حول المدرسة الرمزية في الشعر المعاصر – 1-
من المدارس البارزة والمثيرة للجدل والخصام بين النقاد المدرسة التي سميت بـ( الرمزية ) ، ويرى منظرو النقد أن هذه المدرسة الأدبية والنقدية قد خرجت من رحم المدرسة الرومانسية ، بل نظر إليها بعضهم بوصفها مرحلة متطورة منها ، ولاسيما في جانبين اثنين ، هما عمق النظرة إلى ماهية الصورة الشعرية ووظيفتها والأخرى ولاعتراف بالفرد وعالمه الداخلي ، وقبول هروبه من عالم الواقع إلى عالم الحلم كنوع من الرفض أو التمرد على ذلك الواقع ، كما إن تطور مجال الدراسات النفسية ولاسيما آراء فرويد عن اللاشعور الفردي ثم آراء يونغ عن اللاشعور الجماعي كل ذلك ساهم في إنضاج فكر هذه المدرسة .
والرمزية التي نشير إليها هنا هي في أبسط مفاهيمها " طريقة في الأداء الأدبي تعتمد على الإيحاء بالأفكار والمشاعر وإثارتها بدلاً من تقريرها أو تسميتها أو وصفها " وقد اصطنع الرمزيون وسائل عديدة للإيحاء بدلالات أعمالهم الشعرية ، وهم لم يبتكروا كل تلك الوسائل لكنهم جمعوا ما تفرق منها عند غيرهم فأكثروا من استعمالها وزادوا فيها وفلسفوها على حسب آرائهم
والطريف أن أكابر منتقدي المدرسة الرمزية ، في البلاد العربية ، كانوا من المخضرمين الذين عاشوا فترة المد الرومانسي ونهلوا منه وبشروا به ، ثم إذا بهم قد عشا أبصارهم وهج هذه المدرسة الجديدة التي أرادت شدهم معها من الوقوف على حافة الذات الإنسانية ، التي اكتفوا بالدوران حولها ، إلى الهبوط في أغوارها والغوص في أعماقها إلى درك ينعدم فيه الوعي وينقطع فيه الشعور ، ثم التوغل في ظلمات اللاوعي ومجاهل اللاشعور إلى عالم شبيه بعالم الأحلام ، أو هو عالم الأحلام بعينه ، لكن هؤلاء هابوا هذه الرحلة غير المأمونة وعدوها نوعًا من العبث ، بل ضربًا من أحوال الحواة وصناع الدجل .
لكن رغم هذا التهيب من قبل الآباء ، لم يحجم الأبناء من تكرار الدعوة إلى سبر أغوار النفس الإنسانية في الأدب والنقد ، ولم يرعهم قسوة أولئك الآباء وتشددهم في نقدهم ونقد صنيعهم ، بل مضوا في هذا السبيل ، سواء في البلاد الأوروبية أو نظراؤهم في البلاد العربية ، ينظّرون لتيارهم هذا الذي هو ألصق بطبيعة الأدب ووظيفة الشعر في استلهام النفس الإنسانية.
يتبع