الدَّهـر
( من الطويل )
طوى الدّهر عن قلبي هُياما ً فَتُيِّمَ --- بضَيم ٍ فلم يُرْحمْ و لم يَتنَعَّمُ
حشاه ببعد ٍ كي يذوب و ينثني --- و أفحمْهُ نارا ً إذ بها يَتضرَّمُ
فليس لقلبي أن يهيم و ليتني --- قضَيْتُ فلا أدمى و لا أتفحَّمُ
بَلِيتُ بضعف ٍ أو رُميت بأسهُم ٍ --- تمزِّقُ قلبيَ بالفِراقِ فأُعـدَمُ
فكـيف حياتي إذ عُدِمتُ منافذي --- و صار الهوى عندي عذابه عـلقمُ
دَمِعت عِيوني و الفؤاد مهلهلٌ --- و فاضت جراحي بالأنين و بالدَّمُ
فصاح فؤادي من عذابه يهتفُ --- بأنْ ذي جراحٌ لا تـزول فأَلطُمُ
و نابت دموعي عن طلائع بسمتي --- و تبصرُ عيني ما أمرُّ و أعظمُ
و تُذبَحُ آلامي و تُصْفَعُ فرحتي --- و تُحبسُ أنفاسي و ليليَ مُظـْلمُ
رُميتُ بذا في سلـَّة الحُزن والأسى --- و ليت لرُوحي أن تفرَّ و تَسْلـَمُ
أطالبُ قلبي بالفرارِ من الرَّدى --- فيأتِ بصمتٍ لا يَرُدُّ فأُصْدَمُ
قضى الدهر بالبُعد العقيم و بالجوى --- و ما عدت أرجو أن يحِنَّ و يَرْأمُ
أراه غليظا ً إذ يصبُّ عذابَه --- بغِلٍّ لكي أوْهى فهل أتجهَّمُ
سقاني بجمر ٍ قد أتاني من لظى --- بلا جُرْمِ أو إثـم ٍ أراه يُدَمدِمُ
فتصحبني الأشجان والوَجْد في دمي --- و خِلت كأنَّني و الحزن توأمُ
و تتركني الأحلام و القلب يكتوي --- و تنفَذُ أيَّامي و اللـّيل مظلمُ
و ذاك فؤادي لا يروم إلى العُلا --- و ما عاد يقدر أن يراه و يَحلمُ
و إن أبحر اليوم في الخيال مسافرا ً --- أُرَدُّ إلى القاع و بالبؤس ُأبرَمُ
فذلك دربٌ بالدُّموع يُلألئ --- و أجبرُ أن أمضي عليه و ُأرغَمُ
أصوغ من بحر الشُّجون رواية ً --- تُعمِّرُ أحزانا ً و ذا الحبُّ يُهدَمُ
و تقرؤ في تلك السُّطورِ مرارتي --- و يفضحُ دمعي ما ُأكِنُّ و أكتمُ
و تألم رُوحيَ و بالدَّمع تكتسي --- ترى حزنَ إذ يبدو علي يُخَيِّمُ
و يعرفُ دهري ما أُحسُّ فيُسقني --- حميما ً و غـسَّاقا ً كأنـِّيَ مُجرِمُ
و هاذي نُجوم ٌ في السَّماء بَرِيقها --- و تعزفُ ألحانا ً بها تتهنـْدمُ
أراها تميل أن تذيب مدامعي --- و هيهات أن أشفى فلا أتبلـْسَمُ
و ليس ليشفى بالدَّواء فؤاديا --- و يشقى بأن يبكي و لا يتبسَّمُ
يُحاكمُ قلبي في القضاء بتهمة ٍ --- و حقُّ دفاعي ذا أراه مُحرَّمُ
يُحاصَرُ زُورا بالكآبة و الحَزَن ْ --- فأصبح محروما ً و غيريَ يَنعَمُ
يروِّع قلبيَ و الحُـزْنُ روضتي --- أراه بها يأوي يعيشُ و يألـَمُ
شجونُي أراها اليومَ تقتاتُ من دَمي --- و تُفزِعُ أحلامي فأحيا و أظـُلـَمُ
و تمضي ليال ٍ ما بعيني مقلة ٌ --- أعجُّ بآلام ٍ و جُرحيَ مُحكـَمُ
كأنَّي بويلاتٍ فيشتدَّ وطؤها --- تحارب رُوحي كي تئِنُّ و تُهزَم
و تجدب قهرا ً في الأنين منابعي --- و توهى مهابتي فمن أين ُأكرَمُ
و تقسـو عليّ في عذابي مصيبة ٌ --- و يبلى بها عَظمي و القلبُ يعلـَمُ
و تُغرَسُ في قلبي جـذور مساوئ --- و تنبعُ بالآه و منِّي تغنمُ
و تغزوَ أحلامي فينزع نفحها -- - فزالت بلا عَوْدٍ فهل أترحَّمُ
و تُطفؤ في قلبي مشاعل مهجةٍ --- و تيبسُ في صدري و بالفقد ُأفعَمُ
كأنِّي أراني في طريقٍ قاتم ٍ --- و لا خَيط للضَّوء و قد صار مُعتِمُ
أُبشـَّرُ بالسُّوء و عن ُقرب يُقدِمُ --- فذا الشَّرُّ يأتي و ذا الخيرُ يُحجِمُ
و إن تُبدِ أحزاني قوافي قصيدتي --- ُأكبـَّل أغـلالا ً و ُألجَمُ في َالفمُ
فأتركَ آمالي و أطويَ صفحتي --- و أصدرَ أنَّاتي و قلبي مُحطـَّمُ