تكرمــي أختي الكريمة-رفا الود-على هذا الحِرص المعرفي الذي يكشفُ عن النهَم الدائم في نفس المثقف أو الكاتب أو المُبدع لمعرفةِ أسرار الحرف العربي وحيازةِ ناصيته في التوظيف والاستعمال والأداء والرحيل-بين الفينة والأخرى-إلى المظان،يغترف منها،ويُجددُ زادَهُ معها،ويستقي لرصيدهِ اللغوي والأسلوبي والشعري والنثري ما يَقيه مثالبَ اللحن وهَفواتِ الأخطاء...
وأنا أيضاً-أختي الكريمة-أشدُّ على رأي أختنا الكريمة ذكريات،وعلى الفهرست العامرة التي أردفها لك أستاذنا الفاضل قديم الشوق،من أنَّ الكتابَ-كقيمةٍ وكيانٍ مَبدئي-سيبقى هو المَحجة التي تـُولي العقولُ الطموحة ُوالنفوسُ الظمئة للمعرفة والاستزادة شطرَها إليه على الرغم من أن الوسائلَ الأخرى-وفي مقدمتها النت-تكادُ تـُقوِّضُ هالة َالكتاب وقدْره وقيمته في نفوس السواد الأعظم من جماهيرنا الغفيرة....
فشيءٌ طبيعي-أختي-أن يبقى الكتابُ في حِسِّ الإنسان المثقف الجاد،وفي عُرْفِ المُبدِع الطموح إكسيراً،لا مناصَ عنه في التقييم والتقويم وفي مراجعةِ المعارف والمعلومات والاستدلال عليها وتأصيلها بالاستشهاد واستقراءِ قضاياها....
وفي مكتبتنا العربية العامرة-ولله الحمد المِنة-ثراءٌ عَــريضٌ من زخـَم المراجع والمصادر والأمهاتِ من بطون الدواوين والآثار والمخطوطات،وهي-بحمد الله-تتجدد بالطباعةِ وإعادةِ النشر هنا وهناكَ،وبحقوق نشرية في الطباعة محفوظة...
وفيها مَنْ راحَ كثيرٌ من أساتذتِنا الكبار ونقادِنا النحارير،يُعيدون صياغتـَها وفقَ التذليل والتسهيل اللازميْن،حتى يُعفوا الجماهير المعاصرة من حشو الجزالة والغرابة التي صيغتْ بها أول مرة....
أما شبكة النت،فلي-في تقديري الشخصي-رأيٌ بخصوص اتخاذ عالـَمِها الواسعَ العريض مظنة ًومرجعية ً،نستقي منها المعارفَ والمعلوماتِ ونؤصِّــلُ لها من خلال معروضاتِ مواقعها المختلفة ومنتدياتها الغفيرة...
فـ ( شبكة النت )-كما يعلم الكُلُّ-حقلاً مُشاعاً،يحملُ في منابته الغثَّ والسمينَ،الصحيحَ والمُخطئَ،المليئَ والفارغَ،اللبابَ والقشورَ..وليسَ-بَداهة ً-كلُّ موقعٍ أو منتدًى أفتحهُ،أرمي له بثقتي العلمية والمعرفية المُطلقة،وأنطلقُ أطيرُ بمحتوى صفحاتِه،أجعلها-في استشهاداتي واستدلالاتي-متكأ ًرئيساً في حواراتي ومقالاتي ومشاركاتي،هكذا من غير تمحيصٍ عِلمِيٍّ ولاَ تثبُّتِ يَقيني راسخ...
هناكَ-حسبَ اطلاعي المتواضع-عشرات،بل مئاتِ المواقع الأدبية واللغوية والثقافية التي تمتلئُ أروقتـُها وأقبيَتـُها بحشدٍ هائلٍ من الطروحاتِ الأدبية واللغوية والنقدية المختلفة،والتي تبدو لظاهر العيْن-بسبب الكَمِّ الهائل من المقالات والمشاركات والتعليقات-مكسباً أدبيًّا ضخماً ومكتبة ًعامرة ًمن إرث الأدب واللغة،حتى إذا توغلنا فيها وأعمَلنا فيها مِبْضع التمحيص والغربلة والنقد الراسخ المَكين،طاشتْ تسعة ُأعشارها،من قيمتها العلمية والمعرفية والإبداعية بسبب الأخطاء الرهيبة والمزالق القاتلة والفوْضى العارمة في النقل والفهم والطرح والمنهج والعرض...
شبكة النت-أختي الكريمة-ليستْ هي الجهة المأمونة للباحث الجاد ولا لطالب العلم الذي يبغي اكتسابَ أرضيةٍ صلبةٍ في اللغة العربية وعلومها وآدابها ( من نحو وصرف وإملاءٍ وبلاغةٍ ونقدٍ ودراساتٍ أدبيةٍ مختلفةٍ )،والأساسُ في هذا التحصيل عن طريق أحدِ رافدين :
ــ أخذ العلم المباشر من أفواه الرجال..أعني ؛ الاغتراف المباشر من أفواه علمائنا وأساتذتنا الراسخينَ إذ تهيأتْ لنا الأقدارُ الحسنة كطلبة علمٍ وتلامذة...
ــ وإن تعذرَ الأمرُ،فإنه لا مناصَ من الكتاب الثقة،نبحث عنه ونستوثقُ من طبعته وبراءَةِ الأساتذة المختصين فيه...
هل معنى ذلكَ أن كلَّ مواقع النت ومنتدياتها محَلَّ شبهةٍ وريبة..؟؟
يَقيناً لاَ...ولكني أريد أن أقولَ بأنَّ المواقعَ والمنتدياتِ المأمونة بالكادِ تـُذكَرُ...!!
إنها موجودة..ولكنها على نـدرة،وهي التي تتبَعُ مؤسساتٍ للدراساتِ الأدبية واللغوية المختصة ( كمجامع فقه اللغة في القاهرة ودمشق ) أو مراكز البحوث الأكاديمية للمعاهد الرسمية والجامعات العريقة في البلاد العربية،وهذه الأخيرة في العادة ما تكتنفها صعوباتُ الاشتراك والانضمام إلا بوجودِ شروطٍ ومؤهلاتٍ علميةٍ معينةٍ ووفق ضوابط َومَقاييسَ لا تتاحُ عادة ًللسواد الأعظم من الناس،لأن هذه المواقع والمنتديات،تـُعتبَرُ أرشيفاً لديوان مطبوعاتِ تلكَ المؤسساتِ الكبيرة،فالقائمون عليها،يحتاطون لها خوفاً من العبث العلمي والثقافي الذي يَشيعُ عادة في المواقع والمنتديات المُشاعة...
وواللهِ لقد احتجتُ مرة ًلتغذيةِ رسالةٍ علميةٍ لي بمعلوماتٍ تأصيليةٍ،فاستعرضتُ أكثرَ من عشرين موقعاً ومنتدًى،ولما أخضعتُ الكَمَّ الهائلَ من المقالاتِ والمعارفَ المُستقاة ذاتِ الصلة للتمحيص والغربلة-بإشراف أساتذتي-عدتُ في النهاية بخفيْ حنين..!!!
لذا-أختي-أنصحُ دائماً بالكتاب ثم الكتاب...
مراجعُ الأدب الخاصة بتراث الشعر والنثر الأموي والأندلسي-ولله الحمد والمنة-كثيرة،ومتنوعة،وهي زخـَمٌ غزيرٌ،وكثيرٌ منها-وأعني بها المعاصرة-ما يكونُ في الأصل رسالة عليا أو أطروحة في الأساس..وأنا هنا لن أطمعَ أن أزيدَكِ على ما تفضل به أستاذنا قديم الشوق،فقد وفـَّــى واستوفــى،غير أني-بحكم تجربتي المتواضعة كأستاذ في اللغة والدراسات الأدبية-أحب أن أؤكدَ على بعض أسماء الكتب والمراجع لأهميتها كأولويةٍ لباغي التحصيل...
أذكرُ على سبيل المثال-لا الحصر-( الفن وذاهبه في الشعر ) لأستاذنا الكبير الدكتور شوقي ضيف رحمه الله،أو موسوعته الراسخة ( الشعر الغنائي في الأمصار الإسلامية )..أذكرُ ( أدباء الخلفاء الأمويين ) لأستاذنا الأديب الكبير عبد الرزاق حميدة..أذكر ( الحياة الأدبية بعد ظهور الإسلام ) للعلامة الأديب محمد عبد المنعم خفاجي رحمه الله..أذكرُ ( بلاغة العرب في الأندلس ) للأستاذ أحمد ضيف..أذكر ( ظـُـهر الإسلام ) للعلامة الأديب الكبير أحمد أمين رحمه الله...أذكرُ ( أدباء العرب في الأندلس ) للأديب اللبناني الكبير بطرس البستاني..أذكر ( الموشحات )-وهي رسالة راسخة-للأستاذ الكبير جميل سلطان..
أما مراجع الدراسات اللغوية ( النحو والصرف والإملاء )،فهي كثيرة وجزلة عند الأسلاف-ككتاب ( الكتاب ) لسيبويه و ( الجمهرة ) لابن دُرَيْد وغيرهما-أما عند الأخلاف المعاصرين،هي أيضاً كثيرة،بيْدَ أن من بين أحسن الكتب والمراجع السهلة المبسطة-خصوصاً للمبتدئين-نجد مثلاً ( هداية السالك إلى ألفية بن مالك في جزأين ) لأستاذنا الدكتور صبيح التميمي..ولكِ أن تبحثي عن سلسلة الدروس الصوتية في ( شرح المقدمة الآجرومية-لابن آجرم-) التي شرحها فضيلة العلامة الكبير الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمة اللهِ عليه في مجالسه العلمية،وقد وجدتها أوفى وأحسن ما وصلتْ إليه يُمنايَ في مجالها على الإطلاق....
بوركتِ-سيدتي الكريمة-ولكِ مني كل مشاعر التقدير والإكبار على هذه الروح العلمية في البحث والتحصيل...
ودمتِ لنا نبعاً فيَّاضاً....