بداية ًأعتذر أختي الكريمة على التأخير بالتعليق في أوانه...
..يبدو لي-ست غاردينيا الكريمة-أن هذه ( التراجيديا ) المأساوية التي تتجلى أحداثـُها المتسارعة هنا في ( طعنة في القلب ) هي امتدادٌ إبداعيٌّ لرواية ( الفندق ) التي تألقتِ بها سَلفاً،لأن عناصرَ من حِبكةِ الأحداثِ المثيرةِ،ذاتِ ( الكاريزما ) الواحدة،والتي تثيرُ في القارئ نوعاً من الانفعال التشويقي هي نفسُها التي تمتدُّ طولاً في خط إبداعيٍّ واحدٍ،لا تكادُ حلقاتُ مضمونه تنفك هنا أو هناكَ،فتعطي لنا-نحن النقدة-انطباعاً من أن مسارَ العمل القصصي والروائي متداخِلٌ،متكاملٌ في حِسِّ المبدِع،فنقطة الإثارة ( السوسبانس ) هي الجذوة المُتـَّقِدة في قرارةِ المَلـَكَةِ والموهبةِ،وهي التي تشحَذ هِمة القلمَ أن يتحركَ في كل اتجاهٍ روائيٍّ يرنو إلى اختلاق قصةٍ أو روايةٍ دراميةٍ تجمعُ بين الملهاة والمأساة...
وهاهي-مبدعتي الكريمة-ومضتـُكِ الروائية هذه ( طعنة في القلب ) تكشف لنا مرة أخرى عن عنفوان عنصر الإثارة بما يميز قصة ًدراماتيكية ً،التقى في نسيجها ( الألمُ الغائرُ ) مع ( الحب الصادق الجريح ) مع ( الانتقام المُكْرَهِ ) مع ( الدمعةِ البائسةِ التي تكسَّرَتْ قطرتـُها في طعنةٍ نجلاءَ )..كلُّ هذا انصهرَ في بوتقةٍ من بساطةِ البناءِ،ووضوح الأسلوب المباشر،دَلَّ على أن هذا العمل الروائي،يستندُ إلى رصيدٍ من التجربة السابقةِ والمُكتسَب القبلي الواعد...
لستُ أدري-سيدتي الكريمة-لِمَ تداعى في خاطري وأنا أطوي سيْرورة الأحداث المتسارعة لهذه المأساة شيئاً من قصتين مأساويتين،كنتُ قد قرأتهما أيام كنتُ طالباً-تجسدا بعد ذلكَ في فيلميْن عربيَّيْن سينِيمائيَّيْن-هما ( غرام الأفاعي ) بطولة ليلى علوي وهشام سليم،و ( العشاء الأخير ) بطولة سعاد حسني و حسين فهمي،ففيهما من إيحاء ( الحب الجريح ) و ( الرغبة في الانتقام ) ما يلامسَا-بصورةٍ أو بأخرى-أصداءً قريبة ًمن أحداث ومواقف هذه التحفة الروائية التي نثرَها قلمُكِ هنا،مع فارق بسيطٍ وهو أن روايتَكِ المثيرة هذه فيها ( طفرَة ٌ ) فنية ٌ جميلة،تتمثل في تقديمها-ابتداءً-على شكل ( مونولوج داخلي ) يُوحي بأن البطلة الرئيسة يارَا تحكي مأساتـَها مع الرائد مراد بطريقةِ وأسلوبِ مَنْ وقعَ معه الذي وَقعَ،وعَلِمَ الأسرارَ والخبايا،وانكشفتْ أمامَه الحقائقَ والتفاصيلَ،ثم راحَ يستذكرها كفضفضةٍ وذِكَــرى أليمة...
شيءٌ رائعٌ حقا-سيدتي-أن تمضي هذه الأقصوصة المثيرة وقد أعفاها القدرُ الجميلُ في قلمِكِ المبدِع من أخطاء اللغة والبناء،فراحتِ اللغة الواضحة السليمة تتداعَى في بصر القارئ العربي من غير أن يصطدمَ بتشويهٍ مَّا قد يُعكِّرُ فيه جمالَ الفحوى والمغزى اللذيْن تزخران به...
أظن ليسَ هناك من خطأ لغويٍّ صريحٍ عَــدَا هذه العبارة : ( لم يَبقى )،والصواب النحوي أن نكتبَ ( لم يبقَ ) لأنه فعل مضارعٌ مُعتلٌّ مجزومٌ بـ ( لمْ ) وعلامة جزمه حذفُ حرفِ العِلة....
إذ يبدو واضحاً أن هذه العقبة مُتصلة ٌبعواملَ آخرى لها علاقة بتكوين الكاتب من الأساس،وبثقافته وباختصاصه وبمدى مطالعاته الرسمية أو الحُــرَّة،وبمدى جديته الأصيلة في تعَلـُّم اللغة وحِيازةِ أسرارها،وبالتالي بمدَى تفاعله الخـَــلاَّق مع جمال الحرف العربيِّ البديع...
وإذا كنا نؤمن بأن (( الحَـــدَّادَ يتكون أثناءَ الحِدَادةِ Composé pendant la forge de deuil )) كما يقول الفرنسيون،فإننا نرى مع ذلكَ أنه يَعسُرُ على الكاتب أن يُنتِجَ عَمَــلاً رفيعاً متكاملاً دون أن يتمرحلَ روَيْداً رُوَيْداً في حيازةِ الضروري من آلياتِ اللغة العربية،بحيث تنتقلُ أعمالـُه الأبداعية من طور إلى طور مع الزمن...
لا أشك لحظة-سيدتي الكريمة-أن مؤشرَ الأداءِ اللغوي في إبداعاتِك القصصية والروائية قد نمَا وترعرعَ وتجدد وتطوَّرَ في زمن قياسي،على الأقل في الأعمال التي نشرتِها هنا على رشحةِ منابعنا الأدبية..ويَقيني الراسخ أنَّ هذا المؤشرَ الإيجابيَّ سَيُفضِــي- إن شاء الله-لا محَالة َإلى تلافِــي تلكَ العقبة نهائيًّا،لأن المخزونَ الفني من الاستعداد والقابلية والرغبة في التعلم والإبداع في قلمِكِ كفيلٌ لأن يجعَلـَكِ تتلافيْنـَها بأقل المغارم وفي أسرع وقت...
ودمتِ لنا ينبوعاً روائيًّا واعداً....