في تِلكَ الأيَّام.
شَهَدَت عَمَّتي ياعَامر على كُلِّ ذلِك، حتّى على خيالي. رُبَّما
عرفتُ ذلكَ لأنَّها وبختني بعد تِلكَ النظرات بعينيها كثيراً، إلى
أن أيقنتُ بأني سأخوضُ حَرباً أخرى، لَم أُنهِ أولها.
لِقِلَّةِ الخروج تلكَ الأيَّام، المُضيئة بالصواريخ، والمُكتَظةُ بأصوات
الشظايا والمدَافِع، وصُرَاخاتُ الأطفالِ الفزعينَ من الصافرات. والأهم
لمكوثها عندنا في البيت، أحببتُ منزلنا.
حتّى حسبته جنَّةُ الدنيا، وهي الحورُ فيما قبلَ البعث، لن أُخفيكَ سِرَّاً
يا عَامر لو أخبرتكَ أني فعلاً تمنيتُ ألاّ تنتهي تلكَ الحرب.
مَنْ يدري!
لَرُبَّمَا طال لقاؤنا، أحسن وألذ من هذا الفراق الأبدي الأبله، ولربما
كانَ في الدُّنيا شيئاً جديداً ليحدُث ولم نتوقعه، ربما يا صاحبي كنتُ
سأستشهِد هُناكَ فِعلاً، ولَمْ أمُت في حُبِّها غدراً.
مِثلكُ تماماً يا صديقي لَمْ أَعشَقِ الصَّمتَ وَ أجعَلَهُ حُباً، بل هِمتُ بِهِ
في ضوضاء الحربِ، وضجيجِ المآذن المُستجديةِ للرحمة، وصراخُ
المُرضِعات، وبُكاءُ الأطفال، وهروب أهلِ المُدن إلى جحورٍ خاوية
تركوها منذُ زمن، آوتهُمُ الآن!
"كَما تَتَمنَّى أنتَ اليوم، أن تصفوا لكما الدنيا وحيدين، لتأتي يا هذا
بدونِ الحُرَّاس".
لكني خَسَرتُ كلَّ شيء.