خَرَجَتْ (ريشةُ الشيوخِ) ذاتَ يومٍ لتلعبَ مَعَ صديقاتِها ...
في ذاكَ الزِقاقِ الموجودِ بينَ السطور الكبيرة والقويةِ ..
زِقاقٌ ضيّقٌ جداً....
ولكنْ رغمَ ضِيقِهِ إلاَّ أنه يتسعُ لقلبِها الكبيرِ..
أنظرْ إلى أطفالِ الحارةِ في تلك الصفحةِ: أدواتُ الجَرِّ وأدواتُ النصْبِ وأدواتُ الجزمِ ..
ما أجملَهم من صغارٍ لا يحملون في قلوبِهِمْ إلاَّ الحبَّ ..
خَرَجَتْ الريشةُ الصغيرةُ تبحثُ عَنِ الرِّفَاقِ فَلَمْ تجدْ سوى علبةَ الهندسةِ تحتوي على بعضِ الأدواتِ الهندسيةِ ( فرجارٌ – مثلثٌ – مِنقلةٌ – مسطرةٌ- مِرسمةٌ صغيرةٌ ) فتعرَّفَتْ الريشةُ على الجميعِ ...
وقدَّمَتْ نفسَهَا بكلِّ سُرورٍ: أنا اسمي ريشةُ الشيوخِ ...
وهذا أبي شيخٌ كبيرٌ لكن له هيبةٌ في حضوره، فلا يوجدُ هناك أيُّ كائنٍ يستطيعُ أنْ يقفَ في وجهِهِ يوماً لأنه بكلِّ صدقٍ ... هو الرجلُ الصادقُ ...
هو أبي ... هو أبي .... شيخ الشيوخِ تهابُه كلُّ الأدواتِ ...
وأنا ابنتُهُ .. اسمي الحقيقي ...( ريشةُ الشيوخِ) ...
هلْ تصدِّقون يا أطفالُ ؟ لو ذهَبَ أبي إلى فلسطينَ لتحررتْ القدسُ ...
إنه بطلٌ وشجاعٌ ... يكفي بأنه أبي....
فأنا لا أحبُّ في الدنيا إلاَّ أبي ...
وأبي كذلك يُحبُّني كثيرا ً....
استَمَعَتْ أدواتُ علبةِ الهندسةِ لكلامِ الريشةِ الصغيرةِ التي كانتْ تفتخرُ بأبيها ..
وقدَّموا لها تحيةَ إجلالٍ وتعظيمٍ ...
فقد لمسوا مِنْ حديثِها أنّ أباها رجلٌ عظيمٌ ...
وقالوا لها: نريدُ مشاهدةَ والدِكِ يوماً لنرى مدى قوَتِهِ ...
فوعَدَتْهُمْ بذلك، وَوَدَّعَتْهُمْ مَعَ ذلك، وانصَرَفَتْ إلى ذلك ....
(ذلك) هو اسمٌ مجهولُ الهويةِ حتى الآن ....
***
وفي اليومِ التالي نَزَلَتْ ريشةُ الشيوخِ إلى زقاقِ الحَارةِ ..
داخلَ الصفحةِ المُنَارةِ ...
وَوَقَفَتْ ببابِ العمَارةِ ...
كانتْ الشمسُ مشرقةً وحَارَّةً ...
وقدْ سَلَّطَتْ أشعتَهَا على عيونِهِا بكلِ جُرْأةٍ ...
حَاولَتْ إغلاقَ عيونِهَا بِشِدَّةٍ فهيَ بِطَبَيعَتِهَا تَرْفُضُ أيَ تَسَلُّطٍ خَارجيٍّ ...
حَاولْت مِراراً وتكراراً إغلاقَ عيونِهَا هَرَباً مِنْ سَطْوَةِ أشعةِ الشمسِ ...
معتقدةً أنَّ عمليةَ الإغلاقِ هي العملية الصحيحةُ في هذا الموضعِ!!!
ثمَ قَرَّرَتْ مسرعةً التحديقَ في الشمسِ ...
(فهي سريعة جداً في اتخاذِ قراراتِهَا)
وقالَتْ في نفسِهَا: لنْ استسلمَ يا شمسُ ...
فأنتِ مَجَرَّدُ شمسٍ ولكنْ أنا الريشةُ ...
أنتِ نَكِرَةٌ وأنا كلُّ المَعْرِفَةِ ...
فَراحتْ صغيرتُنَا ريشةُ الشيوخِ تُحَدِّقُ في الشمسِ ...
كنوعٍ مِنْ أنواعٍ التَحدِّي ...
كانت لا تعْرِفُ ما هو مصيرُها في المستقبلِ القريب أو البعيدِ ...
ولكنَّها كانت تُحدِّقُ في الشمسِ وتقولُ: سأفعلُ شيئاً يوماً ما ...
سأفعلُ شيئا يوماً ما ...
سأفعل شيئا يوماً ما ...
سأفعلُ شيئاً يوماً ما ...
لَنْ أظلَّ هكذا ...
ولنْ أبقى هكذا ...
فأنا لْسُت هكذا ...