أنت غير مسجل في منتديات منابع الأدبية . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا

 

لوحة التميّز الشهري (قريباً)

قريبا

قريبا

قريبا

قريبا

قريبا

عدد الضغطات : 4,614

آخر 10 مشاركات الاستاذ علي هزايمه-قطار اللذه ( آخر مشاركة : علي هزايمه - )    <->    الاستاذ علي هزايمه-بركه خان ( آخر مشاركة : علي هزايمه - )    <->    قصة وقصة وراء الصراع الأزلي بين الخير والشر ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    قصة وقصة وراء الصراع الأزلي بين الخير والشر ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    قصة وقصة وراء الصراع الأزلي بين الخير والشر ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    قصة وقصة وراء الصراع الأزلي بين الخير والشر ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    قصة وقصة وراء الصراع الأزلي بين الخير والشر ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    قصة وقصة وراء الصراع الأزلي بين الخير والشر ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    الكلام حول ماذا كان قبل الوجود ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    هي أمي ( آخر مشاركة : حسين محسن الياس - )    <->   
مختارات      <->     الشَّـكُّ مِفتـاحُ كُـل مَعْرِفَـةٍ      <->     
العودة   منتديات منابع الأدبية > منتديات الأدب العربي > يحكـى آنـ
التسجيل المنتديات موضوع جديد اجعل كافة الأقسام مقروءة

الملاحظات

يحكـى آنـ هـمّـسٌ رِوائـِيّ , وقـِصـِة قصيـِره , وأعذب مامرّ على الأزّمـَان !

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 30-08-2010, 03:59 PM   المشاركة رقم: 11
المعلومات
الكاتب:
الراجي
اللقب:
عضو مميز
الراجي
عضو مميز
 
الصورة الرمزية الراجي

 تاريخ التسجيل : May 2009
 رقم العضويـة : 3452
 مجموع المشاركات : 1,157
 بمعدل : 0.18 في اليوم
 معدل التقييم : 12
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
الراجي غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : فايز الأشتر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

اخي الكاتب الرائع / فائز الاشتر
مازلت اتابع بشغف ما يجود علينا به قلمك الفياض بالروعة .. الصراحة اني احسدك (( للمزاح فقط )) كيف انك تستطيع ان تكتب في اجواء شهر رمضان .. .. فعن نفسي لم استطع ان اكتب جملة واحدة فاجواء الصيام لها تأثير اخر ..
تقبل تقديري واحترامي












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

كلكم لآدم ... وآدم من تراب !!!

عرض البوم صور الراجي   رد مع اقتباس
قديم 02-09-2010, 02:31 PM   المشاركة رقم: 12
المعلومات
الكاتب:
فايز الأشتر
اللقب:
نبع جاري
فايز الأشتر
نبع جاري
 
الصورة الرمزية فايز الأشتر

 تاريخ التسجيل : Apr 2010
 رقم العضويـة : 4350
 مجموع المشاركات : 122
 بمعدل : 0.02 في اليوم
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
فايز الأشتر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : فايز الأشتر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

الأخ العزيز الراجي

شكراً لك على المرور الجميل والكلمات اللطيفة

معك حق،الكتابة وتجميع الأفكار صعب جداً في رمضان مع الصيام

تحيتي ومودتي.












عرض البوم صور فايز الأشتر   رد مع اقتباس
قديم 18-09-2010, 12:09 AM   المشاركة رقم: 13
المعلومات
الكاتب:
فايز الأشتر
اللقب:
نبع جاري
فايز الأشتر
نبع جاري
 
الصورة الرمزية فايز الأشتر

 تاريخ التسجيل : Apr 2010
 رقم العضويـة : 4350
 مجموع المشاركات : 122
 بمعدل : 0.02 في اليوم
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
فايز الأشتر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : فايز الأشتر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي


-4-

فتحت عيناي مع بزوغ أول خيوط الضوء المسترسلة من الشمس القادمة من بعيد

ولكن ضوءها سرعان ما أضاء التلال المحيطة بقرية البلان،طارداً ماتبقى

من عتمة،خلفها الليل وراءه،كان الندى قد تشرب بالغطاء،وكأن أحدهم سكب

الماء عليه،ولكن سرعان ما يتبخر عندما تشتد أشعة الشمس.

كنت اراقب من فراشي الذي افترشته على سطح المنزل حركة الفلاحين،مغادرين

منازلهم على ظهر البغال والحمير،متجهين إلى اراضيهم في ساعات الصباح الباكر

حتى ينهوا اعمالهم قبل أن تشتد شمس الظهيرة عليهم في العراء.

نزلت من على السطح،وقد كان الجميع نيام بسبب عرس البارحة فقد عادوا

متأخرين،ولم يشعر أحد بخروجي من المنزل،حيث اتجهت مباشرة إلى بيت امينة

لعلي اراها مستيقظة،ولكني وجدت والدها عند باب الأصطبل يسرج البغل،كي

يذهب للحقل،وعندما رأني،صاح مستغرباً:

-لماذا استيقظت باكراً ياولد?..حتى إنك لم تغسل وجهك،وتسمي بالرحمن.

-أريد أن العب مع امينة!..ألم تستيقظ بعد يا عمي!!

ضحك بصوت عال،وقال مستغرباً:

-أين كنت البارحة? ألا تعلم أن امينة قد تزوجت من الطحش!

-نعم أعلم،لكن العرس انتهى البارحة،وكل شخص ذهب لشأنه.

عاد يضحك ثانية،وقال بسخرية:

-امينة عند الطحش،أذهب واسأله،ربما يدعها تلعب معك.

كان اسم الطحش فقط يخيفني،فكيف سأطلب منه هذا الطلب،وقد سمعته البارحة

عندما كنت مختبئاً تحت السرير يضرب امينة من دون سبب،وقد مزق لها ثيابها

الجديدة،الأفضل أن أنتظر حتى تخرج امينة لوحدها ثم نهرب سوية إلى التلال بجانب

القرية،حيث لا يرانا الطحش.

اختبئت وراء كومة من الحجارة على مسافة قريبة من بيت الطحش،وجلست انتظر

لعل امينة تخرج من البيت فأراها،ومرت الساعات وأنا جالس في مكاني أراقب

حركة الباب الكبير لمنزل الطحش،ولكن دون جدوى،فلم يدخل أو يخرج أحد منه

واشتدت شمس الظهيرة فوق رأسي حتى شعرت بالدوار،ولم أعد أميز الأشياء أمامي

وعيناي لفهما السواد،حتى لم أعد اسمع جيداً،وكأن السكون أطبق على الكون،أرخيت

رأسي على الحجارة،ولم اعد أشعر بشيء من حولي.

كانت أمي تبحث عني في كل مكان،وعندما رأتني مستلقياً بجانب كومة الحجارة،هرعت

تركض نحوي،وبصعوبة كانت تحملني قليلاً وتستريح قليلاً حتى اوصلتني إلى البيت،لتضعني

على السرير،وذهبت لتحضر طبيب القرية.

لم اذكر كم رقدت في السرير،ولكني أتذكر كمادات الماء البارد فوق رأسي

والدواء الكثير الذي ابتلعته مجبراً،حتى عندما استعدت وعي كان لساني يلتف على

بعضه من طعم الدواء المر.

كانت أمي تجلس بجانبي،وعندما رأتني أفتح عيناي فرحت،وارتسمت البسمة على

وجهها الحنون،ثم قالت مازحة معي:

-أعتقد إنك تحب امينة أكثر مني!!! لقد كنت تنادي عليها في نومك طوال الوقت

-أريد ان العب معها ولكني اخاف من الطحش أن يضربني

-كيف يضربك?ان شاء الله تنكسر يده،إذا مدها عليك،تعال ياحبيبي ياغالي،وسحبتني

ثم ضمتني إلى حضنها فشعرت بالحنان والأمان يخترق صدري حتى يصل إلى قلبي الصغير

فيغمره ويبعث فيه السكينة.

كنت أراقب بيت الطحش كل يوم من بعيد،لعلي احظى برؤية امينة ولو للحظات

ولكن من دون جدوى،فلم أكن أرى سوى الطحش،يخرج من بيته لشراء بعض الحاجات

من دكان ابو شحادة القريب من بيته ثم يعود مسرعاً.

ضاق بي الحال ولم أعد احتمل فراق امينة وهي بجانبي لا يفصلني عنها سوى تلك

الجدران اللعينة،فقررت المخاطرة والأقتراب من منزل الطحش في الدقائق القليلة

التي يخرج بها إلى الدكان،وجاءت اللحظة السانحة،فقد جاء أحد أصدقاء الطحش

واصطحبه معه خارج المنزل،فاسرعت مغتنماً الفرصة،واقتربت من نافذة الغرفة

التي حاولت الهرب منها عندما كنت مختبئاً في الداخل.

كانت النافذة مرتفعة عن الأرض بالنسبة لصغر جسدي،فتسلقت على القضبان

الحديدية التي تمنع خروج أو دخول احداً إلى الغرفة،ورحت أصرخ على امينة بخوف

وصراخي لا يكاد يصل إلى أذني من شدة خوفي من الطحش الشرير،ولكن امينة

لم تسمعني،فحاولت الصراخ بصوت أعلى،وفجأة،رأيت شيئاً يتحرك في الداخل بجانب

السرير،لقد كانت امينة،نعم هي امينة،مقيدة من يديها إلى السرير الحديدي

وكانت تنظر نحوي وكأنها ترى رحمة من السماء.

كان وجهها شاحب جداً،ويداها ترتجفان،وهي تحاول الوقوف،ولكن قيدها

كان يعيقها عن الحركة،راعني ما رأيت ولم أعد أفكر بالخوف من أحد

قفزت من على سور البيت ودخلت إلى الغرفة.

كانت امينة تجلس بجانب السرير،وهي ترتدي ثوب قصير،أعتقد انه لأم الطحش،وقد

بانت ذراعيها الصغيرتين منه بيضاء كالثلج،مع بعض الكدمات الزرقاء تشوه

جمال وجهها،وأنياب الطحش تركت أثار بالغة على صدرها الرقيق.

عندما رأتني امينة،سالت من عينيها الدموع وهمست بخوف شديد:

- كيف دخلت إلى هنا? أهرب قبل أن يأتي الطحش،كي لا يقتلك!

- لا يهمني لا الطحش ولا غيره،،،،قلتها وساقاي تقصفان من الخوف

-أذهب أرجوك!! غادر الأن،،إذا جاء الطحش ووجدك هنا لن يحصل خير

-لا تخافي لن يحضر بسرعة،فقد رأيته يغادر مع أحد اصحابه

- الله يأخذه

-ولكن لماذا يفعل بك هكذا? ولماذا يعضك من صدرك?هل يريد أن يأكلك!!

-لا ادري ولكنه يفعل أشياء حقيرة،أستحي ان أتفوه بها

-ولماذا لا تخبري ابيك وامك عنه،حتى يخلوصوك منه!

-لقد أخبرت امي،ولكنها نهرتني وقالت لي،أفعلي مايطلبه منك زوجك،فأنت ملكه

الأن.

-لماذا لا تعودين إلى البيت وتنهي هذه اللعبة الحقيرة،وأنا أعدك بأننا لن

نلعبها ثانية،فأنا الأن أكره كل شيء اسمه عرس.

-لا أستطيع،فقد قالت لي أمي أن أبي سيذبحني اذا عدت إلى البيت،وأن بيت زوجي

الطحش،هو قبري،يجب أن لا أغادره أبداً.

-تعالي لنهرب سوية إلى التلال المجاورة للقرية ولا نعود حتى يموت الطحش.

-لا استطيع فك القيد، أنه يقيدني بسلسلة وقفل،كي لا اهرب!

-ولكن أين مفتاح القفل?

- انه يضعه بجيبه،لا يفارقه أبداً،ولكن أذهب الأن،وغداً سوف ألاقيك عند التلال

بجانب مقبرة القرية.

-وهل ستستطعين الهرب غداً!

-لقد وعدني أن يدعني أذهب غداً في الصباح لأرى أمي،وبعد أن أرى أمي سوف

نلعب سوية عند التلال،قبل أن أعود ثانية لبيت الطحش،

-سوف انتظرك اذاً في الصباح عند التلال قرب المقبرة،ولكن لماذا تريدين

العودة ثانية لبيت الطحش?

-أني أخاف أن يذبح أبي أمي،فقد قالت لي أمي عندما أخبرتها بأنني سوف أهرب

من بيت الطحش:أرجوك يابنتي أستري علينا،والله ان سمع أباك ليذبحني ويذبحك سوية.

مددت يدي الصغيرة إلى وجه امينة الجميل،حتى لامست خدها الوردي،ورحت أمسح

دموعها برفق،فأمسكت بيدي وقبلتها،ثم ضمتها إلى صدرها بحنان.

اخترقت ضحكات الطحش المرعبة القادمة من الشارع لحظات الحنان التي تغمر قلبي

الصغير،فأسرعت بالخروج من الغرفة،ولكني لم أستطيع مغادرة حديقة المنزل،فقد

كان الطحش يقف بجانب السور يودع صاحبه.












عرض البوم صور فايز الأشتر   رد مع اقتباس
قديم 18-09-2010, 02:36 PM   المشاركة رقم: 14
المعلومات
الكاتب:
الراجي
اللقب:
عضو مميز
الراجي
عضو مميز
 
الصورة الرمزية الراجي

 تاريخ التسجيل : May 2009
 رقم العضويـة : 3452
 مجموع المشاركات : 1,157
 بمعدل : 0.18 في اليوم
 معدل التقييم : 12
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
الراجي غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : فايز الأشتر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

اخي العزيز فائز الاشتر
مازال التشويق يأخذ بمجامع القلب ويشدنا الى اثارتك التي راقت لي كثيرا .. بشغف ننتظر منك البقية
تقبل تقديري واحترامي












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

كلكم لآدم ... وآدم من تراب !!!

عرض البوم صور الراجي   رد مع اقتباس
قديم 18-09-2010, 06:45 PM   المشاركة رقم: 15
المعلومات
الكاتب:
فايز الأشتر
اللقب:
نبع جاري
فايز الأشتر
نبع جاري
 
الصورة الرمزية فايز الأشتر

 تاريخ التسجيل : Apr 2010
 رقم العضويـة : 4350
 مجموع المشاركات : 122
 بمعدل : 0.02 في اليوم
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
فايز الأشتر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : فايز الأشتر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

الأخ العزيز الراجي

شكراً لك على المتابعة

تحيتي ومودتي












عرض البوم صور فايز الأشتر   رد مع اقتباس
قديم 16-10-2010, 04:54 PM   المشاركة رقم: 16
المعلومات
الكاتب:
فايز الأشتر
اللقب:
نبع جاري
فايز الأشتر
نبع جاري
 
الصورة الرمزية فايز الأشتر

 تاريخ التسجيل : Apr 2010
 رقم العضويـة : 4350
 مجموع المشاركات : 122
 بمعدل : 0.02 في اليوم
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
فايز الأشتر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : فايز الأشتر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

تلال البلان.الجزء الخامس والأخير

--------------------------------------------------------------------------------

اختبئت وراء شجرة صغيرة في حديقة المنزل،وأنتظرت حتى دخل الطحش إلى غرفته

وبسرعة قفزت من على السور واطلقت ساقاي للريح،وكأنني خرجت من مغارة الضبع

قبل أن يفترسني ويجعلني عشاءه اللذيذ،فأثار انياب الطحش على صدر امينة،لا

تزال في خيالي لا تفارقه ابداً.

امضيت معظم الليل اراقب النجوم،من على سطح المنزل،ومنظر المسكينة امينة

لا يفارقني،كنت أرى وجهها البريء على صفحات السماء،يتماوج بين القمر والنجوم

ومن بين خيوط الليل وبصيص النجوم،تتعالى فراشة،تتمايل،تهوي تارة وترتفع

تارة اخرى،محاولة بلوغ النجوم،انه يوم عرسها تبحث عن الشريك الذي ستحيي

معه سينفونية العشق والحب الأبدي لبضع ساعات،ثم تنام في عرشها،بعد أن تضع

بصمات الغد في أعشاش الأمارة،وكانت عيناي تراقب حركاتها الجميلة عندما انقض

عليها خفاش جائع،بسرعة البرق واختفى سريعاً.

لم انتظر أمي في الصباح،فقد كنت اخرج من المنزل عندما استيقظت

وسألتني مستغربة:

- ما الذي أيقظك باكراً! وإلى أين أنت ذاهب?

- سوف أذهب لألعب مع امينة

- ولكن امينة تزوجت،وهي تقيم مع زوجها ولن يسمح لها باللعب مع الأطفال

- اعلم ولكن امينة وعدتني بأنها سوف تلعب معي اليوم

- حسناً ! تعالى اصنع لك الفطور،ثم أذهب إلى عمتك في القرية المجاورة،لتلعب مع

أولاد عمتك،وتستطيع البقاء عندهم ثلاثة أيام.

تناولت الفطور بسرعة،وخرجت من البيت بعد أن وعدت أمي بأنني سوف أذهب لبيت

عمتي بعد العصر،عندما انتهي من اللعب مع امينة،فوافقت امي وهي تبتسم

لي ابتسامة لطالما كنت اراها على وجهها عندما كنت اطلب منها طلباً صعب

المنال.

وصلت مبكراً إلى التلال،وكان بعض الفلاحين قد أتوا إلى المقبرة ليصلحوا ويدهنوا

قبور اقرباءهم التي مر عليها زمن من دون تصليح،وقد حطمت قطعان الماعز

أحجارها،عندما تمر خلال المقبرة قادمة من المرعى.

مر علي الوقت بطيئاً،وأنا أراقب كل قادم من بعيد لعله يكون أمينة،وطال

إنتظاري وبدأ الجوع يقرص معدتي مع توسط شمس الظهيرة وسط السماء،ولم يبقى

في المكان سواي وبعض الكلاب الشاردة،فقررت العودة إلى القرية لعلي التقي

بأمينة على الطريق فنعود سوية للعب عند التلال.

وصلت إلى القرية ولم التقي بأحد على الطريق،فذهبت مباشرة إلى بيت أم امينة

استطلع الأمر،فربما لم يدع الطحش امينة تأتي لترى أمها،ولم أكد أصل حتى رأيت

من بعيد أمينة تمشي بجانب الطحش وقد حجبها عن الرؤية بسبب ضخامة جسده،فرحت

أتبعهم من بعيد حتى دخلوا بيت أم امينة،وبعد دقائق خرج الطحش،وبقيت امينة

عند امها.

عدت إلى البيت لأطمئن أمي علي،وتناولت معها الطعام،ثم عدت مسرعاً إلى بيت أم

امينة،أنتظر خروج امينة لنلعب سوية عند التلال.

لم يطل إنتظاري،حتى رأيت امينة تخرج من البوابة الكبيرة،وتغادر متجهة إلى

التلال،فلحقت بها من بعيد أراقب حركات اقدامها الجميلة وهي تقفز يميناً

ويساراً،وما ان ابتعدنا قليلاً عن القرية حتى اقتربت منها،ومسكت يدها الصغيرة

ورحنا نمشي والأبتسامة تطفو على وجهينا،وكأننا حققنا نصراً ما.

لم نشعر بمرور الوقت ونحن نلعب،تارة نتسابق،وتارة نبني بيت صغير من الحجارة

الكثيرة المبعثرة هنا وهناك على تلال البلان،وعندما تملكنا التعب جلسنا

بجانب البيت الصغير،وقد أرخيت رأسي على التراب وراحت امينة تمسح شعري بلطف.

نظرت إلى الشمس المتسارعة في الهروب،استعطفها قلبي الصغير،ألا إلى أين ياشمس

تهربين،تتركي وراءك زهور الياسمين،ألا يكفينا ظلم الأقربين،ألا تعلمي أيتها الشمس

أن في غروبك قسوة على براءة المنتظرين،ولكن الشمس مضت في غروبها ولم تسمع أهات

قلبي الحزين.

غابت الشمس بعد أن تركت وراءها أشعة حمراء وردية تعانق تلال البلان،وتعكس

حمرتها على الصخور البركانية لتكون أية من الجمال شكلت مشهداً رائعاً لإلتحام

الأفق مع الأرض،بألوان ربانية،تعكس الهدوء والسكينة على النفوس،وتثبت

عظمة الخالق،ولكن سرعان ما يحيك الظلام ستائره،معلناً سلطنته على الكون.

همست لي امينة وكأنها توقظني من النوم:

- لقد تأخرنا كثيراً! ياويلي ماذا سيفعل الطحش بي!

- لا تخافي لن أدعك تعودين للطحش،سوف نهرب،ونعيش سوية بعيداً عن الطحش

- لا استطيع أن أهرب وأترك أمي،فسوف يذبحها أبي،ولكني أعدك بأني سوف أعود

لألعب معك بين الحين والأخر

- ولكني لا أستطيع أن أدعك تعودين إلى هذا الوحش اللعين.

ولم أنهي كلامي حتى سمعنا أصواتاً تأتي من بعيد وشبحان يتحركان في الظلام،قادمان

نحونا،فقالت لي امينة:

- هيا أختبئ بسرعة! انه الطحش ومعه أبي.

- لن أدعك لوحدك

- أرجوك أختبئ،سيضربك الطحش ان لم تهرب!

وبصعوبة بالغة دفعتني امينة لأختبئ وراء كومة من الحجارة،في حين وقفت امينة

تنتظر المجهول القادم مع الظلام المخيف بالقرب من المقبرة الساكنة.

بسرعة تملكني الرعب،وأنا أراقب من وراء الحجارة،عندما صرخ والد امينة عليها

- ماذا تفعلين هنا أيتها اللعينة،الله يلعن اليوم الذي ولدتك به امك،قولي

ماذا تفعلين هنا،قبل أن ينفذ صبري.

ولكن امينة لم تحرك ساكناً،وظلت واقفة تنظر نحو الأرض.رغم حرارة الجو المرتفعة

في فصل الصيف ألا أن البرد دخل أوصالي وبدأت أرتجف من البرد والخوف على امينة

المسكينة،التي ارتعبت عندما صرخ عليها الطحش فجأة بصوت اهتزت له حجارة المقبرة

- تكلمي ماذا تفعلين هنا يا كلبة يا حقيرة،أنا استاهل لأني تزوجتك ولم اعلم

بحالك ايتها الساقطة.

لم يحتمل كلامه والد امينة ورد عليه بأستياء:

- لماذا تتكلم هكذا يارجل،لقد جوزتك بنت مثل الوردة،وأنت من أوصلتنا لهذه

الحال،ألا تستحي من كلامك هذا وأنا عمك!

- ولماذا استحي! أنا أفعل العيب أم أنتم،لقد زوجتموني من بنت مجنونة،لم

استمتع معها حتى الأن،وعلى كل حال لم تعد تناسبني سأتركها لك تشبع بها،وغداً

سوف أذيع كل شيء عنك وعن ابنتك الحقيرة في كل التلال،حتى يعلم الناس حقارتكم.

انتفض والد امينة،وأخرج من جيبه سكين،وهجم على الطحش غير مبالي بضخامة جسده

ولكن الطحش دفعه عنه بقوة،وقال له:

هذه السكين أقتل بها ابنتك الوسخة لتغسل عارك،بدلاً من أن تضربني بها.

وأخذت بوالد امينة عزة الجاهلية وانتفض الدم بشرايينه،واحمرت عيناه،وخرجت

انيابه، فأمسك بأمينة من شعرها وطعنها بصدرها عدة طعنات،وهو يردد:

سأقتلك الف الف مرة ولن أدع هذا الحيوان يعيرني بك،ثم سقطت امينة على الأرض

جثة هامدة من غير حراك،ولم يخرج منها أي صوت وكأنها ماتت قبل أن تتلقى

الطعنات القاسية من دون رحمة.

غادر الطحش وهو يردد مشجعاً والد امينة:

-الأن أنت رجل في نظري،لقد صفينا الحساب،ولا تخاف لن أخبر أهل القرية بما جرى

تسطيع أن تخبرهم بأنها وقعت من على السطح وماتت.

ولكن والد امينة لم يرد عليه،وجلس منكباً على امينة،بعد أن هدأت ثائرته

وكأنه خرج من نشوة أفرغها بعد كتمان طويل.

بعد دقائق من مغادرة الطحش،رفع والد امينة رأسه،ثم رفع امينة ووضعها على

كتفه،وغادر بها متجهاً إلى القرية،لأبقى لوحدي مذهولاً وسط خبايا هذا الليل

المضني،لم أكن أعلم أحقيقة ما كان أم حلم،حتى الدم في عروقي قد تجمد،وقدماي

تسمرت في مكانها،ولم أعد أدرك ماذا أفعل،فقد وجدت نفسي اركض وقدماي لا أشعر

بهما،وأتعثر بالحجارة،فأصطدم بالقبور،خائفاً مرتعباً،محروق القلب،مجروح الروح

مفتت الكيان،متسائلاً: من الوحش،ومن الأنسان،وهل الأنسان وحش،أم الوحش انسان

ولم أتوقف عن الركض،حتى وصلت إلى البيت،وارتميت بين أحضاني أمي مرتعباً،أرتجف من

الخوف،نصف جسدي يرتجف من البرد ونصفه الآخر يغلي من الحرارة.

ضمتني أمي إلى صدرها وراحت تصرخ على أبي الذي أتى مسرعاً تتبعه جدته العجوز

وسأل أمي عن سبب صراخها،ولكن أمي لم تستطيع الأجابة من شدة الإرتباك والخوف

وأكتفت بتمسيح الدموع عن خديها.

مد أبي يده إلى جبيني وقال لجدته:

- الولد مريض ! جسده يغلي مثل النار

فردت جدته تلوم أمي:

-هذا كله من اللعب طول النهار بالشمس،لازم تأخذي بالك من ابنك بدلاً من

الكلام الفاضي مع النسوان طول النهار.

أذهب يا حمودة لعند الحجة المجيدية،كي تأتي لتقرأ له المعوذات وسوف يشفى

بسرعة.ذهب أبي مسرعاً،وعاد ومعه الحجة المجيدية،التي وضعت يدها على رأسي بعد

أن ذكرت اسم الله،والتفتت إلى أبي وقالت:

- هذا الولد لازمه طبيب ومستشفى بسرعة،حالته خطرة.

لكن جدة أبي صرخت بوجهها:

- الظاهر انك خرفت يا حجة! الولد متوعك ولازمه قراءة المعوذات!

فردت الحجة المجيدية بغضب

- لماذا لم تقرأي أنت له المعوذات! الولد حالته صعبة ويحتاج إلى مستشفى

اللهم أني بلغت. ثم غادرت المنزل وهي تلعن وتشتم الجهل.

لم ينتظر أبي طويلاً،حملني وذهب بي مع أمي إلى جارنا الذي يملك سيارة لنقل

الماشية،وطلب منه نقلنا إلى المدينة بسرعة،ولم يتقاعص الجار عندما علم انها

حالة اسعاف.

وصلنا مستشفى المدينة،وحضر الطبيب بسرعة وأخذ يفحصني ويسألني بماذا أشعر

ولكني لم أستطيع أن أفتح فمي أو أحرك شفتاي،فقط كانت صورة امينة على كتف

والدها مدرجة بالدماء امام عيناي لا تفارقهما ابداً،

نظر الطبيب إلى أبي وقال له:

ابنك أصابته صدمة عصبية،يبدو والله أعلم،ظهر له حيوان أخافه،أو شيء من

هذا القبيل،تستطيع الرجوع به إلى البيت وسوف أعطيه بعض المهدئات لكي

يستطيع النوم،واذا لم يتعافى عودوا به بسرعة.

عدنا إلى البيت عند الفجر،ليضعني أبي على السرير في غرفتي،وأمي المسكينة لم

تفارق دمعتها خدها،وهي تحاول وضع الماء على شفتاي والتوسل والدعاء لله ليشفيني.

مرت ثلاثة ايام على حالتي هذه،أرفض الطعام والماء،إلا ما تدخله أمي عنوة

بفمي،وكان أبي يأتي بين الحين والأخر ليطمئن علي،وهو يخفي دموعه بصعوبة في

عينيه،ويسأل أمي عن حالتي:

- هل تحسن قليلاً !

- أشعر أن حالته تسوء كل يوم عن الذي قبله.

- غداً سوف نعود للطبيب ليفحصه مرة ثانية،واذا لزم الأمر سنبقيه في المستشفى

غادر أبي وبقيت أمي جالسة بجانبي تمسح شعري بلطف كما كانت تفعل امينة،التي

لم تفارق خيالي ولو للحظة،وكلما أتذكر أباها والطحش،كان جسدي يرتجف ويداي

ترتعشان بشدة،وأشعر بعيناي تخرجان من محجريهما.

مضى الليل ثقيلاً،وأمي المسكينة أعياها التعب والارهاق،فأرخت رأسها بجانبي

وغفت.

قبل بزوغ الفجر،كان السكون يخيم على الكون،شعرت بجسدي يتعافى وغمرني احساس

غريب،لم يعد يعيق حركتي شيء،وكأنني تحررت من قيد كان يثقلني ويشل حركتي،وسمعت

دقات على النافذة،وصوت امينة يناديني: عامر..عامر..عامر

تحركت نحو النافذة،ونظرت إلى الخارج،فرأيت امينة تقف امام النافذة تبتسم لي

وهي ترتدي ثوب أبيض جميل،يشع فيه النور،وقد فتحت ذراعيها تستعجلني الخروج.

وضعت قبلة على رأس أمي،ثم خرجت لأمسك بيد امينة ونمشي سوية مبتسمين ابتسامة

المنتصرين بإتجاه التلال.

كانت خيوط الفجر الوردية تتسابق إلى التلال فتمتزج بالندى المنبعث عن

الحشائش،فتتطاير قطرات الندى أمام أقدامنا،لتتعانق مع التراب.

كانت الأضواء منتشرة في كل مكان،حمراء،صفراء،خضراء،وكانت التلال تعج بالأطفال

الذين ينتظرون قدومنا،يرتدون الثياب البيضاء،وكلهم يبتسمون لنا،فرحين

بقدومنا.

امسكت امينة بيدي،وطارت بي إلى السماء وتبعنا باقي الأطفال بمشهد رباني

جميل خلاب،وكانت أبواب السماء مفتوحة تنتظر دخولنا،وعلى جوانب الأبواب

كانت الملائكة تستعد لاستقبال طيور الجنة.












عرض البوم صور فايز الأشتر   رد مع اقتباس
قديم 16-10-2010, 04:55 PM   المشاركة رقم: 17
المعلومات
الكاتب:
فايز الأشتر
اللقب:
نبع جاري
فايز الأشتر
نبع جاري
 
الصورة الرمزية فايز الأشتر

 تاريخ التسجيل : Apr 2010
 رقم العضويـة : 4350
 مجموع المشاركات : 122
 بمعدل : 0.02 في اليوم
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
فايز الأشتر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : فايز الأشتر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

تلال البلان.الجزء الخامس والأخير

--------------------------------------------------------------------------------

اختبئت وراء شجرة صغيرة في حديقة المنزل،وأنتظرت حتى دخل الطحش إلى غرفته

وبسرعة قفزت من على السور واطلقت ساقاي للريح،وكأنني خرجت من مغارة الضبع

قبل أن يفترسني ويجعلني عشاءه اللذيذ،فأثار انياب الطحش على صدر امينة،لا

تزال في خيالي لا تفارقه ابداً.

امضيت معظم الليل اراقب النجوم،من على سطح المنزل،ومنظر المسكينة امينة

لا يفارقني،كنت أرى وجهها البريء على صفحات السماء،يتماوج بين القمر والنجوم

ومن بين خيوط الليل وبصيص النجوم،تتعالى فراشة،تتمايل،تهوي تارة وترتفع

تارة اخرى،محاولة بلوغ النجوم،انه يوم عرسها تبحث عن الشريك الذي ستحيي

معه سينفونية العشق والحب الأبدي لبضع ساعات،ثم تنام في عرشها،بعد أن تضع

بصمات الغد في أعشاش الأمارة،وكانت عيناي تراقب حركاتها الجميلة عندما انقض

عليها خفاش جائع،بسرعة البرق واختفى سريعاً.

لم انتظر أمي في الصباح،فقد كنت اخرج من المنزل عندما استيقظت

وسألتني مستغربة:

- ما الذي أيقظك باكراً! وإلى أين أنت ذاهب?

- سوف أذهب لألعب مع امينة

- ولكن امينة تزوجت،وهي تقيم مع زوجها ولن يسمح لها باللعب مع الأطفال

- اعلم ولكن امينة وعدتني بأنها سوف تلعب معي اليوم

- حسناً ! تعالى اصنع لك الفطور،ثم أذهب إلى عمتك في القرية المجاورة،لتلعب مع

أولاد عمتك،وتستطيع البقاء عندهم ثلاثة أيام.

تناولت الفطور بسرعة،وخرجت من البيت بعد أن وعدت أمي بأنني سوف أذهب لبيت

عمتي بعد العصر،عندما انتهي من اللعب مع امينة،فوافقت امي وهي تبتسم

لي ابتسامة لطالما كنت اراها على وجهها عندما كنت اطلب منها طلباً صعب

المنال.

وصلت مبكراً إلى التلال،وكان بعض الفلاحين قد أتوا إلى المقبرة ليصلحوا ويدهنوا

قبور اقرباءهم التي مر عليها زمن من دون تصليح،وقد حطمت قطعان الماعز

أحجارها،عندما تمر خلال المقبرة قادمة من المرعى.

مر علي الوقت بطيئاً،وأنا أراقب كل قادم من بعيد لعله يكون أمينة،وطال

إنتظاري وبدأ الجوع يقرص معدتي مع توسط شمس الظهيرة وسط السماء،ولم يبقى

في المكان سواي وبعض الكلاب الشاردة،فقررت العودة إلى القرية لعلي التقي

بأمينة على الطريق فنعود سوية للعب عند التلال.

وصلت إلى القرية ولم التقي بأحد على الطريق،فذهبت مباشرة إلى بيت أم امينة

استطلع الأمر،فربما لم يدع الطحش امينة تأتي لترى أمها،ولم أكد أصل حتى رأيت

من بعيد أمينة تمشي بجانب الطحش وقد حجبها عن الرؤية بسبب ضخامة جسده،فرحت

أتبعهم من بعيد حتى دخلوا بيت أم امينة،وبعد دقائق خرج الطحش،وبقيت امينة

عند امها.

عدت إلى البيت لأطمئن أمي علي،وتناولت معها الطعام،ثم عدت مسرعاً إلى بيت أم

امينة،أنتظر خروج امينة لنلعب سوية عند التلال.

لم يطل إنتظاري،حتى رأيت امينة تخرج من البوابة الكبيرة،وتغادر متجهة إلى

التلال،فلحقت بها من بعيد أراقب حركات اقدامها الجميلة وهي تقفز يميناً

ويساراً،وما ان ابتعدنا قليلاً عن القرية حتى اقتربت منها،ومسكت يدها الصغيرة

ورحنا نمشي والأبتسامة تطفو على وجهينا،وكأننا حققنا نصراً ما.

لم نشعر بمرور الوقت ونحن نلعب،تارة نتسابق،وتارة نبني بيت صغير من الحجارة

الكثيرة المبعثرة هنا وهناك على تلال البلان،وعندما تملكنا التعب جلسنا

بجانب البيت الصغير،وقد أرخيت رأسي على التراب وراحت امينة تمسح شعري بلطف.

نظرت إلى الشمس المتسارعة في الهروب،استعطفها قلبي الصغير،ألا إلى أين ياشمس

تهربين،تتركي وراءك زهور الياسمين،ألا يكفينا ظلم الأقربين،ألا تعلمي أيتها الشمس

أن في غروبك قسوة على براءة المنتظرين،ولكن الشمس مضت في غروبها ولم تسمع أهات

قلبي الحزين.

غابت الشمس بعد أن تركت وراءها أشعة حمراء وردية تعانق تلال البلان،وتعكس

حمرتها على الصخور البركانية لتكون أية من الجمال شكلت مشهداً رائعاً لإلتحام

الأفق مع الأرض،بألوان ربانية،تعكس الهدوء والسكينة على النفوس،وتثبت

عظمة الخالق،ولكن سرعان ما يحيك الظلام ستائره،معلناً سلطنته على الكون.

همست لي امينة وكأنها توقظني من النوم:

- لقد تأخرنا كثيراً! ياويلي ماذا سيفعل الطحش بي!

- لا تخافي لن أدعك تعودين للطحش،سوف نهرب،ونعيش سوية بعيداً عن الطحش

- لا استطيع أن أهرب وأترك أمي،فسوف يذبحها أبي،ولكني أعدك بأني سوف أعود

لألعب معك بين الحين والأخر

- ولكني لا أستطيع أن أدعك تعودين إلى هذا الوحش اللعين.

ولم أنهي كلامي حتى سمعنا أصواتاً تأتي من بعيد وشبحان يتحركان في الظلام،قادمان

نحونا،فقالت لي امينة:

- هيا أختبئ بسرعة! انه الطحش ومعه أبي.

- لن أدعك لوحدك

- أرجوك أختبئ،سيضربك الطحش ان لم تهرب!

وبصعوبة بالغة دفعتني امينة لأختبئ وراء كومة من الحجارة،في حين وقفت امينة

تنتظر المجهول القادم مع الظلام المخيف بالقرب من المقبرة الساكنة.

بسرعة تملكني الرعب،وأنا أراقب من وراء الحجارة،عندما صرخ والد امينة عليها

- ماذا تفعلين هنا أيتها اللعينة،الله يلعن اليوم الذي ولدتك به امك،قولي

ماذا تفعلين هنا،قبل أن ينفذ صبري.

ولكن امينة لم تحرك ساكناً،وظلت واقفة تنظر نحو الأرض.رغم حرارة الجو المرتفعة

في فصل الصيف ألا أن البرد دخل أوصالي وبدأت أرتجف من البرد والخوف على امينة

المسكينة،التي ارتعبت عندما صرخ عليها الطحش فجأة بصوت اهتزت له حجارة المقبرة

- تكلمي ماذا تفعلين هنا يا كلبة يا حقيرة،أنا استاهل لأني تزوجتك ولم اعلم

بحالك ايتها الساقطة.

لم يحتمل كلامه والد امينة ورد عليه بأستياء:

- لماذا تتكلم هكذا يارجل،لقد جوزتك بنت مثل الوردة،وأنت من أوصلتنا لهذه

الحال،ألا تستحي من كلامك هذا وأنا عمك!

- ولماذا استحي! أنا أفعل العيب أم أنتم،لقد زوجتموني من بنت مجنونة،لم

استمتع معها حتى الأن،وعلى كل حال لم تعد تناسبني سأتركها لك تشبع بها،وغداً

سوف أذيع كل شيء عنك وعن ابنتك الحقيرة في كل التلال،حتى يعلم الناس حقارتكم.

انتفض والد امينة،وأخرج من جيبه سكين،وهجم على الطحش غير مبالي بضخامة جسده

ولكن الطحش دفعه عنه بقوة،وقال له:

هذه السكين أقتل بها ابنتك الوسخة لتغسل عارك،بدلاً من أن تضربني بها.

وأخذت بوالد امينة عزة الجاهلية وانتفض الدم بشرايينه،واحمرت عيناه،وخرجت

انيابه، فأمسك بأمينة من شعرها وطعنها بصدرها عدة طعنات،وهو يردد:

سأقتلك الف الف مرة ولن أدع هذا الحيوان يعيرني بك،ثم سقطت امينة على الأرض

جثة هامدة من غير حراك،ولم يخرج منها أي صوت وكأنها ماتت قبل أن تتلقى

الطعنات القاسية من دون رحمة.

غادر الطحش وهو يردد مشجعاً والد امينة:

-الأن أنت رجل في نظري،لقد صفينا الحساب،ولا تخاف لن أخبر أهل القرية بما جرى

تسطيع أن تخبرهم بأنها وقعت من على السطح وماتت.

ولكن والد امينة لم يرد عليه،وجلس منكباً على امينة،بعد أن هدأت ثائرته

وكأنه خرج من نشوة أفرغها بعد كتمان طويل.

بعد دقائق من مغادرة الطحش،رفع والد امينة رأسه،ثم رفع امينة ووضعها على

كتفه،وغادر بها متجهاً إلى القرية،لأبقى لوحدي مذهولاً وسط خبايا هذا الليل

المضني،لم أكن أعلم أحقيقة ما كان أم حلم،حتى الدم في عروقي قد تجمد،وقدماي

تسمرت في مكانها،ولم أعد أدرك ماذا أفعل،فقد وجدت نفسي اركض وقدماي لا أشعر

بهما،وأتعثر بالحجارة،فأصطدم بالقبور،خائفاً مرتعباً،محروق القلب،مجروح الروح

مفتت الكيان،متسائلاً: من الوحش،ومن الأنسان،وهل الأنسان وحش،أم الوحش انسان

ولم أتوقف عن الركض،حتى وصلت إلى البيت،وارتميت بين أحضاني أمي مرتعباً،أرتجف من

الخوف،نصف جسدي يرتجف من البرد ونصفه الآخر يغلي من الحرارة.

ضمتني أمي إلى صدرها وراحت تصرخ على أبي الذي أتى مسرعاً تتبعه جدته العجوز

وسأل أمي عن سبب صراخها،ولكن أمي لم تستطيع الأجابة من شدة الإرتباك والخوف

وأكتفت بتمسيح الدموع عن خديها.

مد أبي يده إلى جبيني وقال لجدته:

- الولد مريض ! جسده يغلي مثل النار

فردت جدته تلوم أمي:

-هذا كله من اللعب طول النهار بالشمس،لازم تأخذي بالك من ابنك بدلاً من

الكلام الفاضي مع النسوان طول النهار.

أذهب يا حمودة لعند الحجة المجيدية،كي تأتي لتقرأ له المعوذات وسوف يشفى

بسرعة.ذهب أبي مسرعاً،وعاد ومعه الحجة المجيدية،التي وضعت يدها على رأسي بعد

أن ذكرت اسم الله،والتفتت إلى أبي وقالت:

- هذا الولد لازمه طبيب ومستشفى بسرعة،حالته خطرة.

لكن جدة أبي صرخت بوجهها:

- الظاهر انك خرفت يا حجة! الولد متوعك ولازمه قراءة المعوذات!

فردت الحجة المجيدية بغضب

- لماذا لم تقرأي أنت له المعوذات! الولد حالته صعبة ويحتاج إلى مستشفى

اللهم أني بلغت. ثم غادرت المنزل وهي تلعن وتشتم الجهل.

لم ينتظر أبي طويلاً،حملني وذهب بي مع أمي إلى جارنا الذي يملك سيارة لنقل

الماشية،وطلب منه نقلنا إلى المدينة بسرعة،ولم يتقاعص الجار عندما علم انها

حالة اسعاف.

وصلنا مستشفى المدينة،وحضر الطبيب بسرعة وأخذ يفحصني ويسألني بماذا أشعر

ولكني لم أستطيع أن أفتح فمي أو أحرك شفتاي،فقط كانت صورة امينة على كتف

والدها مدرجة بالدماء امام عيناي لا تفارقهما ابداً،

نظر الطبيب إلى أبي وقال له:

ابنك أصابته صدمة عصبية،يبدو والله أعلم،ظهر له حيوان أخافه،أو شيء من

هذا القبيل،تستطيع الرجوع به إلى البيت وسوف أعطيه بعض المهدئات لكي

يستطيع النوم،واذا لم يتعافى عودوا به بسرعة.

عدنا إلى البيت عند الفجر،ليضعني أبي على السرير في غرفتي،وأمي المسكينة لم

تفارق دمعتها خدها،وهي تحاول وضع الماء على شفتاي والتوسل والدعاء لله ليشفيني.

مرت ثلاثة ايام على حالتي هذه،أرفض الطعام والماء،إلا ما تدخله أمي عنوة

بفمي،وكان أبي يأتي بين الحين والأخر ليطمئن علي،وهو يخفي دموعه بصعوبة في

عينيه،ويسأل أمي عن حالتي:

- هل تحسن قليلاً !

- أشعر أن حالته تسوء كل يوم عن الذي قبله.

- غداً سوف نعود للطبيب ليفحصه مرة ثانية،واذا لزم الأمر سنبقيه في المستشفى

غادر أبي وبقيت أمي جالسة بجانبي تمسح شعري بلطف كما كانت تفعل امينة،التي

لم تفارق خيالي ولو للحظة،وكلما أتذكر أباها والطحش،كان جسدي يرتجف ويداي

ترتعشان بشدة،وأشعر بعيناي تخرجان من محجريهما.

مضى الليل ثقيلاً،وأمي المسكينة أعياها التعب والارهاق،فأرخت رأسها بجانبي

وغفت.

قبل بزوغ الفجر،كان السكون يخيم على الكون،شعرت بجسدي يتعافى وغمرني احساس

غريب،لم يعد يعيق حركتي شيء،وكأنني تحررت من قيد كان يثقلني ويشل حركتي،وسمعت

دقات على النافذة،وصوت امينة يناديني: عامر..عامر..عامر

تحركت نحو النافذة،ونظرت إلى الخارج،فرأيت امينة تقف امام النافذة تبتسم لي

وهي ترتدي ثوب أبيض جميل،يشع فيه النور،وقد فتحت ذراعيها تستعجلني الخروج.

وضعت قبلة على رأس أمي،ثم خرجت لأمسك بيد امينة ونمشي سوية مبتسمين ابتسامة

المنتصرين بإتجاه التلال.

كانت خيوط الفجر الوردية تتسابق إلى التلال فتمتزج بالندى المنبعث عن

الحشائش،فتتطاير قطرات الندى أمام أقدامنا،لتتعانق مع التراب.

كانت الأضواء منتشرة في كل مكان،حمراء،صفراء،خضراء،وكانت التلال تعج بالأطفال

الذين ينتظرون قدومنا،يرتدون الثياب البيضاء،وكلهم يبتسمون لنا،فرحين

بقدومنا.

امسكت امينة بيدي،وطارت بي إلى السماء وتبعنا باقي الأطفال بمشهد رباني

جميل خلاب،وكانت أبواب السماء مفتوحة تنتظر دخولنا،وعلى جوانب الأبواب

كانت الملائكة تستعد لاستقبال طيور الجنة.












عرض البوم صور فايز الأشتر   رد مع اقتباس
قديم 16-10-2010, 05:22 PM   المشاركة رقم: 18
المعلومات
الكاتب:
فايز الأشتر
اللقب:
نبع جاري
فايز الأشتر
نبع جاري
 
الصورة الرمزية فايز الأشتر

 تاريخ التسجيل : Apr 2010
 رقم العضويـة : 4350
 مجموع المشاركات : 122
 بمعدل : 0.02 في اليوم
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
فايز الأشتر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : فايز الأشتر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

تلال البلان.الجزء الخامس والأخير
--------------------------------------------------------------------------------
اختبئت وراء شجرة صغيرة في حديقة المنزل،وأنتظرت حتى دخل الطحش إلى غرفته
وبسرعة قفزت من على السور واطلقت ساقاي للريح،وكأنني خرجت من مغارة الضبع
قبل أن يفترسني ويجعلني عشاءه اللذيذ،فأثار انياب الطحش على صدر امينة،لا
تزال في خيالي لا تفارقه ابداً.
امضيت معظم الليل اراقب النجوم،من على سطح المنزل،ومنظر المسكينة امينة
لا يفارقني،كنت أرى وجهها البريء على صفحات السماء،يتماوج بين القمر والنجوم
ومن بين خيوط الليل وبصيص النجوم،تتعالى فراشة،تتمايل،تهوي تارة وترتفع
تارة اخرى،محاولة بلوغ النجوم،انه يوم عرسها تبحث عن الشريك الذي ستحيي
معه سينفونية العشق والحب الأبدي لبضع ساعات،ثم تنام في عرشها،بعد أن تضع
بصمات الغد في أعشاش الأمارة،وكانت عيناي تراقب حركاتها الجميلة عندما انقض
عليها خفاش جائع،بسرعة البرق واختفى سريعاً.
لم انتظر أمي في الصباح،فقد كنت اخرج من المنزل عندما استيقظت
وسألتني مستغربة:
- ما الذي أيقظك باكراً! وإلى أين أنت ذاهب?
- سوف أذهب لألعب مع امينة
- ولكن امينة تزوجت،وهي تقيم مع زوجها ولن يسمح لها باللعب مع الأطفال
- اعلم ولكن امينة وعدتني بأنها سوف تلعب معي اليوم
- حسناً ! تعالى اصنع لك الفطور،ثم أذهب إلى عمتك في القرية المجاورة،لتلعب مع
أولاد عمتك،وتستطيع البقاء عندهم ثلاثة أيام.
تناولت الفطور بسرعة،وخرجت من البيت بعد أن وعدت أمي بأنني سوف أذهب لبيت
عمتي بعد العصر،عندما انتهي من اللعب مع امينة،فوافقت امي وهي تبتسم
لي ابتسامة لطالما كنت اراها على وجهها عندما كنت اطلب منها طلباً صعب
المنال.
وصلت مبكراً إلى التلال،وكان بعض الفلاحين قد أتوا إلى المقبرة ليصلحوا ويدهنوا
قبور اقرباءهم التي مر عليها زمن من دون تصليح،وقد حطمت قطعان الماعز
أحجارها،عندما تمر خلال المقبرة قادمة من المرعى.
مر علي الوقت بطيئاً،وأنا أراقب كل قادم من بعيد لعله يكون أمينة،وطال
إنتظاري وبدأ الجوع يقرص معدتي مع توسط شمس الظهيرة وسط السماء،ولم يبقى
في المكان سواي وبعض الكلاب الشاردة،فقررت العودة إلى القرية لعلي التقي
بأمينة على الطريق فنعود سوية للعب عند التلال.
وصلت إلى القرية ولم التقي بأحد على الطريق،فذهبت مباشرة إلى بيت أم امينة
استطلع الأمر،فربما لم يدع الطحش امينة تأتي لترى أمها،ولم أكد أصل حتى رأيت
من بعيد أمينة تمشي بجانب الطحش وقد حجبها عن الرؤية بسبب ضخامة جسده،فرحت
أتبعهم من بعيد حتى دخلوا بيت أم امينة،وبعد دقائق خرج الطحش،وبقيت امينة
عند امها.
عدت إلى البيت لأطمئن أمي علي،وتناولت معها الطعام،ثم عدت مسرعاً إلى بيت أم
امينة،أنتظر خروج امينة لنلعب سوية عند التلال.
لم يطل إنتظاري،حتى رأيت امينة تخرج من البوابة الكبيرة،وتغادر متجهة إلى
التلال،فلحقت بها من بعيد أراقب حركات اقدامها الجميلة وهي تقفز يميناً
ويساراً،وما ان ابتعدنا قليلاً عن القرية حتى اقتربت منها،ومسكت يدها الصغيرة
ورحنا نمشي والأبتسامة تطفو على وجهينا،وكأننا حققنا نصراً ما.
لم نشعر بمرور الوقت ونحن نلعب،تارة نتسابق،وتارة نبني بيت صغير من الحجارة
الكثيرة المبعثرة هنا وهناك على تلال البلان،وعندما تملكنا التعب جلسنا
بجانب البيت الصغير،وقد أرخيت رأسي على التراب وراحت امينة تمسح شعري بلطف.
نظرت إلى الشمس المتسارعة في الهروب،استعطفها قلبي الصغير،ألا إلى أين ياشمس
تهربين،تتركي وراءك زهور الياسمين،ألا يكفينا ظلم الأقربين،ألا تعلمي أيتها الشمس
أن في غروبك قسوة على براءة المنتظرين،ولكن الشمس مضت في غروبها ولم تسمع أهات
قلبي الحزين.
غابت الشمس بعد أن تركت وراءها أشعة حمراء وردية تعانق تلال البلان،وتعكس
حمرتها على الصخور البركانية لتكون أية من الجمال شكلت مشهداً رائعاً لإلتحام
الأفق مع الأرض،بألوان ربانية،تعكس الهدوء والسكينة على النفوس،وتثبت
عظمة الخالق،ولكن سرعان ما يحيك الظلام ستائره،معلناً سلطنته على الكون.
همست لي امينة وكأنها توقظني من النوم:
- لقد تأخرنا كثيراً! ياويلي ماذا سيفعل الطحش بي!
- لا تخافي لن أدعك تعودين للطحش،سوف نهرب،ونعيش سوية بعيداً عن الطحش
- لا استطيع أن أهرب وأترك أمي،فسوف يذبحها أبي،ولكني أعدك بأني سوف أعود
لألعب معك بين الحين والأخر
- ولكني لا أستطيع أن أدعك تعودين إلى هذا الوحش اللعين.
ولم أنهي كلامي حتى سمعنا أصواتاً تأتي من بعيد وشبحان يتحركان في الظلام،قادمان
نحونا،فقالت لي امينة:
- هيا أختبئ بسرعة! انه الطحش ومعه أبي.
- لن أدعك لوحدك
- أرجوك أختبئ،سيضربك الطحش ان لم تهرب!
وبصعوبة بالغة دفعتني امينة لأختبئ وراء كومة من الحجارة،في حين وقفت امينة
تنتظر المجهول القادم مع الظلام المخيف بالقرب من المقبرة الساكنة.
بسرعة تملكني الرعب،وأنا أراقب من وراء الحجارة،عندما صرخ والد امينة عليها
- ماذا تفعلين هنا أيتها اللعينة،الله يلعن اليوم الذي ولدتك به امك،قولي
ماذا تفعلين هنا،قبل أن ينفذ صبري.
ولكن امينة لم تحرك ساكناً،وظلت واقفة تنظر نحو الأرض.رغم حرارة الجو المرتفعة
في فصل الصيف ألا أن البرد دخل أوصالي وبدأت أرتجف من البرد والخوف على امينة
المسكينة،التي ارتعبت عندما صرخ عليها الطحش فجأة بصوت اهتزت له حجارة المقبرة
- تكلمي ماذا تفعلين هنا يا كلبة يا حقيرة،أنا استاهل لأني تزوجتك ولم اعلم
بحالك ايتها الساقطة.
لم يحتمل كلامه والد امينة ورد عليه بأستياء:
- لماذا تتكلم هكذا يارجل،لقد جوزتك بنت مثل الوردة،وأنت من أوصلتنا لهذه
الحال،ألا تستحي من كلامك هذا وأنا عمك!
- ولماذا استحي! أنا أفعل العيب أم أنتم،لقد زوجتموني من بنت مجنونة،لم
استمتع معها حتى الأن،وعلى كل حال لم تعد تناسبني سأتركها لك تشبع بها،وغداً
سوف أذيع كل شيء عنك وعن ابنتك الحقيرة في كل التلال،حتى يعلم الناس حقارتكم.
انتفض والد امينة،وأخرج من جيبه سكين،وهجم على الطحش غير مبالي بضخامة جسده
ولكن الطحش دفعه عنه بقوة،وقال له:
هذه السكين أقتل بها ابنتك الوسخة لتغسل عارك،بدلاً من أن تضربني بها.
وأخذت بوالد امينة عزة الجاهلية وانتفض الدم بشرايينه،واحمرت عيناه،وخرجت
انيابه، فأمسك بأمينة من شعرها وطعنها بصدرها عدة طعنات،وهو يردد:
سأقتلك الف الف مرة ولن أدع هذا الحيوان يعيرني بك،ثم سقطت امينة على الأرض
جثة هامدة من غير حراك،ولم يخرج منها أي صوت وكأنها ماتت قبل أن تتلقى
الطعنات القاسية من دون رحمة.
غادر الطحش وهو يردد مشجعاً والد امينة:
-الأن أنت رجل في نظري،لقد صفينا الحساب،ولا تخاف لن أخبر أهل القرية بما جرى
تسطيع أن تخبرهم بأنها وقعت من على السطح وماتت.
ولكن والد امينة لم يرد عليه،وجلس منكباً على امينة،بعد أن هدأت ثائرته
وكأنه خرج من نشوة أفرغها بعد كتمان طويل.
بعد دقائق من مغادرة الطحش،رفع والد امينة رأسه،ثم رفع امينة ووضعها على
كتفه،وغادر بها متجهاً إلى القرية،لأبقى لوحدي مذهولاً وسط خبايا هذا الليل
المضني،لم أكن أعلم أحقيقة ما كان أم حلم،حتى الدم في عروقي قد تجمد،وقدماي
تسمرت في مكانها،ولم أعد أدرك ماذا أفعل،فقد وجدت نفسي اركض وقدماي لا أشعر
بهما،وأتعثر بالحجارة،فأصطدم بالقبور،خائفاً مرتعباً،محروق القلب،مجروح الروح
مفتت الكيان،متسائلاً: من الوحش،ومن الأنسان،وهل الأنسان وحش،أم الوحش انسان
ولم أتوقف عن الركض،حتى وصلت إلى البيت،وارتميت بين أحضاني أمي مرتعباً،أرتجف من
الخوف،نصف جسدي يرتجف من البرد ونصفه الآخر يغلي من الحرارة.
ضمتني أمي إلى صدرها وراحت تصرخ على أبي الذي أتى مسرعاً تتبعه جدته العجوز
وسأل أمي عن سبب صراخها،ولكن أمي لم تستطيع الأجابة من شدة الإرتباك والخوف
وأكتفت بتمسيح الدموع عن خديها.
مد أبي يده إلى جبيني وقال لجدته:
- الولد مريض ! جسده يغلي مثل النار
فردت جدته تلوم أمي:
-هذا كله من اللعب طول النهار بالشمس،لازم تأخذي بالك من ابنك بدلاً من
الكلام الفاضي مع النسوان طول النهار.
أذهب يا حمودة لعند الحجة المجيدية،كي تأتي لتقرأ له المعوذات وسوف يشفى
بسرعة.ذهب أبي مسرعاً،وعاد ومعه الحجة المجيدية،التي وضعت يدها على رأسي بعد
أن ذكرت اسم الله،والتفتت إلى أبي وقالت:
- هذا الولد لازمه طبيب ومستشفى بسرعة،حالته خطرة.
لكن جدة أبي صرخت بوجهها:
- الظاهر انك خرفت يا حجة! الولد متوعك ولازمه قراءة المعوذات!
فردت الحجة المجيدية بغضب
- لماذا لم تقرأي أنت له المعوذات! الولد حالته صعبة ويحتاج إلى مستشفى
اللهم أني بلغت. ثم غادرت المنزل وهي تلعن وتشتم الجهل.
لم ينتظر أبي طويلاً،حملني وذهب بي مع أمي إلى جارنا الذي يملك سيارة لنقل
الماشية،وطلب منه نقلنا إلى المدينة بسرعة،ولم يتقاعص الجار عندما علم انها
حالة اسعاف.
وصلنا مستشفى المدينة،وحضر الطبيب بسرعة وأخذ يفحصني ويسألني بماذا أشعر
ولكني لم أستطيع أن أفتح فمي أو أحرك شفتاي،فقط كانت صورة امينة على كتف
والدها مدرجة بالدماء امام عيناي لا تفارقهما ابداً،
نظر الطبيب إلى أبي وقال له:
ابنك أصابته صدمة عصبية،يبدو والله أعلم،ظهر له حيوان أخافه،أو شيء من
هذا القبيل،تستطيع الرجوع به إلى البيت وسوف أعطيه بعض المهدئات لكي
يستطيع النوم،واذا لم يتعافى عودوا به بسرعة.
عدنا إلى البيت عند الفجر،ليضعني أبي على السرير في غرفتي،وأمي المسكينة لم
تفارق دمعتها خدها،وهي تحاول وضع الماء على شفتاي والتوسل والدعاء لله ليشفيني.
مرت ثلاثة ايام على حالتي هذه،أرفض الطعام والماء،إلا ما تدخله أمي عنوة
بفمي،وكان أبي يأتي بين الحين والأخر ليطمئن علي،وهو يخفي دموعه بصعوبة في
عينيه،ويسأل أمي عن حالتي:
- هل تحسن قليلاً !
- أشعر أن حالته تسوء كل يوم عن الذي قبله.
- غداً سوف نعود للطبيب ليفحصه مرة ثانية،واذا لزم الأمر سنبقيه في المستشفى
غادر أبي وبقيت أمي جالسة بجانبي تمسح شعري بلطف كما كانت تفعل امينة،التي
لم تفارق خيالي ولو للحظة،وكلما أتذكر أباها والطحش،كان جسدي يرتجف ويداي
ترتعشان بشدة،وأشعر بعيناي تخرجان من محجريهما.
مضى الليل ثقيلاً،وأمي المسكينة أعياها التعب والارهاق،فأرخت رأسها بجانبي
وغفت.
قبل بزوغ الفجر،كان السكون يخيم على الكون،شعرت بجسدي يتعافى وغمرني احساس
غريب،لم يعد يعيق حركتي شيء،وكأنني تحررت من قيد كان يثقلني ويشل حركتي،وسمعت
دقات على النافذة،وصوت امينة يناديني: عامر..عامر..عامر
تحركت نحو النافذة،ونظرت إلى الخارج،فرأيت امينة تقف امام النافذة تبتسم لي
وهي ترتدي ثوب أبيض جميل،يشع فيه النور،وقد فتحت ذراعيها تستعجلني الخروج.
وضعت قبلة على رأس أمي،ثم خرجت لأمسك بيد امينة ونمشي سوية مبتسمين ابتسامة
المنتصرين بإتجاه التلال.
كانت خيوط الفجر الوردية تتسابق إلى التلال فتمتزج بالندى المنبعث عن
الحشائش،فتتطاير قطرات الندى أمام أقدامنا،لتتعانق مع التراب.
كانت الأضواء منتشرة في كل مكان،حمراء،صفراء،خضراء،وكانت التلال تعج بالأطفال
الذين ينتظرون قدومنا،يرتدون الثياب البيضاء،وكلهم يبتسمون لنا،فرحين
بقدومنا.
امسكت امينة بيدي،وطارت بي إلى السماء وتبعنا باقي الأطفال بمشهد رباني
جميل خلاب،وكانت أبواب السماء مفتوحة تنتظر دخولنا،وعلى جوانب الأبواب
كانت الملائكة تستعد لاستقبال طيور الجنة.












عرض البوم صور فايز الأشتر   رد مع اقتباس
قديم 16-10-2010, 07:13 PM   المشاركة رقم: 19
المعلومات
الكاتب:
الراجي
اللقب:
عضو مميز
الراجي
عضو مميز
 
الصورة الرمزية الراجي

 تاريخ التسجيل : May 2009
 رقم العضويـة : 3452
 مجموع المشاركات : 1,157
 بمعدل : 0.18 في اليوم
 معدل التقييم : 12
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
الراجي غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : فايز الأشتر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

اخي الاديب والكاتب المبدع / فائز الاشتر
استمتعنا كثيرا وملآنا الاسى اكثر ولكن حسن وصفك ورقة كلامك خففت من حدة الحزن الذي لفّ نهاية قصتك الراقية ...
لا تبخل علينا بالمزيد ... ننتظر بشغف جديدك الهني
تقبل تقديري واحترامي












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

كلكم لآدم ... وآدم من تراب !!!

عرض البوم صور الراجي   رد مع اقتباس
قديم 16-10-2010, 11:06 PM   المشاركة رقم: 20
المعلومات
الكاتب:
فايز الأشتر
اللقب:
نبع جاري
فايز الأشتر
نبع جاري
 
الصورة الرمزية فايز الأشتر

 تاريخ التسجيل : Apr 2010
 رقم العضويـة : 4350
 مجموع المشاركات : 122
 بمعدل : 0.02 في اليوم
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
فايز الأشتر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : فايز الأشتر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الراجي مشاهدة المشاركة
اخي الاديب والكاتب المبدع / فائز الاشتر
استمتعنا كثيرا وملآنا الاسى اكثر ولكن حسن وصفك ورقة كلامك خففت من حدة الحزن الذي لفّ نهاية قصتك الراقية ...
لا تبخل علينا بالمزيد ... ننتظر بشغف جديدك الهني
تقبل تقديري واحترامي
الأخ العزيز الراجي
يسعدني مرورك الجميل وتعقيبك الرائع
تحيتي ومودتي












عرض البوم صور فايز الأشتر   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026
إستضافة و تطوير براقما
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi
كل مايطرح في المنتدى مسؤلية الكاتب فقط وليست للإدارة أية مسؤلية