم التي يقطر منها الماء هذا الضيف العزيز على أمل تجديد الزيارة في حال أفضل ،واستعدت أفواههم لطحن طعام قاس ليس ذي لذة ولا نكهة ،وزيد إلى رصيد الحزن والأمل حزن متأمل له رقم بعيد. إن السجانة صدّقت ما وعدت به الممرضة ،وسمعت النساء وقع حذائها الجلدي الثقيل قادماً نحوهم.قالت الصبية للممرضة:"أيتها البشيرة ،لقد حانت ساعة العذاب ،فثقي به وتصبري واذكري دعمي". أجابت الممرضة شاكرة:"إني تاركة ما ورثت بين يديك ،فإني أخاف أن يظهروا عليها فيحرقوها ،ويسومونني سوء العذاب". ونظرت الممرضة نظرة ذات معنى إلى الأم السجينة التي تتقلب في فراشها ،وقالت:"إني أجد لديها مخبئاً مدهشاً لن تطوله أيديهم". ثم استأذناها فأخفيتا الورق في خصلتين كبيرتين من شعرها الطويل. وكن يشكرن لها سعيها حين وصلت السجانة لاصطحاب الممرضة. تبعتها الممرضة باستسلام وراحت تفحص بعينها ملامح المكان الذي تمر فيه. وسلمت السجانة الممرضة إلى مسؤولة أرفع ،وقالت بسخرية قبل أن تذهب وتذر آثاراً لحذائها المتسخ:"لا تبحثي كثيراً أيتها الممرضة ،فجميع المخارج هنا مؤمنة بتيار كهربي صاعق". حضر طبيب وفحص الممرضة ،وقال وهو يحك أنفه بكسل:"لياقتها عالية ،بإمكانها احتمال الصعق لعشر دقائق متوالية..على الدرجة الثالثة". ثم قام بتثاقل يحضر كوباً من الشاي. رحلت المسؤولة بمعية الممرضة فأدخلتها حجرة لها سقف بعيد لا يكاد يصله الناظر بعينيه بسهوله ،ثم أقعدتها في كرسي ضيق وحزمت عليها الأربطة المثبتة ،وسألتها بصوت يخلو من التعبير:"ربما تودين الاعتراف قبل تجريب الشوط الأول من الألم". "لا أريد" أجابتها الممرضة بعناد سيطر على صوتها الرقيق. استدارت السجانة تريد تشغيل الآلة ،وسرت موجات متدرجة في الأسلاك حول الممرضة ،وأغمضت عينها من الوجع ،وتحركت سبابة المعذِبة بسلاسة إلى زر آخر ،وزاد ورود الذبذبات حول جسد الممرضة ،وتشنجت أطرافها فلم تقو على الصياح ،وازرقت شفاهها ،ثم أطاح الألم ببقايا الوعي في ذهنها. وصفعتها سجانتها فرجعت إلى الدنيا. سألتها ببرود وهي تحضر أصابعها لنوبة ثانية:"من قتل الرجال؟ هيا تحدثي". ولم ترد السجينة بكلمة هذه المرة ،فأصابتها نوبة ثانية ،تواترت بعدها أخريات. ثم سحبت سجانتها جسدها الواهن فألقته على منصة إسمنتية منخفضة وقالت وهي تقبض بكفها البارد على ذقن المعذَبة:"سيكون هذا ضريحك إن لم تعجلي بالاعتراف ،في المرة القادمة". وفتح الباب الحديدي بعنف وتقدمت السجانة إلى الممرضة الراقدة على الضريح ،فانتزعتها من ذراعها وقالت تفسر الأمر لرئيستها وهي تهرول خارجة:"لقد طلبتها المديرة". ولم يسع الممرضة أن تسير على ساقيها الخائرتين كل هذه المسافة فتوقفت عن السير ،نهرتها سجانتها وسحبتها على بطنها الذي انحسر عنه الرداء إلى غرفة المديرة. كانت المديرة تصرخ على الفتاة الصغيرة والسجينة الأم وهي تقبض على الكتاب في يدها المكتنزة الكبيرة. لما أن لاحظت وجود الممرضة ابتسمت بعصبية وقالت بغضب:"جلبت هذا الشيء معك هنا أيضاً أنت جريئة جداً". ثم نظرت إلى السجانة التي لم تزل تمسك قيد الممرضة:"لولا أن تداركنا فطنة الفطينة ،للبث في شعرها بضع سنين" ثم حطت قدمها بالتتابع على رؤوسهن إذ كن جاثيات ،وداست بكعب حذائها فوق كف الممرضة على الأرض ،وقالت وهي تطبق فكيها في شراسة:"قد جاوزت التفتيش بيسر ،وأضمن لك أن لا تجاوزي العذاب أبداً". وعلت ذراعها بأ لكتاب فألقته بين قدميها ،ثم ألقت سيجارتها فوقه حتى انتشر دخان الورق الممزوج بفوح الحبر الخفيف ،وسحقت الرماد بقدمها تعلو وجهها نشوة النصر. لم تحتمل الممرضة ورفيقتها إهانة الكتاب المقدس ،فهبتا من مقعديهما قائمتين ،ونطحتا المديرة برأسيهما فخرت على الأرض وأحسوا لوقعتها زلزلة في أرض الحجرة. وفقدت الفتاتان توازنهما فانبطحتا على متن الأغلال في أيديهما ،وتدخلت السجانة فضربت الممرضة بكعب مسدسها الذي تحب رفقته ،وخرت الممرضة على الأرض تحيطها بقعة من دم أحمر. تقدمت رفيقتها الصغيرة ملبية نداء وثيقة الوزارة ،والصداقة ،والتواصي بالحق ،وهمت السجانة الغليظة أن تجلدها بسياطها النفاض ،وأوقفتها المديرة متعللة بأن السجينة ابنة النائب ،ثم أمرتها أن تأخذ الممرضة إلى زنزانة فارغة وتأتي في الحال. وتحركت السجانة طوعاً لأمر مديرتها ،ولكن الأم السجينة هجمت عليها بيديها العاريتين ثم استولت على سياطها فجلدت به كل شيء أمامها ،فحطمت قوائم الكراسي فضلاً عن العظام وبعثرت ما على المكتب من مستندات ووثائق ،وكسرت زجاج النوافذ وألقت بمنفضة السجائر على الحائط فانتشرت قطع الزجاج في كل جزء في الغرفة. صرخت المديرة بأعلى صوتها وكان فوج من العاملات اجتمع حول غرفتها:"لقد أصابتها نوبة الصرع ،اجلبوا الطبيب بسرعة". وجاء الطبيب ولم يسعه ضبط الموقف ،فاستعانوا بنفر من السجانين الرجال ،وأسروها فثبتوها إلى الأريكة ،وحقنها الطبيب بمهدئ دسه في ذراعها ،وسرى الخدر في أطرافها ،وأصبح بإمكان الرجال أن يسحبوا أيديهم فيفكوا أسرها. حدث كل ما حدث والممرضة وجلادتها لم ترحلا ،والفتاة الصغيرة إلى جانب المديرة والحاشية يشهدون ثورة الأم السجينة. وتيقظت من سنتها ولم تستطع تحريك إصبعها ،فاعترفت بهدوء وهي تنظر ببلادة إلى وجه الطبيب :"لقد قتلته من دون إذن قلبي ،إنه طفل شرير. كيف فعلت ذلك؟ كيف قتلته؟ إني لا أذكر وجهه حين طعنته بسكين المطبخ ،آه..آه ماذا أفعل ماذا فعلت..". وسيطر عليها حزن عميق وتحدثت بصوتها المبحوح:"و أسفاه عليك يا بني ،و أسفاه". وصارت إلى نوبة نواح ،وحقنها الطبيب بأخرى قوية الأثر ،واعتدل قائماً ثم قال:"سنريحها في عنايتنا هذا اليوم". ثم عاد الرجال من حيث أتوا،وقامت امرأتان بتنظيف الفوضى العارمة ،وتبادلت الممرضة والفتاة نظرة طويلة ابتسمت خلالها الممرضة وقد احمر وجهها وتلونت أسنانها من الدم. ثم مضت كل منهما إلى سبيل كئيب مع سجانة لا ترحم. رقدت الممرضة على الأرض وضغطت على جرحها بخرقة قطعتها من ثوب السجن القاتم. و أجاءها النوم فلم تمانع ،وقضت غفوات كثيرة فاتتها بالأمس. وأتتها عاسة الليل تنبأها بوجود زائر ،ودخل الزائر فعرفته على الفور ،قال لها حين ألفاها راقدة على الأرض القاسية بادية الضعف:"أيتها الممرضة ،لا تصبري كثيراً ،لا تصبري كثيراً". ثم جثا على ركبتيه وشاء أن يقعدها فقالت بصوت يكاد لا يظهر:"أنا ماضية في التجلد أيها المحقق ،قد أتيت إلي تسألني عن الصحف ،فإني لن أجيبك بحرف ". وتقرب ببصره إلى وجهها المعاند ،وقال هامساً:"إني دعيت محققاً في ما حصل ،غير أني لن أسألك شيئاً. أحذري أيتها الممرضة فسياط الغد لا ريب تزيد عن سياط اليوم ،أخبرينا بالقاتل ،لقد شج راسك اليوم ولا ندرين غداً ماسيحدث ،هل تجدين هماً غير حفظك لحياة جسدك؟.." قاطعته بسرعة:"أجد غيرها ،بل إني لا أجد نفسي مهمة بدونه ،بدون نور ربي ،إني لا أعبأ بعذابكم ،إني لا يضعفني إرهابكم ،إني لن يبدل جَلدي إكراهكم. سأصبر من أجل الذات التي أنتم بها كافرون". وانتصب المحقق على قدميه وربت على رأسها مواسيا ،ثم خرج. إن الممرضة في حزن عظيم ،أخذ بكل عزمها فأصابتها ساعة من بكاء. لقد ورطت نفساً بريئة ،أم كسيرة الفؤاد ستعذب بسببها. وصديقة ءازرتها في أمرها ستجلد حتى تتراجع أو..تموت. وذكرت كلام صديقتها أنها لم تقاس كثيراً من العذاب ،وذكرت أن الأم لم تتلق غير جلسة واحدة. والآن مس المديرة غضب غاشم ،فإن لم يتدخل والد الفتاة الذي يعمل نائباً وينهي الأمر ،فستنقلب الفتاة إلى ألم شديد لا تعلمه. والأم المريضة ليست بمفازة من العذاب ،سيصلها الشواظ تلو الشواظ ،وستجني عقاب ذنب لم تقربه. وهداها فكرها أن تحتمل عذاب الاثنتين ،وهي على معرفة بحكمهم ،أنهم لن يقبلون. ونزلت دموعها تسيل دماً متجلطاً على وجنتيها ،وتفطر قلبها ،وتوقفت العبرات في حلقها ،فلم تقدر أن تصدر صياحاً يخرج بغيض من فيض الوجع في صدرها ،فهو كظيم. فنادته بمقلتين تشعان من الدمع في زنزانة لا يدخل جوفها النور ،وختم على لسانها وحدثه جلد ويدين وقدمين بما كان يُصنع بها ،وأمّن هتون الدمع على الشكوى الصادقة ،ونطق لسانها من بعد ذلك فقالت بصوت يسلبه الكمد قوته:"يا من أنا مؤمنة به ،أنجدني. وهب لي من لدنك قوة ،وهب لي من لدنك هداية. يا سيدي قد جار الحظ على امرأتين بائستين ،يا سيدي فضع عنهما العذاب. يا سيدي واحمله إلى الوزر الذي أحمله." ثم ذكرت قد أراح الصبية سجود ،فاعتمدت على راحتيها ولكن لم تسطع على رفع جسدها ،وسجدت بعد أن وقعت على الأرض مرتين. وأطلت حارسة الليل على إثر تكرر السقطة ،فما وجدت غير جسم ضئيل يلقي رأسه إلى الأرض ،في ظلام الزنزانة الدامس. ،ورحلت من المكان. ناجته مرة أخرى ،فقالت:"يا ربي أنجد امرأة بذلت شعرها لحفظ كتابك ،يا ربي واجعل بركة كلماتك تهدي عقلها وتضع إزرها وتشارك". واستقرت أمام عينها صورة صديقتها الوزيرة ،وأحست بروحها تطير لترتبط بروح الوفية ،وتنعقد. وقد صدقت الرؤيا إذ التقت الروحين المؤمنتين في سقف بناء الحبس ،وتظللت وضلت أسفله الأرواح الكافرة. إلى الفصل السابع بإذن الله
|
||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||
|
|
المشاركة رقم: 15 | ||||||||||||||||||||||||
|
كاتب الموضوع :
حلم ينتظر
المنتدى :
يحكـى آنـ
|
||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||
|
|
المشاركة رقم: 16 | ||||||||||||||||||||||||
|
كاتب الموضوع :
حلم ينتظر
المنتدى :
يحكـى آنـ
أجدد التحية (الفصل الثامن) في نزل صغير على طرف المدينة استفاق الشيخ حراً فوق متن فراش من الحصير ،وطلع يمشي بصحبة عصاه قبل طلوع الشمس في الفلاة الجرداء من الأنس بإنسان أو حيوان ،غير جحر لنمل وطأه الشيخ بقدمه الحافية واعتذر إلى ساكنيه بسرعة فقال:"لا تهربوا مني ،لا تدخلوا مساكنكم ،لن أحطمنكم برجلي". وجاوز جحور النمل بحذر فهبطت نملتان من ساقه إلى الأرض ولاذتا بجحرهما. عبر الشيخ على ثلاثه الضعاف صراطاً مستقيماً لا ميل فيه ولا انحراف ،ثم عاد منه إلى بدايته لما ارتفعت الشمس في السماء قيد رمح. واستشعرت أطرافه الدفء الخفيف فتلكأ في سيره وقال هو يدخل إلى الدار:"وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً. إنما وهج الشمس أصابني فأردت أن استتر عنه ،فماذا إذا لظى النار أرادني من يحجبني عنه؟.." ثم بكى ورفع كفيه إلى الذي يعتقد أنه سينجيه ،قال:"اللهم اجعلني ممن تظلهم في ظلك يوم لا ظل إلا ظلك ،يومئذ تدنو الشمس من الخلق ولا يحجبها إلا أنت. اللهم فاجعلني منهم". واستقبل سمعه صوت الباب يصفق بقوة وخطوات ثقيلة سريعة ،ثم حياه الداخل وقدم له بعض الطعام ،وسأله الشيخ في اهتمام:"لابد تجدين مشقة في الذهاب والإياب ،هل تعملين في الليل؟". أجابت المرأة وهي تضع بعض طعام للشيخ:"هذا صحيح تبدأ نوبتي في الساعة السادسة" أزاح الشيخ الملعقة جانباً وحثا بأطراف أصابعه بعض حبات الأرز وحملها في يده ومضغها بهدوء. اقتربت المرأة من الصحفة وحطت يسراها في الوسط تريد الأسوة بالشيخ ،فقال الشيخ ببعض الصرامة:"يا أمة الله سميه وكلي بيمينك وكلي مما يليك" كفت المرأة يدها في حياء وقاربت أناملها حافة الصحفة فكانت تأخذ في اللقمة حبة أرز أو حبتين. وتلمس الشيخ بيديه طلباً للماء واستفسرت عن بغيته فأجابها وحظي بجام منه. قالت المرأة بنبرة اعتذار:"ربما جلبت طعاما لا يناسبك أيها الشيخ الجليل ،استميحك عذراً". رفع الشيخ رأسه إليها وقال :"كل الطعام رزق من ربي ،وما اعتدتِ عليه ليس يستثنى منه" وشكرها الشيخ بعد أن شكر ربه ثم التمس درباً إلى إبريق من الماء. نادته المرأة إنك لم تطعم الكثير فرد عليها وقد غلفت وجهه غشاوة من الوقار:"حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ،وإنني قادر على السير". نظرت إليه المرأة بحيرة ثم انتبهت إليه وهو يرفع الإبريق فهبت إليه. غسل الشيخ وجهه ووصلت قطرات منه أذنيه وأقصى لحييه ،وأدخل الماء في أنفه وفيه ،ثم أسبغه على ساعديه النحيلين ومرفقيه البارزين ،ومسح بالأثر في راحتيه على رأسه الأبيض وصوان أذنيه واعتمد على عكازه بيسراه ،وخلل بصبيب البارد أصابع قدميه ودفعه بيمينه حتى غمر كعبيه ،ثم استقام وشهد أن إلهه هو الله ،وأن رسوله هو محمد وخطى خطوات قليلة إلى محراب بيّنه بحجارة صقيلة بالأمس ،ورفع كفيه مفارقاً بين أصابعه ففعلت المرأة من خلفه ما فعل ،واستمعت إلى الكتاب المسطور في أنحاء قلبه ،وانحنت معه لربه. سألها الشيخ لما أن فرغ أتحس نفوراً أو اطمئناناً في قلبها ،فأجابته أنها تتحرى الآية تلو الآية قالت له:"إني أتمنى أن تطيل في سجودك ،سجدة لا يرتفع جبيني بعدها أبداً. إن الجبين سر من الأسرار فيه شرف الإنسان وعزته ،وإنا نهين أسرانا بضربهم على مقدمة رؤوسهم" قال لها الشيخ وقد أحب حديثها:"وإن للناصية علامات ،بها يعرف الخيّر من الشرير ،وإن الدجال لن يوق من فتنته إلا امرؤ أراد الله له أن يبصر الكفر محفوراً في جبينه" أجابته وهي ما تزال عاقدة كفيها على صدرها باطمئنان من أثر عبادتها مع الشيخ:"لقد عرفت هادي من مسحة النور في وجهه ،وهو أرشدني إليك" قال الشيخ بصوته الحكيم الهادىء:"إن الأخيار يعرفون الأخيار بسيماهم الظاهرة في وجوههم" ثم سألها ببعض التردد:"أخبريني ما حل بالممرضة في سجنكم؟ وكيف تبلي تحت السياط؟" أجابته بسرعة:"إنها بخير وهي تطمح للحرية يوماً ما ،غير أني لا أستطيع وصف صورتها بشكل مقرب فزميلة لي هي من تشرف على جلساتها". أومأ الشيخ برأسه مرتين وصمت. كان النهار بساعاته الطويلة غير كاف على الإطلاق لمجالسة شيخ بحكمة الشيخ وحلو حديثه ،ووجدت المرأة صعوبة شديدة في الإياب إلى العمل وترك الشيخ. كانت تلبس بذلة ثقيلة وتعتمر طاقية يميزها شعار صغير ،وعلى كتفيها استقرت حلقتان معدنيتان كبيرتان وفي أحد جوانب صدرها تعلق كل يوم صورتها ورتبتها واسمها الثلاثي. شاهدتها سجانة الممرضة ذات الجسد النحيل والتعبير الشرير والصوت الذي يشبه الصفارة فقالت:"يتبدى لي أنك لم تنمي هذا النهار" ثم غيرت صفارتها إلى نغمة تطفلية ماكرة:"ماذا كنت تفعلين؟" نظرت السجانة الطيبة تجاهها والتفتت ثم أكملت طريقها ،لكن الأخرى منعتها من النفاذ بذراعيها الطويلتين وقالت:"تعلمين أن المعلومات تشترى بثمن بخس هذه الأيام..ذلك لاعتمادها على الكذب والاشتباه في أغلب الأحيان..(ثم غيرت صفارتها إلى نغمة أخرى وهي تقول) لكن معلوماتي مستثناة منها على أية حال!" أمسكت الطيبة ذراعي الخبيثة وهصرتهما بما أوتيت من قوة عظيمة فصرخت الأخرى من شدة الألم واندفعت بعيداً مع أول فرصة منحتها الشديدة للإفلات ،وبرقت عيناها في شهوة للإيقاع بها وهي تبصرها ذاهبة إلى العمل. شعرت السجانة الطيبة ببعض الخوف من انكشاف السر ذاك أن الثعلبة النحيلة ترمي عيونها في كل مكان ولا تدع أحداً بحاله. ولكم تساءلت إن كانت تعمل بالسر لمصلحة سيد المدينة أو لمن وراءه من الأسياد. إن الحراسة الليلية في السجن عمل ممل ورتيب ،فجميع النساء نائمات هادئات ونائبة المديرة تتثاءب في مكتبها. وفي مثل هذا الحصن لا يفكر أحد بالهروب وإن فكر فلن يقدر أن يخطو خطوتين خارج زنزانته. كان نفر من حارسات الليل راقدات إلى النصف من أجسادهن في الممرات ،غائبات عن الدنيا. وحارستان أو يزيد يترنحن في مشيهن ويكدن يقعن لولا عصيهن النافضة ،وفي الحقيقة أن رفيقة (السجانة) لم تكن تسير سيراً بل تثب وثباً بين الأعضاء المتناثرة في دهاليز غير واسعة. انقضى من الليل أكثر من نصفه ولم تقعد رفيقة أبداً إبان جولتها حول زنزانات سجيناتها ،واستمعت إلى حوار بين سجينتين من وراء بابهما الفولاذي. كانت إحداهما تقول للأخرى:"يظهر أن الممرضة قضت تحت العذاب الأليم ،إني يغيب عن أذني صوتها هذه الأيام" "أتعلمين ،لقد اشتقت للحرية ،رغم شهور الحب مع قضيب الحديد" ولم يأت لسان المخاطَبة بأية كلمة فأجابت المخاطِبة نفسها:"إني أظل إنسية أحمل الشر في صدري ،هه أريد الخروج!" وهنا تحدثت الصامتة ببعض الحماسة المبالغ فيها ،قالت:"هل ،هل تعنين أن ابني حمل الشر في قلبه؟؟" أجابت المرأة بشيء من السخرية: - أنت تحملين شيئاً منه. - إني لا أقصد شراً آدمياً ،أريد به شر مجهول. - لا أفهم غايتك ،لكن رجلاً واحداً يمكن أن يخبرك ،إنه سجين أيضاً. - وهل يعرف ضروب الشر؟ - يعرفها كما يعرف ضروب الخير. ولكنه مسجون ،لا شيء يرجى من وراء القضبان. وسكتت المرأتان عن الحديث ،وعادت المتنصتة إلى أول الدهليز تنهي شوطاً آخراً في مسعاها الليلي. وأتى الصباح ،وجلت خيوط النور مسالك المبنى المظلم ،وأزعجت جفون النيام فقاموا إلى الحياة. ودخلت أفواج سجانات النهار وأزاحت جموع سجانات الليل ،وبقيت لرفيقه مهمة واحدة. أقبلت المأمورة بعربة الطعام ،وصاحت بالميتات أن يتيقظن قائلة:"طعام الإفطار ،طعام الإفطار" وانتهت إلى زنزانة منعزلة ممنوعة النور دخلت إليها بمساعدة رفيقة التي تسمرت في الممر قبالتها. وانتبه بصر الممرضة المرهق إلى الجسد الضخم أمامها ،فتذكرت هذه الملامح التي عرّفتها بها رفيقتها الصغيرة أول أيام السجن. خرجت المأمورة بعد أن حطت كسرة خبز وقَدَر ضئيل من الفول ،وتابعتها رفيقة ببصرها حتى غابت فدخلت إلى الممرضة وجافت الباب. هبطت بجسدها الكبير حتى صار وجهها قريباً من وجه الممرضة ،وتعجبت الأخيرة من ضخامتها وطولها الذي استحال إلى شيء صغير جلس جانبها. تحدثت رفيقة بصوت متوتر على عجل حتى أنها أدغمت الكلمات ببعضها:"إن الشيخ حر وهو يذكرك دائما." ردت الممرضة بصوت هامس وهي تحاول النهوض:"حقاً! ما أعذبك وما أعذب هذه البشرى! هل أنت متصلة معه؟" قالت رفيقة وهي تنتصب واقفة:"وحارس الشيخ معنا ،اسمه هادي ،قريباً ستكونين معنا يا أختاه" ردت الممرضة بنبرةٍ طموح:"نعم ،أخبريه أنني بخير وأقرئيه مني السلام". أومأت السجانة برأسها وسمعت الممرضة نافذة النور توصد خلف الطيبة ،وغمر الظلام الزنزانة من جديد. انطلقت رفيقة إلى سبيل النزل فاعترضها أحد الرجال وقال لها هامساً بحيث استغربت لهجته:"إني مرسل من هادي هل أنت ذاهبة للشيخ؟" ردت عليه ببعض الحذر وبأسلوب قاس تعلمته من مهنتها: - ما اسمك أيها الرجل؟ وكيف علمت الطريق؟ - اسمي نادر ،كنت أدرس لدى الشيخ. قد أرشدني حليفك إلى نزل الشيخ لكني تهت المكان. وكنت سمعت عنك منه. - أنت أحمق تماماً ،هل تعتمد على حدسك بالتعرف على الناس؟ فماذا إن وصلوا للشيخ وقتلوه؟ إن الوضع ليس بمستقر ،والعيون تلاحقنا في كل مكان ،فما يدريني لعلك تكون جاسوساً آخر. أرجوك كن حذراً. واعترف بخطئه في نفسه وعرف أن حماسته أوقعت به في الخير هذه المرة ،وقد توقعه في الشر مرة تالية. وسارت المرأة وإياه فجاجاً وعرة لا تعبرها السيارات ،واطلعوا إلى النزل الصغير ،فهبطا التل مهطعَين إليه ،ولمن فيه. واستقبلهم الشيخ جالساً على عتبة الباب فلم يتمالك الكهل نفسه وأوى إليه وبكى ،وتأثر الشيخ من صدق عاطفة الرجل وارتسمت في محياه آيات رقيقة. تحدث الكهل أولاً فقال:"لقد اشتقنا إليك يا شيخ ،وإننا لم نعاني فيك مثل البعض فنتلذذ بالعذاب المريح ،ولم نقدر على دفع الحق ليظهر على الباطل. إننا عشنا الأيام في حيرة وضياع ،فكأننا لبثنا أحقاباً من الزمان طويلة" وأمسك الشيخ بيده ودعاه للدخول وقال الكهل وهو يسند الشيخ إليه:"إني شغوف بالكتاب حين تتلوه علينا بصوتك الرخيم" وتبسم الشيخ من قوله وقال:"ستسمعه بإذن ربي حتى تحفظه ،فتكون متعلماً ومعلماً له". أدركت المرأة من حديثهما أن الاثنين يعرفان بعضهما جيداً ،فاستراحت ظنونها واطمأنت ،وقالت تحدث الرجل:"أيها الغريب القريب ،قد حضرت طعاماً للشيخ فإن شئت فاستأذنه ،إنك ضيفنا اليوم ولكن الشيخ ضيفنا على الدوام. أعتذر منك يا صديق الشيخ الكريم" وقرب الشيخ إناءه إلى الكهل فقال:"ضع كفك في إنائي ولا ترفعها حتى تشبع. فو الله لا يأتيني رزقه إلا وأكرم خلقه منه" ودعا المرأة فاقتربت ،ومد الثلاثة أيديهم إلى الطعام الذي خصص لرجل واحد ،وما كفوها إلا وهم شبعون. قال الشيخ حين كان يغسل كفيه تحت الماء يسكبه الكهل:"قد طرح ربكم البركة في طعامكم ،لسعة نفوسكم وخلوها من الشح ،أيها الطيبان". وجمعت المرأة الآنية وجعلتها في زاوية الغرفة وجاءها الكرى يطلبها حقه ،فاستندت إلى الحائط وقالت. وتحدث الكهل والشيخ في الخارج حيطة من إقلاق راحتها قال الكهل للشيخ وحمْل من الهم في صوته:"لقد فصلت من عملي أيها الشيخ لأني أحمل فكراً غريباً على القوم ،وزوجتي الغيورة اتهمتني بمصاحبة العاهرات -سموت وسما مقامك- ولايهمني لمزهم إذ يتحدثون ،ولا يهمني ما وصلتُ إليه..أيها الشيخ إني حزين لأجلك تلقى في الصحراء في سقيفة فقيرة من الزاد إلا قليلاً ،تنام متيقظاً وتصحو متيقظاً ،لو أن لي قوة أو أوي بك إلى ركن شديد ،لو أن لي قوة..." فقال الشيخ بنبرته الهادئة المعتادة:"لا تقلق أيها الرجل الطيب فإن مع العسر يسرى إن مع العسر يسرى. ثم لا تبجلني لتسمو بي عن إماء ربك ،ما يدريك لعلهن أفضل مني عنده." وارتفع صوت الكهل متعجباً وهو يقول:"مالذي تقول أيها الشيخ؟ أبائعات الهوى خير من رجل يقرأ كتاب ربهن!!" وعاجله الشيخ بالإجابة وما من عادته الاستعجال:"فإنك لا تدري عن حالهن ،أنت تعلم ما يجرحن في الليل ،ولكنك لا تدري ما يصنعن في النهار. وربما رجعن إلى ربهن بتوبة لو وزعت على أهل المدينة لكفتهم. كف عن تزكية من تعرف ،ولا تزكي نفسك ،فقد يغلبك غيرك وغيرهم عند ربك" وأمسك الاثنان عن الكلام إذ أقبلت قافلة من الرجال نحوهم. وأوجس الكهل خيفة منهم ،وطمأنه الشيخ أن الرجال أنصار لهم ذلك ما يسمعه في خطواتهم المهرولة قِبل الحق ،وللروح صوت تغنيه القدم يفضح مبتغاها. ووصل خمسة من الرجال وسادسهم هادي ،الذي تحدث فقال:"أيها الشيخ ،إنهم رجال أشداء على الكفار رحماء بينهم يبتغون علماً ينجي أبدانهم من دودة الأرض في أجداثهم بعد الموت" وزع الشيخ نظراته عليهم بالتساوي وقال:"فإنكم حزب الله ،ألا إن حزب الله هم الغالبون" وتقدم رجل منهم وتحدث باحترام شديد فقال:"إنا نتوق للكثير من العلم ،وأتيناك لأن هادياً أخبرنا عنك". "ستجد الكثير يا ولدي فاطمئن ،يلزمك ويلزم الجميع عزيمة قوية ،وصبر جميل" رد الشيخ متبسماً وأشار الكهل لهم على السقيفة فنبهه العجوز الفطين إلى المرأة النائمة داخلها ،فاستقروا في ظلالها متحلقين حول الشيخ. كان جميع الرجال يعملون في السلك العسكري وقد تعرف هادي إليهم بعد مناوبة حراسة أو حفلة تكريم أو تدريب جماعي. وتحدث هادي بوثوق قائلاً:"إنما نحن جنود ذوي بأس شديد وقوة ،وإن أجسامنا قادرة على حماية علمك أيها الشيخ ونفسك الكريمة" فقال الشيخ:"ليس الجسم يجدي يا ولدي إذا غاب عن أعلاه حكمة العقل الذي يسيره. إني أريد أن أؤمر عليكم من أنفسكم رجلاً فمن ترشحون؟" وتبادل الشباب النظرات ثم تحدث هادي فقال:"أنت أميرنا أيها الشيخ". "فذلك في صلاتكم وحلقات علمكم ،وإني أريد جندياً خبيراً بخدع الحرب وحيلها فهم سيدركونا بعد مدة ،ولسنا بمأمنة منهم. أريد قائداً لجند الله حصيفاً صبوراً ثابتاً باسلاً ،وكلكم كذلك إن شاء الله". قال الشيخ لهم ، فقال رجل منهم:"فإن هادي رجل رشيد ،أعلم بهضاب هذه النجد وأوديتها منا" وخاطبهم الشيخ بصوت عال:"فهل أنتم موافقون؟ وهل تذعنون لأمره ونهيه؟ هل تطيعونه في المنشط والمكره؟" فأجابه الرجال بصوت يماثل صوته العالي ،وهبوا إليه مصافحين ،وقالوا له:"إنا نبايعك أيها الشيخ على السمع والطاعة في ما نحب ونكره حتى نهلك ونموت". وتقبل الشيخ كلامهم بقبول حسن ،ونهض فتوضأ لما أن زالت الشمس ،وتبعه الشباب ففعلوا ما فعل ،ووقفوا خلفه صفاً كالبنيان المرصوص. واستمعت المرأة النائمة إلى تكبير الرب وتسبيحه خارج السقيفة ،فهرولت إلى الصوت الخاضع والجمهور الخاشع وركضت إلى إبريق الماء فألفته فارغاً وجزع قلبها الصادق فهي تريد أن تدرك الصلاة معهم ،وشاهدت أجساد الجنود المتلاصقة فآثرت أن تجلس خلفهم ، وانتظرتهم حتى قضيت الصلاة. التفت الشيخ إليهم وأبصرها وأبصر حزنها بقلبه ،فنادها أن لا تخافي ولا تحزني وقري عيناً ،فاضربي على الصعيد بيديك وامسحي بوجهك منه ،وقومي طاهرة فصلي لربك. وسعدت المرأة بالرخصة وقامت تصلي متباعدة عن القوم. وسأل بعضهم بعضاً من تكون المرأة ،وأخبروا بعدئذ أنها داخلة في دين الشيخ تكتم إسلامها. وتفرق الرجال بعد أن اتفقوا على بعض الأوقات يزورون فيها الشيخ ،وقالوا لبعضهم إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ،ولن تفلحوا إذن أبداً. فلزم كل منهم طريقا يسلكه. صاحت المرأة بحارس الشيخ لما رأت الرجال غادروا ،فقالت:"أيها الرجل الغافل كيف تدل رجالاً مثلهم على مكان الشيخ؟ وما يدريك لعل أحدهم يحيك غلاً في نفسه ،ويريد أن يوقع بنا" قال لها بغضب استثارته ظنونها في رجال يعرفهم:"إني رفيق لهم ،وأنا من دعوتهم إلى الشيخ وإلى رب الشيخ" نظرت إليه المرأة بغضب ،فبادلها غضباً بغضب وقال لها وهو يوليها ظهره:"أسمعي ،لا تجلبي متاعك إلى هذه السقيفة غداً ،وانقلي ما فيها إلى الدار التي سأرشدك إليها" حدجته بنظرة تساؤل طويلة ثم رحلت ،ورحل. اجتمع رجلان إلى أميرهما هادي في مقهى الجنود المزدحم ،واتخذ رجل سبيله إلى المجموعة التي تتحاور بلغة الإشارات الهامسة. حياهم بتحية الجنود لبعضهم خارج العمل وخاطب هادي بصوته المستكين الهادئ ،قال:"أيها الجندي لدينا طلب بحضورك ،يعتقد اشتراكك في شيء ما. يجب أن تصحبني لتبدد شكوكهم" وانقبضت عضلات وجه الحارس هادي بعد انبساطها إثر حديث بث أملاً مع صاحبيه ،وقام إلى الرجل وأشار لرفاقه أن يذهبوا قبله. سلك الرجل الهادئ بصحبة الحارس وسط المقهى حتى وصلا إلى مائدة في الهواء الطلق تجلس عليها امرأة عسكرية ورجل بدين. تفحصت المرأة بعينيها الضيقتين وجه الحارس الوديع ،ورحبت به للجلوس. أفصح الرجل البدين بعد أن انتظره الجميع أن يفرغ كوب قهوته ،الذي كان يتجرعه مصدراً صوتاً كريهاً ،قال:"أيها الحارس ،هل ترتبط بأية زمرة إرهابية ،هل تذلل لصديق ما طريقاً لا ترضاه الحكومة؟" تحفزت المرأة للكلمات التي سيخرجها لسان الحارس ،واتكأت على مرفقها في راحة نادرة. قال الأخير ببعض التردد:"لا أملك علاقات من هذا النوع ،إن وقت العمل انتهى وليس لديك حق لتحقق معي" قال البدين وشحوم وجهه تتهدل كلما أخرج عبارة من فمه: - إنها المعلومات..المعلومات أخبرتنا أنك تحاول حماية أحدهم. وقد شوهدت تحادث سجانة تشرف على ممرضة مجرمة ،وبحسب ما أعرف فأنت حارس الشيخ ،إن في رأسي الكثير من التكهنات. - تكهناتك في غير موضعها الصحيح ،أنا رجل شريف لا أخون عهد الوظيفة التي أتمنت عليها... - وما تقول في حادث هروب الشيخ؟ كنت أحد الرجال الذين رافقوه إلى الحجز... قاطعه هادي صارخاً وهو يدفع كرسيه إلى الخلف: - كانت مسؤولية الجميع ،وعلى القائد يقع الحمل الأكبر... هاج الرجل البدين أيضاً ،فرفع صوته فوق صوت هادي ،قائلاً: - وردتنا معلومة مفادها أنك من صحبت الشيخ لبعض حاجته ،قل..قل وشى بك بعض صحبك. نكس هادي رأسه في خضوع ،فلم يحر جواباً يسكت به الرجل ،تحدثت الثعلبة بسعادة قائلة: - إنه ليس فطيناً كما أرى ،لم يخبرنا أحد رفاقك بشيء ،قد ابتغينا اختبارك فقط وها أنت تقر بالحقيقة. إنك تملك عقل الجندي الحقيقي ،عقل لا يفكر إلا بالطاعة ،أنت جندي ،أنت جندي!. وقهقهت بصخب فنظر إليها الرجال من حولهم وتساءلوا عن حضور امرأة في مقهاهم ،ووقف البدين ورفيقه الهادئ وقال الأول للمرأة:"سنذهب الآن ". ورحل الرجلان بصحبة هادي إلى مديره الذي ينتظر. رغب هادي ببعض السؤال لكن لسانه انعقد فلم يتحدث ،إنه مدرك لضعفه أمام السلطات وفي ذات الوقت عالم بالقوة الروحية التي تسيّر بدنه. هي المرة الأولى التي يدعى فيها إلى مكتب المدير المهيب ما سبقها غير مرة تقابل فيها معه ،في سنة عمله الأولى. قال المدير وملامحه متصلبة كدأبه في الحديث إلى الناس:"سجلك أبيض تماماً ،أي رجل هذا الذي تريده أن يأخذك إلى الهلاك؟" "أنت تعلم علاج الناشز في الجند ،يصلب على الوتد ويتوافد رماة الرصاص على قبره العالي" ثم أمسك عن لهجته المؤدِبة وقال لائماً:"ألن تدرأ عن نفسك بعض ما تهمتك به؟" أجاب هادي وهو يصد بعينه عن عين المدير:"أنا لم أفعل". طلب المدير دنوه منه ،وأخذ ذراعه بين كفيه ،وقال:"إنه سوار مسجل حديثاً لدى البوابات ،إني مضطر لاحتجازك حتى يردني مبدل للأمر". تيقن هادي أن جسده محجور هذا اليوم ،فجلس في كرسي الممر محبطاً يفكر. عبر به بعض الأشخاص وحدقوا في سواره في استغراب ،وجاوزه بعضهم دون أن ينظر إليه. واصفر لون الشمس الذي تلاعبه ظلل الأشجار فوق قدميه ،وخلا المكان إلا منه ورجل يحمل مكنسة في يده وعدة تنظيف. وسكنه شعور أرعش أصابعه وهو يرنو إلى جذع الشجرة الطويل من النافذة أمامه ،ويتخيل نفسه مصلوباً تأكل الطير منه. لقد ورد على مكانه عشرات الرجال الذين أيقظوه من غفوته ،بعضهم يأمر وبعضهم ينهى ولم يفهم من ضجيجهم إلا أنهم في معترك لا يدرون أي سبيل ينفذهم منه. غادروا وهو راقد على الكرسي البارد يريد الخلاص من أوهامه التي صدقت إذ سمع رجلاً يصرخ:"إن الإرهابيون في الجهة الشرقية من المدينة قد حدد الرجال موقعهم بالضبط ،إنهم يحتمون بمنزل قديم". وانتفض الحارس من مقعده وسأل الرجل ببعض الغلظة:"من تقصدون يا رجل؟" نظر إليه الرجل وإلى سواره بارتياب ،وقال:"إني أحدث الجنود. هل أنت موقوف أو ما شابه؟ إننا في منتصف عملية مهمة". وترك هادي الرجل والرجال وراءه ،وكره صورة السوار في معصمه وتمنى لو ستره ردن طويل ،ومشى خارج المبنى نحو آخر نقطة ينفجر بعدها السوار ببدنه ويلقيه أشلاء متناثرة. أخرج من ثيابه خنجراً صغيراً وأقره على يده. إن السوار حساس للمعادن التي تقترب منه ،فقد أبعد الخنجر عنه إلى منتصف ذراعه ،ولم يصدر الجهاز أية أصوات أو تنبيهات ،وبدأت روحه الحرة تطلق دما ثائراً في جسد حبيس ،وتحفزت يمناه لتقتل يسراه وشخص بصره ،وتشنج جذعه ،ودفع بالسكين فجرحت وسكبت دماً ودفعها فزاد سيلان الأحمر وصرخ بأعلى صوته حين كانت يده تلفظ الأنفاس الأخيرة. وعلم بعض البعيدون ما يفعل ،فهرعوا إليه وهم يتساءلون ،ووقفوا على المكان فما وجدوا غير رائحة الدم ،ويد حبيسة. انطلق الحارس إلى محروسِه بكل السرعة التي تصلها سيارة عسكرية بغير علامات ،ويد واحدة تحرف دفتها صوب قارئ الكتاب ،وترك مركبته وراءه هابطاً تلالاً صخرية تفصله عمن يحب ،وطوى الأرض النجد بوثباته العالية يغطي جانبه الأيسر دم يتناثر من جرح يده ،أضحية روحه الحرة. إلى الفصل التاسع بإذن الله
|
||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||
|
|
المشاركة رقم: 17 | ||||||||||||||||||||||||
|
كاتب الموضوع :
حلم ينتظر
المنتدى :
يحكـى آنـ
ترقبوا قريباً الفصل التاسع بإذن الله..
|
||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||
|
|
المشاركة رقم: 18 | ||||||||||||||||||||||||
|
كاتب الموضوع :
حلم ينتظر
المنتدى :
يحكـى آنـ
السلام عليكم أحيي كل المتابعين وهذا الفصل التاسع من رواية آدم أرجو منكم التفاعل (الفصل التاسع) تحلق الرجال الستة حول الشيخ في سكون شديد ،واعتزلتهم المرأة إلى كثيب قريب ،توحي صوت المحدّث وأسئلتهم وتحرسهم بعينها وتسمع الطير البعيد. كان الشيخ يلقن اثنين منهم كلمات التوحيد ،والدخول في دين الله الذي بلغه محمد ،وهتف الرجال مسرورين بالنعمة التي نزلت على صاحبيهم ،وابتسمت المرأة ونهضت تنفض التراب عن ثوبها ،إذ جاء الغسق بواجب العمل. وأبصرت مركبة تتجه قبلهم تحت غيمة سوداء كبيرة ،وضيقت جفونها أكثر فلاحظت مشاة يسبقون الركبان يسيرون في مناحي متفرقة. هبطت من عليائها وهي تصرخ بالرجال:"عليكم أسلحتكم ،قد أتى موكب مقاتل" ولم يصنع الرجال شيئاً ،فصرخت بهم مرة أخرى فتلفتوا حائرين ،واتخذ بعضهم سلاحه ،وتوكأ الرجل المسن على عكازه الذي غاص في الرمل وقال للمرأة:"هوني عليك ،لن يجديك الصياح" ثم التفت إلى الرجال فقال لهم:"انتخبوا أحدكم يقود المجموعة ،واصبروا واثبتوا فإنكم حزب الله ،ألا إن حزب الله هم الغالبون" وعين رجل منهم نفسه أميراً على الرجال وراقب الوفد القادم وهو يشد على سلاحه. قالت المرأة بغضب:"ذلك الرجل إنه يجمع الرجال حوله بغير انتباه ،لقد كشفونا بسببه" أجابها الرجل وهو ينظر إليهم خلال منظار بندقيته:"إنهم أكثر منا ،لا طاقة لنا بلقائهم". واستعدت سيقان الرجال للهرب وحثهم الشيخ أن يلزموا أميرهم الذي قال بصوت أعلى:"جهزوا أنفسكم للهرب يا رجال ،وليحمل حسن الشيخ"ووصلت الغمامة الكبيرة وسترت الجمع عن الجمع الملاحِق ،وتأبطت المرأة مدفعها وجرت خلف الرجال. كان الكهل مدنياً لا يعرف العدو السريع لأمتار كثيرة كرفاقه ورفيقته ،وتجلطت الدماء في باطن قدميه فتأخر عنهم مسافة طويلة. تفقدت المرأة رفاقها وقالت بدهشة:"مالي لا أرى الكهل أم كان من الغائبين؟" وانتبه لها الأمير فارتدا على آثرهما قصصاً فوجداه قائماً يتخبط في ظلام الصحراء الشاسعة. قدم الأمير ظهره رَكوباً للمدني العاجز فامتطاه من غير سؤال ،وسار الثلاثة أقرب للجري يقتفون سبيل رفاقهم والشيخ. تبادل الجند جسد الشيخ وعاد الكهل ماشياً بعد استراحته القصيرة ،وكان القوم يقيمون ساعة ويسرون الساعة التي تعقبها ،وبلغ النصب بهم كل مبلغ وغشّت عيونهم سحائب النعاس والغفلة ،قالت المرأة لما أحست فتورهم ،وقلة وعيهم:"أيها الرفاق دعونا ننزل في المكان هاهنا ،فإني لا أجد للتابعين ريحاً ،دعونا نريح شيخنا ونحل عن الوسط هذه المدافع الثقيلة" واستحسن الأمير فكرتها ،وكان بوسع الباقين أن يلقوا أجسادهم على الرمال ولا يحركوا شفاههم بأية كلمة ،وخلع حسن سترته فدثر بها الشيخ ،وجلست المرأة والأمير ساهرا العين يعسان المكان في كل قطع من الليل ،قالت له بصوت مسح حباله عطش شديد:"فماذا نفعل في الغد؟ نحن قضينا مسافة طويلة ،ولا نحمل على أكتافنا ميرة المسافر" أجابها وهو يرقد على الأرض الدافئة:"ليست لي معرفة بهذه البراح القصية ،ماذا لو تفضل علينا رب الشيخ ،أليس يرانا ويعلم حالنا؟؟ لعلنا نشبع ونرتوي بمائدة ينزلها من السماء.." قالت شاردة بنظرها في تفكير:"لا أعتقد الأمر يتم بهذه الطريقة..إن أريد إلا بئراً تبل عروقنا وصيد بر سمين" رد منكراً ببعض الغلظة: - وما لذي يمنع نزول المائدة وفيها ما تقولين؟ - إنه أمر أشبه بأسطورة قديمة ،أو وعد ساحر. إن الله لا يشابه فعلهم ذاك. - إنه كرامة وجزاء حسناً لعباد أخرجوا من ديارهم لأنهم آمنوا به..هل يجزون إلا الحسنى. وأقامت المرأة صلبها وخطت خطوتين ،وحدثته بنبرة ختامية:"إن أفضاله غمرتني حين كنت كافرة به ،لما أخرجني أبي من منزله ،إني مؤمنة بفرج قريب لكنه لا يبدو كما تقول " نظر إليها الرجل وهي تعتلي نشزاً صغيراً ثم نظر إلى السماء الدهماء فوقها راجياً رؤية النجوم ،ثم انتفض لما أتته المرأة مسرعة وهي تلقي وحياً هامساً إليه:"إنهم خلفنا أيقظ القوم ،يجب أن نهرب قبل أن يجدونا ،أسرع" وعوت سباع من مكان قريب ،وانقلبوا إلى النيام يريدون إيقاظهم ،فبصر بهم سبع كان يتشمم الجثامين الملقاة تحت قدميه ،ثم تولى عنها دون أن يطأها وواجههم مباشرة. تحفز إصبع الرجل للإطلاق ،ونهته المرأة معللة سماع التابعين صوت الرصاصة ،واقترب السبع مكشراً عن أنيابه مخرجاً غضباً هائلاً من صوته وعينه الضيقة. وتراجع الحارسان وأمر الرجل المرأة أن تسري مع القوم ولا يلتفت منهم أحد إنه مطلق على المفترس ومتصدٍ لملاحقي الصوت خلف التلال ،واستمعت المرأة لأمره وأذعنت ،ونهض الرجال على عجل وهربوا واستمعوا للرصاص يرمى من ورائهم ،ولحق الرجل الأمير بهم وهو يصيح:"قفوا عندكم إنهم يحاصرون المكان". وأزجى القوم الذين اتَبعوا للذين أتُبعوا رصاصتين صاح بعدهما صوت تحذيري من أحد التلال:"سلموا أنفسكم أيها الإرهابيون دقيقة ونفجر المكان" فأصاب الرجال هلع وأسقط في أيديهم وهم الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلاً ،وبال الكهل في ثوبه من غير بلل ذلك أنه عن بطن لا يختزن الطعام ولا الماء ،وارتفع صوت الشيخ ينفث العزيمة والطمأنينة فيهم ،قال:"أيها الرجال ،إن ربكم يطلع عليكم ،إنه يختبركم ،فاصبروا واثبتوا ،أيها الرجال من يعش منكم منتصراً فذلك خير ،ومن يمت منكم مقتولا فذلك الشهيد وله من الأجر قراب هذه الصحراء والله يضاعف لمن يشاء. من يرد منكم اليوم أن يلقى ربه الذي أحدثكم عنه في الليل والنهار ،من يرد ذلك ،من يرد ذلك! إن كنتم تحبون الله ورسوله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم" ثم أشار للأمير أن يقود المعركة وبدأ الجند من خلفهم يذرؤون الرصاص ويرمون القنابل ،وانفجرت إحداها قريباً من الجند المهاجم الذي يحرس الشيخ وأعوانه الهاربون. صاح الأمير بالرجال الثلاثة خلفه وهو يتجلى للعدو ويشير لربعه بسلاحه:"إن كنتم تحبون الله ورسوله فاتبعوني يحببكم الله" فأجابته المرأة المولية من البعيد:"وددت لو أكون معكم ، لكن..امتثل لأمرك أيها الأمير. غطِ بطيورك الفرجة التي سنخرج منها" وابتسمت ورأى ابتسامتها تحت لهيب النيران وكشافات العدو فابتسم لها ابتسامة واسعة وأخذ يحرس إسراءهم. كان ورجل معه يحتمون ببنادق الرجلين الآخرين خلفهم ،وسد رشاش الرصاص سمعه وسمعهم فقال بصوت أيقظ أهل المدينة:"أيها الشيخ إنني مسلم لربي ،أليست التوبة لا تقبل إذا بلغت الحلقوم ،فإني أشهدك أنني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ،إلى اللقاء أيها الشيخ!" وسمع الشيخ الساري شهادته وأنصت لشهادات زملائه من بعده ،ثم غابت صيحاتهم وهدير رشاشاتهم بابتعاد رهطه عن موقع التشابك إلى بسيطة هادئة. وعجز الكهل عن المسير ثانية ،فاستند إلى المرأة الجندية ذات البنية القوية ،لكنها تباطأت عن صاحبها وحمْله الشيخ ،فعرض عليها أن تهتم بالشيخ وتذر الكهل البدين يرتاح عليه ،ففعلت وانتقل جسد الشيخ الهزيل إلى ظهر المحارِبة. لقد ظهر الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ،فأناخ القوم في أرض صخرية ،وقرأ الشيخ بمن معه بصوته المطَمْئن:" فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ" وانحنى جسده ،ثم قام من ركوعه فأتم الكهل والمرأة من خلفه صلاتهم ،وسلموا وتسلموا مركز الحراسة من الجندي الحارس ،فوقف يمين الشيخ وركع معه ثم أتم صلاته بمفرده وألقى السلام مع الشيخ القاعد على الأرض ،ثم قام إلى أصحابه وقد أظهر ملامحهم نور الصباح. تخير الجند بقعة تظللها صخرة عالية واستندوا إلى قساوتها مقبلين على يوم عصيب. وتلا الشيخ على الأجساد الصريعة آيات الكتاب يحيي أفئدتهم بها ،وإن صوته ينقطع حين يغادر البلل فمه:" إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" أرادت المرأة أن تحرك لسانها بحديث ،وابتغى الرجل الراقد أن يعلم ما لتوراة ،ونام الكهل على كلمات الشيخ بملء جفنيه ،وسكت فو الشيخ عن الحديث وسقط رأسه على الأرض وتخضبت لحيته البيضاء بلون التراب ،وفجعت الجندية فهبت إليه وحطت راحتها على جبينه وقالت للجندي بكلام ليس يتضح من بين شفاهها اليابسة:"إنه محموم ،والآخر محموم أيضاً ،إنني لا أبصر جيداً ،هل تسمع ندائي يا حسن؟". ولم يجبها جثمان الرجل بكلمة ووقعت على الأرض وهي تشاهد سراب الماء أمامها ،وأرادت أن تقعد فلم تقدر فراحت تلعق بلسانها النبع الوحيد الذي لم يجف في بدنها ،وكان مالحاً زادها عطشاً على عطش ثم توقف بعد برهة ،وغلت مقلتاها ورمدتا كالجمر ،ولم يبق في أناملها قوة لحت الحصى عن وجه الشيخ ولحيته ،فبكى قلبها. قلب عسكري تحمله رفيقة بين أضلاعها الاثني عشر ،قلب ضامر من كثير مشاهدة العذاب والتعذيب ،قلب عليه أكنة فلا يتنفس ،قلب ميت. وقد رفع غطاءه ما سمعت من العلم و أدهق رهباً ورغباً في مد عاطفي مدهش ،يجعل جسدها الذي عافته السباع يزحف بحثاً عن الحياة. في وعي عقلها وحواسها نصف جهل ،تم بعد يوم ونصف ليلة ،فبكرت في جهل كامل ،في باحة ما فيها شجرة واحدة تتخذ في رقدتها هيئة جنين ،وتبتعد شفتاها عن فرجة تحلم بالماء..أو قطرة منه. في المكان غير بعيد عنها ،يضطجع جثمان الحارس هادي في عطش إلى الدم وإلى مجري الدم ،يعتقده الرائي كبش ذبيح سلبه الذئب يده. في الفجر التالي ،شيء لأحدهم أن يحيا ،ويلحق بأثر رفاقه مثقلاً ظهره بزاد كثير. كان يضع قدميه في أثر حذاء الجندي تماماً ،إذ كانت أخاديده واضحة لم تدفنها الرياح ،ولم تطمسها أيادي العابثين. سار الرجل ببطء شديد يسقط تارة وينهض تارة ،ويهرول بإذن من ضعفه تارة أخرى. وفي وسط الأثر ،على مد البصر ،كانت كومة بشرية متعفرة ،ليس لما يواري سوءتها لون معروف. واقترب هادي منها وعرف هيئتها الضخمة وشعار ثوبها ،وعلتها التي أودت بها إلى هذا المنظر. وأرساها على ظهرها وقطر على لسانها الظاهر من قربته. وتحرك لسانها بشدة يلحس أصابعه فسكب المزيد ،فحيت أطرافها هذه المرة وهجمت على مصدر الماء ،فشل حركتها بساقه وضعها على صدرها ،وشق تمرتين وغمر الأجزاء الأربع بالماء ،ثم أغطش بياض خرقة من القطن في الماء الأسود. وعصر الخرقة في فيّ الظمآنه وسقاها الفرات رويداً رويداً. واختار أن يتفيأ وإياها ظل العوشز على البقاء في الرمضاء تحت الشمس ،ونطقت بعد أن عاد ريق فمها ،وسألت:"هل أرسلك الله إلي؟ تبدو هالكاً أو على شفا جرف من الهلاك" أجابها وأنفاسه تعلو صوته المتعب:"كيف حال القوم؟ ولم أنت منفصلة عنهم؟" قالت وهي تنحني لتنهض: - إني ذاهبة إليهم ،إنهم هالكون. - تريثي حتى تبتل عروقك ،لن يسعف المريض مريض. - إني أتيت زاحفة ،فأي أثر سأتبع؟ ما يكون إن أضعت مكانهم؟ فقام وأعاد وزره إلى كاهله وسارا في جهة معلومة ،بدراسة موضع الشمس ظهر غادرت المرأة ،وأقرت أن السطوع كان أمامها ،فمضوا إلى الشرق مفترضَين أنها لم تنحرف إلى قبلة أخرى ،في زحفها ولم تبتعد. وكانا يسندان بعضهما البعض مشياً على القدمين أو على أربع ،ومرت لحظات قطعاها بالزحف على البطون ،وبدا لهما بعض متاع القوم وهرولت هي إلى الصخرة حيث تركتهم تحتها ،ونفر خفيفاً إلى صحبه ،وأنعشهم برودة معينه فثارت أجسادهم ،وصاحوا صيحة الوليد حين يقدم للدنيا ،ويضرب الهواء حباله الصوتية لأول مرة في حياته. وحين وعى الشيخ طلب إلى المسعف أن يسقي الرجلين أولاً ثم يأتيه بالباقي ،وأقبل الرجلان على الماء الذي امتنع عنه الشيخ فشرباه عن آخره ،وأتيا على الطعام فلم يبقيا ولم يذرا شيئاً. ودعي الشيخ إلى الطعام فلم يجبه ،وسجد ،وتحدث إلى ربه الذي سقاه وأطعمه يشكره على فيض فضله. وسجد صحبه الذين يتمثلون قوله وفعله ،وشوهد سجودهم من طيار عسكري ،على متن السحب يظن بأنه الأعلى وأن الساجدون ،هم الأرذلون. حام بطائرته فوق رؤوسهم المطلعة إليه ،بنظرة تخوف وترقب سوء ،وتحدث هادي بصوت مرتفع يأمرهم أن يستتروا بظلال الصخرة ،ولكن المدد الجوي القادم من البعيد أخبره أن العدو يقصد مكانهم بالضبط ،فسار بصحبه إلى ناصية ليست معلومة إلى مصير مجهول. قال بصوته الجهوري :"يتعين علينا أن ننفصل ،فسيروا في الأرض حتى تلقوا منحدراً توارون فيه خبركم" وقبض على ذراع رفيقة وابتعدا عن الصخرة ،وعن أصحاب الصخرة. وراودت خطواتهم عيون الطيارَين فوقهم ،فخفضت الطائرتان مقدمتيهما واستعد أربعة من الجنود للهبوط منها على سلم تطير به الرياح ذات اليمين والشمال ،فقال هادي للمرأة وهو يرفع سلاحه:"سأكفيك الرجلين هنا ،وأنت اكفنيهم هناك" وتقابلا بالأدبار وصوب كل منهما على صيده. استطاعت الجندية أن تنال من الرجلين المعلقين في الحبال وأن تفادى طلقاتهم ،لكن الرجل باليد الواحدة لم يرسل نيرانه جيداً ،واهتز السلاح الثقيل على كتفه فطاشت رصاصاته وأصيب ذراعه المصاب ،ولم تتلقى المرأة تدريباً كافياً لتسيطر على هذا الموقف ،واختارت توفير الطلقات لأجساد البشر الذين أحاطوا بهما كزوايا مربع ،وأجبر الاثنان على الاستسلام فرفعا أيديهما وأطاحا بالسلاح ،ولم يحتمل ذراع الرجل أن ينتصب فرفع يداً وحيدة خلف رأسه. كبل الجنود أسيرتهم بالحديد وعاد الوثاق إلى ساعد الرجل الحرة. وجف قلب المرأة من الرهب في اقتراح ورد ذهنها أن ما أصابهم هنا ،أصاب القوم هناك ،وتمايلت على المصعد من الضعف ،وهددها الرجل المرافق لها واضطر ثلاثة منهم أن يمسكوا جسدها الثقيل ،الغائب عن الوعي. وتناهى إلى سمع هادي صوت السيارات المصفحة وأقدام الجنود الذين تهافتوا عليهم ،يرفعون شارة النصر. قال الرجل الذي يحرس هادي لرفاقه:"ليست السماء جيدة هذا اليوم ،من الأفضل لو عدنا مشاة". ولم تمهله السماء ليكمل تكهناته وأرسلت تحذيراً قطرات مطر ونضحت في وجه الغافية الماء ،ثم صفقت غمامتان فوقهما وتعانقت خطوط بيض دون حياء كشعب قارورة ،وتجمع السيل تحت أقدامهم ،وصرخ الطيار أن يركضوا ،فكأنما أوحى نداءه وعي الحارس والجندية وحاول الجند أن يلحقوا بهما ،غير أن الأرض الصخرية مهدت للهارب سبيل الفرار ،وزلقت أقدام الملاحق في رمضاءها المنخفضة فعاد فلول الجيش إلى المدينة يبتغون سلماً من غضب السماء أن تساءلهم عن مبكي غمامة الصيف. قطع الهاربان الدرب القصير الذي يفضي إلى مكان افتراق الرفاق ،وعظم على سيقانهما المتمايلة عزوف اليدين الموثقتين عن دعمها ،فوقعا على ركبتيهما مرة أو مرتين في الأرض المبتلة ،فتناثر على وجهيهما من الماء. قالت المرأة وهي تبصر كهفاً في جبل قريب:"إني أجد معتزلاً جيداً" أجابها هادي بصوت غاضب:"وما يجدينا المخبأ إن غاب المخبّأ؟". "سنجدهم ،إن الذات الكبرى معهم" قالت بنبرة وثوق. قال لها وهو يضع كفه فوق عينه:"لعل الصيب خيل لك الصورة ،لو وجد فهو سقف جيد يمنعنا من المطر". وسلكا فجاً إليه وارتقياه بخفة الجنود والتفتا إلى الشق بين الصخور ،وضرب هادي بكعب حذائه بقوة ،ثم دخلا وجلسا قريبَين من بعضهما. وأخذتهما سنة بعد الذي اعتراهما من الوصب ،وتيقظت لواحظ الجندية بعد مدة فأيقظت رفيقها وأدركا أن سواد الليل غمر المكان. قالت رفيقة وهي تنهض:"إني أحس نشاطاً في بدني لا أدري له سبباً". نهض بدوره وخرج ،فلامس أنفه ريح الثرى وهبطا الجبل من الموضع الذي صعداه أول مرة ،وجالا حول المكان الساكن بخطى وئيدة. "إن الله أنزل من السماء ماء وأرسلك بزادك إلينا ،فماذا سأطلب غير هذا. لابد أن الجندي حسن هناك قد علم مرادي وشكر ،قد رزقنا بالمائدة" قالت بنغم ساكن. وتبسم هادي ولم تر ابتسامته في الظلام ،قال لها:"إن فؤادي مطمئن والقوم فارقونا إلى مآل لا نعرفه. أجد هذا غريبا" ردت عليه بصوت هادئ مستقر:"لأنهم بخير ،أحبابنا في صيانة الله".وضربت الرياح صدورهما وحملت هواء الحرية إلى القيود التي تبرق خلف ظهريهما ،فتحرك القيد عن اليد الذبيحة وصرخ الرجل قائلاً:"لقد نجحت ،لقد نجحت!". وابتسمت المرأة جواره برقة ،وأخذ القيد يهتز خاوياً على ذراعه اليمنى. إلى الفصل العاشر بإذن الله
|
||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||
|
|
المشاركة رقم: 19 | ||||||||||||||||||||||||||||
|
كاتب الموضوع :
حلم ينتظر
المنتدى :
يحكـى آنـ
أسلوبك ممتع حقا لقد استمتعت بها
|
||||||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||||||
|
|
المشاركة رقم: 20 | ||||||||||||||||||||||||
|
كاتب الموضوع :
حلم ينتظر
المنتدى :
يحكـى آنـ
أشكرك كثيراً
|
||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|