-4-
فتحت عيناي مع بزوغ أول خيوط الضوء المسترسلة من الشمس القادمة من بعيد
ولكن ضوءها سرعان ما أضاء التلال المحيطة بقرية البلان،طارداً ماتبقى
من عتمة،خلفها الليل وراءه،كان الندى قد تشرب بالغطاء،وكأن أحدهم سكب
الماء عليه،ولكن سرعان ما يتبخر عندما تشتد أشعة الشمس.
كنت اراقب من فراشي الذي افترشته على سطح المنزل حركة الفلاحين،مغادرين
منازلهم على ظهر البغال والحمير،متجهين إلى اراضيهم في ساعات الصباح الباكر
حتى ينهوا اعمالهم قبل أن تشتد شمس الظهيرة عليهم في العراء.
نزلت من على السطح،وقد كان الجميع نيام بسبب عرس البارحة فقد عادوا
متأخرين،ولم يشعر أحد بخروجي من المنزل،حيث اتجهت مباشرة إلى بيت امينة
لعلي اراها مستيقظة،ولكني وجدت والدها عند باب الأصطبل يسرج البغل،كي
يذهب للحقل،وعندما رأني،صاح مستغرباً:
-لماذا استيقظت باكراً ياولد?..حتى إنك لم تغسل وجهك،وتسمي بالرحمن.
-أريد أن العب مع امينة!..ألم تستيقظ بعد يا عمي!!
ضحك بصوت عال،وقال مستغرباً:
-أين كنت البارحة? ألا تعلم أن امينة قد تزوجت من الطحش!
-نعم أعلم،لكن العرس انتهى البارحة،وكل شخص ذهب لشأنه.
عاد يضحك ثانية،وقال بسخرية:
-امينة عند الطحش،أذهب واسأله،ربما يدعها تلعب معك.
كان اسم الطحش فقط يخيفني،فكيف سأطلب منه هذا الطلب،وقد سمعته البارحة
عندما كنت مختبئاً تحت السرير يضرب امينة من دون سبب،وقد مزق لها ثيابها
الجديدة،الأفضل أن أنتظر حتى تخرج امينة لوحدها ثم نهرب سوية إلى التلال بجانب
القرية،حيث لا يرانا الطحش.
اختبئت وراء كومة من الحجارة على مسافة قريبة من بيت الطحش،وجلست انتظر
لعل امينة تخرج من البيت فأراها،ومرت الساعات وأنا جالس في مكاني أراقب
حركة الباب الكبير لمنزل الطحش،ولكن دون جدوى،فلم يدخل أو يخرج أحد منه
واشتدت شمس الظهيرة فوق رأسي حتى شعرت بالدوار،ولم أعد أميز الأشياء أمامي
وعيناي لفهما السواد،حتى لم أعد اسمع جيداً،وكأن السكون أطبق على الكون،أرخيت
رأسي على الحجارة،ولم اعد أشعر بشيء من حولي.
كانت أمي تبحث عني في كل مكان،وعندما رأتني مستلقياً بجانب كومة الحجارة،هرعت
تركض نحوي،وبصعوبة كانت تحملني قليلاً وتستريح قليلاً حتى اوصلتني إلى البيت،لتضعني
على السرير،وذهبت لتحضر طبيب القرية.
لم اذكر كم رقدت في السرير،ولكني أتذكر كمادات الماء البارد فوق رأسي
والدواء الكثير الذي ابتلعته مجبراً،حتى عندما استعدت وعي كان لساني يلتف على
بعضه من طعم الدواء المر.
كانت أمي تجلس بجانبي،وعندما رأتني أفتح عيناي فرحت،وارتسمت البسمة على
وجهها الحنون،ثم قالت مازحة معي:
-أعتقد إنك تحب امينة أكثر مني!!! لقد كنت تنادي عليها في نومك طوال الوقت
-أريد ان العب معها ولكني اخاف من الطحش أن يضربني
-كيف يضربك?ان شاء الله تنكسر يده،إذا مدها عليك،تعال ياحبيبي ياغالي،وسحبتني
ثم ضمتني إلى حضنها فشعرت بالحنان والأمان يخترق صدري حتى يصل إلى قلبي الصغير
فيغمره ويبعث فيه السكينة.
كنت أراقب بيت الطحش كل يوم من بعيد،لعلي احظى برؤية امينة ولو للحظات
ولكن من دون جدوى،فلم أكن أرى سوى الطحش،يخرج من بيته لشراء بعض الحاجات
من دكان ابو شحادة القريب من بيته ثم يعود مسرعاً.
ضاق بي الحال ولم أعد احتمل فراق امينة وهي بجانبي لا يفصلني عنها سوى تلك
الجدران اللعينة،فقررت المخاطرة والأقتراب من منزل الطحش في الدقائق القليلة
التي يخرج بها إلى الدكان،وجاءت اللحظة السانحة،فقد جاء أحد أصدقاء الطحش
واصطحبه معه خارج المنزل،فاسرعت مغتنماً الفرصة،واقتربت من نافذة الغرفة
التي حاولت الهرب منها عندما كنت مختبئاً في الداخل.
كانت النافذة مرتفعة عن الأرض بالنسبة لصغر جسدي،فتسلقت على القضبان
الحديدية التي تمنع خروج أو دخول احداً إلى الغرفة،ورحت أصرخ على امينة بخوف
وصراخي لا يكاد يصل إلى أذني من شدة خوفي من الطحش الشرير،ولكن امينة
لم تسمعني،فحاولت الصراخ بصوت أعلى،وفجأة،رأيت شيئاً يتحرك في الداخل بجانب
السرير،لقد كانت امينة،نعم هي امينة،مقيدة من يديها إلى السرير الحديدي
وكانت تنظر نحوي وكأنها ترى رحمة من السماء.
كان وجهها شاحب جداً،ويداها ترتجفان،وهي تحاول الوقوف،ولكن قيدها
كان يعيقها عن الحركة،راعني ما رأيت ولم أعد أفكر بالخوف من أحد
قفزت من على سور البيت ودخلت إلى الغرفة.
كانت امينة تجلس بجانب السرير،وهي ترتدي ثوب قصير،أعتقد انه لأم الطحش،وقد
بانت ذراعيها الصغيرتين منه بيضاء كالثلج،مع بعض الكدمات الزرقاء تشوه
جمال وجهها،وأنياب الطحش تركت أثار بالغة على صدرها الرقيق.
عندما رأتني امينة،سالت من عينيها الدموع وهمست بخوف شديد:
- كيف دخلت إلى هنا? أهرب قبل أن يأتي الطحش،كي لا يقتلك!
- لا يهمني لا الطحش ولا غيره،،،،قلتها وساقاي تقصفان من الخوف
-أذهب أرجوك!! غادر الأن،،إذا جاء الطحش ووجدك هنا لن يحصل خير
-لا تخافي لن يحضر بسرعة،فقد رأيته يغادر مع أحد اصحابه
- الله يأخذه
-ولكن لماذا يفعل بك هكذا? ولماذا يعضك من صدرك?هل يريد أن يأكلك!!
-لا ادري ولكنه يفعل أشياء حقيرة،أستحي ان أتفوه بها
-ولماذا لا تخبري ابيك وامك عنه،حتى يخلوصوك منه!
-لقد أخبرت امي،ولكنها نهرتني وقالت لي،أفعلي مايطلبه منك زوجك،فأنت ملكه
الأن.
-لماذا لا تعودين إلى البيت وتنهي هذه اللعبة الحقيرة،وأنا أعدك بأننا لن
نلعبها ثانية،فأنا الأن أكره كل شيء اسمه عرس.
-لا أستطيع،فقد قالت لي أمي أن أبي سيذبحني اذا عدت إلى البيت،وأن بيت زوجي
الطحش،هو قبري،يجب أن لا أغادره أبداً.
-تعالي لنهرب سوية إلى التلال المجاورة للقرية ولا نعود حتى يموت الطحش.
-لا استطيع فك القيد، أنه يقيدني بسلسلة وقفل،كي لا اهرب!
-ولكن أين مفتاح القفل?
- انه يضعه بجيبه،لا يفارقه أبداً،ولكن أذهب الأن،وغداً سوف ألاقيك عند التلال
بجانب مقبرة القرية.
-وهل ستستطعين الهرب غداً!
-لقد وعدني أن يدعني أذهب غداً في الصباح لأرى أمي،وبعد أن أرى أمي سوف
نلعب سوية عند التلال،قبل أن أعود ثانية لبيت الطحش،
-سوف انتظرك اذاً في الصباح عند التلال قرب المقبرة،ولكن لماذا تريدين
العودة ثانية لبيت الطحش?
-أني أخاف أن يذبح أبي أمي،فقد قالت لي أمي عندما أخبرتها بأنني سوف أهرب
من بيت الطحش:أرجوك يابنتي أستري علينا،والله ان سمع أباك ليذبحني ويذبحك سوية.
مددت يدي الصغيرة إلى وجه امينة الجميل،حتى لامست خدها الوردي،ورحت أمسح
دموعها برفق،فأمسكت بيدي وقبلتها،ثم ضمتها إلى صدرها بحنان.
اخترقت ضحكات الطحش المرعبة القادمة من الشارع لحظات الحنان التي تغمر قلبي
الصغير،فأسرعت بالخروج من الغرفة،ولكني لم أستطيع مغادرة حديقة المنزل،فقد
كان الطحش يقف بجانب السور يودع صاحبه.