عرض مشاركة واحدة
قديم 19-03-2012, 02:16 AM   المشاركة رقم: 32
المعلومات
الكاتب:
حلم ينتظر
اللقب:
نبع صافي

 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 رقم العضويـة : 6268
 مجموع المشاركات : 45
 بمعدل : 0.01 في اليوم
  العمر : 36
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حلم ينتظر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حلم ينتظر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

(الفصل الرابع)
كان إلياس يحمل أكياس التسوق في كل مرة يجول فيها المحال مع والدته ،وكان يحمل هذا الظهر كيسين ثقيلين جداً لكنه رفعهما بخفة إلى الأعلى ،رغم تحذيرات أمه. قال لها بنشوة:"إنني سعيد يا أمي لقد شفي الشيخ من علته ،ألم تشاهديه اليوم لقد كان يتنفس براحة..لقد قال لي إن ربه أحياه كرة أخرى ،قال أنه سيحسب عمراً جديداً منذ الساعة الأولى التي رجع فيها إلى الحياة.." وأمسك فجأة عن الكلام حين لاحظ اثنين من رفاقه جلوساً على عتبة باب منزله ،وقد لاحظوه هم الآخرين فهبوا إليه بسرعة ،ورفع أحدهم قبضته ليلكمه في صدره ،لكن الأم تصدت له ،وحالت بجسدها بينه وبين ابنها الذي اطلع إليهم من خلف ظهرها بنظرة انتصار كريهة. صاح الولد قائلا:"أنت شخص لئيم..لقد أتينا بيت الشيخ بالأمس ولكننا لم نجد أحداً..واعتقدنا الشيخ خرج بصحبتك لبعض حاجته..وانتظرناك في منزله حتى الظهر..ولكنك لم تحضر أيها المخادع.."..وقال الصبي الآخر وكان خشن الصوت :"أين أخذت شيخنا..أيها الحقير؟"..أجابه إلياس قائلاً بغرور:"لاتكن أحمقاً..لدي قصة طويلة لم أكن لأخفيها عنكم ،ولكن الظروف منعتني.."قاطعه خشن الصوت هاتفا:"لم تجب هاتفك بالأمس..وصفحتك(1) لم تفصح بشيء..لقد جاء الرجل الكهل بالأمس وصباح اليوم أيضاً..ولكننا لم نجدك ولم نجد الشيخ..لقد كان الشرطي واقفاً لدى الباب وأمرنا أن نرجع..ألديك فكرة عن شعورنا في ذلك الوقت؟..لقد أحضر آبائنا وتحقق من هوياتنا..لقد فزع الكهل كثيراً.."
- لماذا لا نكمل حديثنا بالداخل..
- أريد أن أسمع القصة هنا ،هيا أفصح..هيا تكلم..
لم تتدخل أم إلياس في الحديث الشائك الذي جرى بينهم ،وظل الولد يقص القصة من خلف ظهرها حتى انتهى. دعاهم إلى منزله فرفضوا ،ولكن الأم رجتهم أن يدخلوا معها. كان وجهها السمح المناقض تماما لملامح ابنها غير المريحة هي ما دفعهم لقبول الدعوة. حملوا الكيسين الخفيفين من يديها ومضوا إلى الدار.
نادت الأم صغيرها ليعد معها وجبة خفيفة ،ونهض ملبياً دعوتها ،وتحدث الصبية في غيبته. قال أحدهم للآخر:"لا أدري ما يعجب الشيخ في طفل أناني مغرور..لقد حصل كل ماحصل للشيخ ونحن غافلون..لقد عدنا لبيوتنا بأمر الشيخ ذلك اليوم ..ومكث إلياس لديه تلك الليلة.." ثم قال بسخرية تتوجع : إنه الأحق بصحبة الشيخ لأنه وجده أولاً.." وهنا دخلت أم إلياس إلى مجلسهم وقدمت لهم كأسين من عصير البرتقال مع شريحة ليمون على كل كأس. قاموا من مقاعدهم وتناولوا الكأسين ،وقدموا امتنانهم لها. لحق بها ابنها فدخل حاملاً أواني الطعام ،وقال لهم بتملق:"إنه وقت الغداء..وقد ألفت وأمي الغداء الخفيف" .تركتهم أم إلياس ومضت إلى شاشتها ،إلى حيث الفراغ.
تناول الأولاد طعامهم بنهم إذ كانوا ينتظرون منذ الصباح ،وتحدث إلياس عن المفتش الذي أحضرته أمه وعن شاربه الكث المضحك ،وضحك الصبية من وصف إلياس ،وطُرحوا أرضا حين أخذ يقلد صوته الغليظ. ربما تكون عادت المياه إلى مجاريها بين هؤلاء الثلاثة ،ولكن دمائهم الثائرة لم تستقر في مجاريها بعد. وقد بان ذلك في زيارتهم للشيخ في الغد ،لقد صافح الشيخ كل منهم بحفاوة ،ولم يفرق بين يد الكهل القاسية وبين راحة إلياس الغضة. قال لهم:"أنتم أحبابي ،أريد اجتماعنا في الدنيا ،كما أريده في الآخرة..إنني آسف لتقصيري ،أعتذر لأني أقلقتكم علي ،ألا فاعفوا عني أيها الأصحاب ،اغفروا لي زلتي" وكان الكهل هو أول من تحدث فقال بصدق:"لا تعتذر أيها الشيخ الكريم ،لقد كنت في ضعفك لا تدرك شيئاً..إننا أردنا فقط أن يبرق إلينا إلياس بالخبر..إنني لا ألومه فقد كان في حاله من القلق أيضا" ثم قصد الشيخ وقبل يده وجبينه ورأسه ،وتأسى به الآخرون ففعلوا كما يفعل. ودخلت الممرضة تعلن أن المحقق يريد الانفراد بالشيخ ،ودخل الطبيب أيضاً ،وطبيب آخر لا يضع السماعة. خرج الصبية والكهل مكرهين من الغرفة وتظللوا بأشجار المشفى ينتظرون قرار الطبيب. بدأ المحقق فقال:"أيها الشيخ إنا أتيناك نريد أن نتحقق من عقلك ،فإنك سترجأ للمحاكمة إن ثبت أنك عاقل ،وإنني أخاطبك الآن بصفتك عاقلاً ولا ندري ما تصل إليه أبحاث الطبيب النفسي.."ثم أشار لطبيب الشيخ أن يتلو تصريحه عن حالة الشيخ الصحية ،ففعل ،ونقل الشيخ إلى غرفة الفحص.
هبت أم إلياس إلى المحقق راكضة بأقصى ما تطيق ،وكان مظهر وجهها الرقيق وهو يحمر من الانفعال يبث اللين في أقسى القلوب ،وكان ساقاها يظهران من تحت ردائها الطويل كلما خطت خطوة سريعة باتجاهه ،وصلت إليه وقصدت وإياه زاوية بعيدة عن عبور الناس عند بوابة المستشفى. قالت وهي ما تزال تلهث:"مالذي سيحل بالشيخ؟ هل انقضى التحقيق؟" أجابها وهو يتفرس في وجهها:"ننتظر نتائج الفحوصات في الغد..ربما سنستدعيك في الأيام المقبلة". ثم مضى إلى سبيله ومضت إلى سبيلها ولا يدري أحد في صدورهم..من السر..ماذا يخفون.
لقد امتد الفحص العقلي أسبوعاً كاملاً ،وكان محاطاً بكل السرية والأمان من قبل عناصر الأمن التي ترافق الشيخ من وإلى غرفة الفحص. وقد كان الطبيب النفسي يناقش مع الشيخ بعض أفكاره. قال له بشماته يريد اختبار ردة فعله:"أيها الرجل المسن ،لقد أتلف الرجال كتابك العزيز ،لقد سعدت كثيرا حين رأيتهم يفعلون هذا. لقد واتتني ورقة مترمدة مما يحرقون ،أتعلم مافعلت بها أيها الشيخ؟..لقد أخذتها بين يدي ثم قرأت بعض ماجاء فيها..كانت تقول "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"..ثم وطأت عليها بحذائي وسحقتها حتى صارت كالتراب. أي هذاء هذا الذي تحمله حيثما تذهب؟ أيها الشيخ الكبير." أدرك الشيخ أن الرجل يريد استثارته ،فلم يحر جوابا ،لم يغضب. تململ الطبيب في مقعده ثم دون ملاحظة صغيرة ،ونهض من كرسيه واتجه صوب كرسي الشيخ. ثم ألقى يديه بقوة على كتفيه وقال بصخب:"كيف يكون لهذا الجسد خالق..هل تقول أنك حي بعد الموت؟؟..فإنني أقول لك إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ومانحن بمعوثين..". نطق الشيخ أخيرا فقال وعلى وجهه ابتسامة صغيرة:"قد قالها من قبل..قد قالها ربي.."ثم دمعت عيناه وقال بحماسة:"سبحانه إنه يعلم مايقول خلقه..". قال الطبيب بسرعة"كيف تؤمن بشيء لاتراه..إني أراك من الجاهلين!" قال الشيخ رافعا صوته ،ناظرا بحدة إلى وجه طبيبه:"إني لا أرى بصري كاملا..فكثير من الأشياء لا أراها ولا أنت تراها..وكثير من الأشياء أراها وأنا الضرير..ولكنك لاتراها وأنت البصير..فإنها لاتعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور". ثم قال الشيخ بصوت هادئ:"لقد نلت مني..إني لا أحب أن أكون شيطانا أخرس..أيها الرجل إن الذكر الذي أحرقته..ثم وضع كفه على صدره..إنه هاهنا..فأخبرني هل تصل نارك إلى قلبي!..إن الله متم نوره ولو كره الكافرون"..رفع الطبيب كفيه عن الكتفين الهزيلين ،ثم نادى الممرضة لتأخذ الرجل المسن إلى حجرته.
كان وجهها بائسا كثيرا ،ويزداد بؤسا مع نظرات رجال الأمن الذين كلفوا بحصار المريض. سألها الشيخ وقد أحس انشغالها فقال بلطف:"إن الله لناصرك عليه..وإن حرقوا مصحفي..إن صدري يحتويه" قالت بتحسر: "لقدأخذوها مني..كنت احتفظت بصفحة منه في جيب ثوبي..لكن أحدهم لاحظني..إنهم يراقبونني الآن..إنني لاأحب نظرات الرجال" قال الشيخ بحنان بينما كانت تساعده على امتطاء السرير:"لاتهتمي أيتها المرأة الطيبة ،إن الله ناصرنا عليهم" "إن نفسك زكية ،وفؤادك مليء بالخير ،إنك نفس طاهرة ،إنك ستكافئين بالمثل ،وربي يضاعف لمن يشاء" تناولت المرأة يده وهمت بتقبيلها تشكره على لطفه ،لكنه امتنع وقال :"إن من خلقك هو من يستحق الشكر ،اتجهي إلى تلك الناصية المباركة ،فقولي الحمد لله الذي هداني وماكنت لأهتدي لولا أن هداني إليه" فعلت المرأة مااقترح ،ودخل أربعة رجال مسلحين إلى الغرفة. وقف اثنان منهم لحراسة الباب ،وانتصب الرجلان الآخران بجانب سرير الشيخ. قال قائدهم بظفر وبدا مستمتعا كثيرا بعمله الكئيب:"سنرافقك أيها المختل إلى المصحة ،وهناك ستجد من يعتني بك" ثم أخذا الطبيب بقسوة إلى كرسيه ،فتدخلت الممرضة وقالت بلهجة هجومية:
- "ماهكذا تعامل شيخا أيها الرجل"
- "اصمتي أيتها المرأة ،سترافقيننا إلى مركز الشرطة بعد العمل ،لاتتدخلي أيتها الجاهلة"
- إنك رجل لئيم ،أخبرني هل كل الضباط مثلك؟ إني لا أريد رؤية أمثالك في مدينتنا..يعيشون.
وكانوا قد تبينوا للناس في الرواق أمام الغرف ،وكانت تسير خلف جسد الضابط الضخم الذي لحف ببزة عسكرية عريقة الطراز. وما كاد الضابط يسمع جملتها الشاتمة حتى استدار إليها ولكمها في وجهها بمجمع قبضته. وقعت على الأرض مباشرة فانتشلها إليه حتى صار وجهها مقابل أنفاسه الغاضبة ،وبدت سيقانها تتدلى مستغيثة من الأسفل ،وكان الحدث على مرأى ومسمع من المرضى والأطباء الذين يعبرون ،فهب مريضان لإغاثتها ،وعندما رأى الضابط بغيتهم ظاهرة على وجوههم دفعهم براحة يده الكبيرة فأوقعهم على الأرض ،وتأوه أحدهم إذ كانت ساقه مكسورة ،وتأهب الناس لمأساة كبيرة وصدوا عن المشاهدة ،وظهر في الرواق رجل طويل عريض المنكبين جميل الملامح يرتدي معطفا أبيض. نظر بدهشة إلى الحادث وتقدم مباشرة إليه. كان الضابط قد ألقى الممرضة أرضا ووجه قبضته إليها. وكان أن استقرت قبضته القوية في صدر الطبيب. تحدث الطبيب فقال مستنكرا:"ماذا تفعل..على رسلك..إنها امرأة" قلب الضابط بصره في وجه معاتبه العابس فقال:"لقد كنت سأطرحك معها ،ولكنك وجه معروف" أجابه الطبيب خاتما حوارهما الشائك:"ولك ظهر يقيك العقاب..أيها الضابط..اذهب في طريقك..فإنك لن تنال العقاب من أحد".
ساعد الطبيب الممرضة على النهوض ،ثم أخذها إلى مقعد قريب ،وجلس إلى جوارها تاركا أوراقه على الأرض. قال لها حين أبصرها تتفحص جرحا في شفتها:"لاأجد نفسي أفضل منه ،لقد صفعتك ذات مرة.." ثم استطرد بنبرة اعتذار:"أعلم أنك لم تريدي رؤيتي أقدم خيرا لك ،إننا نتحدى بعضنا..لكننا لسنا في حال حرب.." وقفت بقامتها الضئيلة وقد وضعت قطنا على فمها فلم تخرج كلماتها بشكل جيد:"إنني لاأحاربك أيضا..إنني أريد أن أهديك إلى النور" قال لها وقد وقف أيضا :"لاتتدخلي في صراع مع هؤلاء الرجال فإنهم يعترفون بأجسادهم فقط".
لقد كان الوقت أصيلا حين رافقها أحد الضباط الى مبنى الشرطة الكبير،لتوقع على وثيقة تتعهد فيها أن لا تقرب ما اقترفت أبدا. وخاطبها الضابط قائلا:"يمكنك أن تنتظري هنا ،سأستأذن المدير". كانت تحدق بأرضية المكان القاتمة وتفكر بمآل الشيخ. حين دخلت أخيرا استقبلها رجل أسمر ذي نظرات ثاقبة ،قال لها بمرح:"إذن أنت الممرضة الجميلة..أعتقد أنني سأكون مريضا في قسمك..قريبا"..ثم حول بصره عنها ووضع نظارته أمام عينيه وبحث في ورقة أمامه ،قال لها بغير اهتمام:"إني أجد رجالنا يضخمون الأمور على امرأة شابة..وقعي باسمك هنا..يكفي أن تعديني أن لاتعرقلي سير التحقيق..ثانية" ثم أشار للضابط أن يصحبها إلى الخارج. كانت تسير محاذية للضابط ،وتصطدم بمنكبه مرة تلو المرة كلما ولجوا ممرا ضيقا ،ولم يبد على الرجل الضخم أي إحساس بالصدمات. وكان وجهه خاليا من أي تعبير حين قال لها:"إنه المخرج..سأذهب الآن" ألقت نظرة طويلة على جسده حين ولى مدبرا ،ووقفت تحدق بالأرضية تارة أخرى. مر بها صبية مع رجل في منتصف العمر ،ذكرت أنهم أصدقاء الشيخ ،فهمت بإيقافهم ،بيد أن موكبهم لم يلحظ وجودها أبدا. ثم أقبل بعض الآباء والأمهات يتحدثون بصخب وتعصب ،وظل صدى صوتهم في بهو المبنى بعيد مغادرتهم ،ثم غادر معهم. مازالت المرأة في مكانها تنقب عن وسيلة تصل خلالها للشيخ ،ثم رفعت رأسها تجيب وقع الأقدام الآتية ،أقدام لحذاء امرأة وشخص آخر. ظهر الشخصان من خلف سترهما ،فعرفتهما على الفور ،وقالت للمرأة حين مرت بقربها:"أنت المرأة عند الشيخ..وهذا الصبي..أوه..هل فعلوا سوءا بكم؟.." أجابت أم إلياس بتردد:"لقد تعهدنا أن نحسن التصرف..لم يكن سيئا..وأنتِ...." عاجلتها الممرضة بالجواب فقالت:"لقد أخفيت ورقة من كتابه..من كتاب الشيخ..فلقيت جزائي" ردت عليها أم إلياس باهتمام"أتمنى أن لايكون عقابا شديدا" وأخذت بكف ابنها تريد الخروج ،وتحركت الممرضة مفسحة لهما الطريق ثم قالت مستدركة:"إنه سيعاقبهم ،لأنهم لايؤمنون به" التفت الصغير إليها فقال موجها نظرة حادة إلى عيونها الصغيرة:"هل تؤمنين به يا أختاه؟" أجابت أمه بحذر فقالت"إنني لا أريد حديثا كهذا هنا" صاحت المرأة قائلة"هل علمكِ شيئا من كتابه؟..أفيضي علي بمعرفتك..ولا تبخلي.." فهب الصبي لإجابتها قائلا بنبرة بغيضة ،وهو يمسح بيده موضع القلب من جسده :"إنني أحفظه عن ظهر قلب" قبضت الممرضة على كتفيه ونظرت في عينيه مباشرة :"هل ماتقوله حقيقي أيها الصبي الجيد؟.." تدخلت أم إلياس فأخذت صغيرها من كفه وقالت تؤنبه:"لاتكذب على الأخت الطيبة ،سنعود للبيت.." ظل الصبي مميلا رقبته إلى الممرضة بينما كانت أمه تجره من يده إلى السيارة.
كان المحقق يركن سيارته في الموقف الخاص بالضباط والموظفين ،حين أمكن لعينه أن تلحظ المرأة وطفلها الجميل. أخذ يحث الخطى إلى حيث سيارتها ،وأغلق باب سيارته بعنف خلفه ،ووصل قبل أن تركب. ألقى التحية إليها من بعيد لتنتبه ،فتريثت حتى يصل. قال لها باهتمام:"كيف كان التحقيق؟ أتعشم أنهم لم يغلظوا القول عليك" قالت بنفاد صبر وكانت تريد الخلاص من ملاحقته:"إنني بخير..شكرا لك..سأذهب الآن" ركبت وقادت سيارتها بسرعة هاربة منه. تبعها ببصره حتى نبهه صوت أنثوي صغير. كان الصوت قد سأله شيئا ،فطن له بعد أن استيقظ من تأملاته في النظرات المخيفة ،للولد الذي غادر مع أمه منذ برهة. فقال دون أن يلتفت:"أنا هو ماذا أردتي؟" أجابه الصوت بنعومة أكثر وكان لاحظ اهتمامه بالنساء:"إنني ممرضة كنت أعمل لدى الشيخ ،لقد استدان مني مالا ووعد برده ،كيف السبيل للوصول إليه؟" تأمل المحقق في ملامحها الطفولية ،وأدرك أنها تداهنه ،فقال بنبرة تماثل نبرتها:"لا أذكر أننا التقينا سابقا ،فكيف عرفت اسمي ورتبتي؟" أجابته بغنج أكثر"لاتتحامق أيها المحقق ،إني أراه على صدرك" قال مماشيا لنغمة صوتها:"إني لا أرتديها دائما ،كيف أرتديتها اليوم؟!" قالت فجأة وبصوت حازم:"أريد الوصول للشيخ لأسترد منه مالي ،لن يعرف أحدا منكم ،لكنه سيتذكر صوتي" قال بصوت صارم أيضا :"لقد سمعت أن ممرضة تعرضت للضرب من رجالنا ،لعلها تكون أنت ،هل ستكررين عملك ذلك..آمرك أن لا تندسي بين رجال الشرطة" قالت بسرعة:"قلت لك أيها الرجل المحقق إنه مال.. مال" قال لها منهيا حوارهما الطويل:"حسن ،سأساهم في رفع طلبك ،بما أنني مازلت أعمل على القضية" قالت بظفر:"إنك لن تقلق ياسيدي فعيون رجالك في كل جحر تراقب أتباع الشيخ ،ولن تكتفي بعهدهم" "لقد كان عملك هو عين الصواب يوم أن أحلت الشيخ إلى سجن العقول ،بدلا من سجن الأبدان ،إنك رجل ماكر ياسيدي" قال لها:"شكرا لك" جاوزته بسرعة فاشتم عبيرها وتابع جسدها الصغير الذي تحول إليه هاتفا:"إن المرأة التي تريد..إن لديها حارس عتيد..إنك لن تحظى بها" ثم غادرت تتراقص في مشيتها حتى اختفت من أمامه.
كانت الممرضة الصغيرة ،في دارها لما أتى المرافقون. وكانت الشمس تغالب الغيوم لتظهر ،والحرب كانت سجال بينهما ،فمرة تغلب ومرة تغلبها الغيوم. ولم تكن تبصر ملامح الرجلين بدقة في الزقاق الصغير المؤدي للبناء -والذي ظلل بأشجار طويلة عريضة الأوراق- إلا حين تكون الغلبة للشمس على الغيوم. كان أحدهما ملتحٍ جاد الملامح يبدو أكبر بسنوات من رفيقه الصغير. صحبوها في سيارتهم التي زينت بشعار الشرطة ،وبدت خجلة جدا في مقعدها بين الرجلين. أخذوها في ممرات وسراديب ضيقة ومظلمة في أحد الطوابق التي وصلوا إليها بالمصعد الكهربائي. عبروا بها حجرات مغلقة الأبواب فيها أناس يركضون ويصطرخون ويضحكون ،ولربما جاورهم طبيب يحدق في كتاب ،أو ممرض يهرول بسرعة. وأطل عليهم شاب نحيل من إحدى الحجر وحدق بالممرضة بعينين زائغتين تحيط بهما هالتين سوداوين ،ألقت له نظرة خاطفة وجاوزته إلى سرداب آخر. وصلوا إلى غرفة كانت في طابق لوحدها ،وكان الصعود إليها من خلال سلم يقف عليه عصبة من الرجال ،يتناوبون في حراسته. قالوا وقد شاهدوا المرأة بصحبة الحارسين:"زائر غير مألوف!" أجاب الحارس برتابة:"إنها ممرضته سابقا..إياك أن تتهاون معها..ولاتجعلها تنفرد بالرجل الخرف". دخلت المرأة إلى غرفة الشيخ ،فألفته ساجدا إلى قبلته ،تقدمت منه وعيون الضباط تلاحقها فقالت بلطف:"إنه ساجد..سأنتظره حتى يفرغ من سجدته " صاح بها أحدهم قائلا:"إن وقتك محدد..هه..أفعلي ماشئت". جلست على حافة السرير تنتظر فراغه من سجدته ،لكنه لم يأت بحركة. توترت وهي تصغي لدقات ساعة كبيرة علقت فوق مدخل الغرفة. واكفهر الجو في الخارج إذ انتصرت الغيوم على الشمس. أخذت تعبث بأظفارها وتقلبها ذات اليمين والشمال ،حين ارتفع صوت رجل من الخارج ينادي بانتهاء الزيارة. تقدم الرجال ليصحبوها فتمنعت وحاولت إقناعهم ،ولكنهم أخرجوها من الغرفة. وعى ذهن الشيخ بعد تحيته إلى اليمين والشمال ،واستمع إلى صراخ المرأة وتوسلاتها فنهض وفتح الباب الذي لم يغلق بعد ،وقال لها:"لقد أصبح المكان ظلاما ،لكني أعتقد أن ثمة نور في بيتي ،إذهبي أيتها المرأة قبل أن تعصف الريح العاتية" نظرت الممرضة إليه بحيرة ،وقال الرجل لصاحبه:"إنه يهذي ،لاريب أنها قد حانت نوبته ،إنه يكون خطيرا فيها". قال الشيخ باطمئنان :"إنه العذاب..عذاب المكذبين..". نزلت الممرضة وحراسها عبر درجات السلم ،ذلك أن الكهرباء تعطلت بسبب صاعقة أخيرة ،وبدأت المولدات الاحتياطية بالعمل ولكنها لم تكن تغطي كل مكان. كانوا يسيرون على هدى من الضوء القادم من النوافذ الكبيرة ،وقد تناهى إلى سمعهم صراخ مفزوع من الأعلى ،ثم صوت أقدام تجري على الدرج ،وأصوات حناجر آمرة ،وقطع أثاث ترمى إلى الأرض. تريث الثلاثة في سيرهم ،ووقع درْجين خشبيين أمامهم ،ثم ظهر شاب نحيل يرتدي زي المستشفى ويقبض على سكين في راحته. تقدم منهم فتراجعوا وقصد الممرضة فلم تقدر على الحركة ،ونادى رجل قد بقر بطنه من الأعلى ،وأنزل ذراعه من بين أعمدة الدرابزين المتينة. قال بصوت ضعيف:"أدركوها..ستموت.." صوب الرجال بنادقهم الآ لية إليه ،وتجهزوا للإطلاق ،ولكنهم لم يطلقوا خوفا من المسؤولية. فتقدم الشاب ناحيتهم وهوى بسكينه على أحدهم ،ولما أن أبصرت الممرضة الدماء المسفوحة ،تحركت ساقاها دون أن تشعر. التفت الشاب إليها وعرف ماعزمت عليه. فترك الرجلين وراءه وجرى خلف المرأة. غادرت المرأة مع باب غير الباب الذي دخلت معه ،فوجدت أمامها حديقة فسيحة يظهر أنها لاستجمام المرضى ،جعلت يدها على عينها تحترس من الفتات الذي تحمله العاصفة ،وأخذت تعدو في الطين تحت السيل العرم الذي لم تعهده هذه المدينة الجافة. والتصق حذاؤها بالطين ،وامتنع عن الخروج ،حتى إذا أدركها الشاب عقدت نيتها فخلعته وأخذت تعدو بقدمين حافيتين. كان المكان واسعا ولم يبد أن لهذه الحديقة الجرداء نهاية واضحة ،وأخذ التعب منها كل مأخذ ،وهي التي تغوص أقدامها كل خطوة ،في هذا الطين اللازب ،وشوشت عوالق الجو الرؤية أمامها فلم تبصر إلا قليلا. والشاب مصر على اللحاق بها ،ولم تظهر عليه أبدا أمارات التعب. وقعت فتلطخ وجهها وثوبها ،وأحست قرب أجلها ،فتلفتت تبحث عنه ،ولكنه لم يحضر وحضر أربعة من الرجال المسلحين ،أمروها أن تنبطح وأطلقوا رصاصاتهم في غير هدف محدد. سقط الشاب على الأرض فأ سرعوا إليها وإليه. قال أحدهم ساخرا وقد رفع غطاء خوذته:"إرفعوه ،وإنا لاندري أميت هو أو سيعيش ،إن التصويب لليد أو السلاح مع هؤلاء يكون مستحيلا"ثم رافق المرأة إلى سيارة الشرطة
عادت المرأة الممرضة إلى العمل ،وكانت حضرت ممرضة مسنة لتغطي ساعة غيابها ،لقد كانت تستريح في مكتبها وتحتسي فنجانا من القهوة السوداء. إن صورة السكين والرجل الثائر مازالت نصب عينيها أينما ولت وجهها. إنها أغلقت عينها ،وأخذت ساعة من نوم.
أيقظتها من نومها صديقة لها ،قالت بصوت متعب:"لقد انقضى النهار..يوجد صبي بانتظارك.." ولم تفهم مقصدها أولا ،ثم نهضت فعدلت هندامها وسارت إلى حيث أشارت لها الممرضة. ألفت صبيا يرتدي قبعة ويحمل حقيبة مدرسية على ظهره واقفا قرب مقعد إلى جواره عمود إنارة قصير. كانت تحيط بوجهه غشاوة تحجب ملامحه في الجو الذي لم يصفو بعد. حين وصلت إليه أضاء المصباح الأبيض فقرص الشمس جنح إلى الغروب. نبهته ممازحة:"تبدو حقيبتك أكبر منك..هل عدت للمدرسة" ،فرد عليها بالإيجاب ،وقال يحثها على الجلوس:"لقد أردتي الحديث معي..لهذا أتيت. أخبرتك أني أحمل كتابه في صدري ،وأنا صادق أيتها الأخت" "هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ،إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا ،إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا". ثم نظر في عينيها وقال:"إن هذا في الكتاب..وفي..صدري..وإن شئت تلوته عليك الآن بأكمله" أطرقت المرأة برأسها مفكرة ثم قالت"لديك كلام يخطف الألباب ،إني أريد سماعه كله. ولكن عيونا تلاحظنا ،فليس بمقدورك إذن أن تكمله ،وليس بمقدوري أن أسمع" ثم نظرت لوجهه ذي القسمات الجميلة وقد علته سحنة من العناد والسخرية. كرهت نظرته وقالت بسرعة"إنني قد زرت الشيخ أريد مالا كنت سلفته إياه فقال لي كلاما لم أفهمه.." تغيرت سحنة الفتى وقال بحماسة:"وكيف لك هذا ؟ كيف وصلت إليه؟" أجابت وهي تلحظ المكان بناظريها:"قلت لك إن لدي عليه مالا..." قاطعها صارخا وعيونه تكاد تخرج من محاجرها:"أنى لك هذا؟ لقد نفذت بحيلة خبيثة أو شفاعة شافع ". قالت:"لم أفعل ،لقد وعدني أن يعلمني ،ووعد الحر دين" نهض الفتى وشد قوامه وقال بهدوء:"وماذا علمك سيدي؟" قالت وهي تنهض بدورها:"لم يعلمني شيء..لقد قال كلاما لم أفهمه..وأحسب أنه يلمح لشيء ما.." "لقد قال لي أن الظلام حل ،وأنه يعتقد أن ثمة نور في بيته..ثم نصحني أن أرحل قبل هبوب العاصفة.. " لم ينطق إلياس ببنت شفة ،وكان يفكر في التلميح بكل خلية في مخه. قال بعد فترة:"أعتقد أن الشيخ يريد تنبيهنا لشيء مهم في بيته ،قبل أن تصل إليه أيدي الباحثين.." ثم قال بعد هنيهة هامسا:"ينبغي أن أزور بيته..غدا..كلا..هذه الليلة" قالت بتعجب:"تزوره؟!..إنه محاصر برجال الأمن" "سأتسلل بالطبع..إنها رسالة من سيدي لايمكن تجاهلها" قالت بتردد:"سأصحبك إليه..إنه طلب إلي أولا". قال الصبي باعتداد:"سأنتظرك قرب الميدان الكبير..إياك أن تتصلي بي..إنهم يراقبون كل شيء". ثم غادر كلا منها إلى وجهته.
لقد أنبأ أمه أنه مغادر ،فصاحت به راجية. قالت وقد انهارت على الأرض ،بين ثمرات متناثرة من عنقود عنب كانت تحمله:"إلياس يابني ..لاتجعلني وحيدة..إني أعلم بشأن نيتك..إن بالك مشغول به.." ثم أجهشت بالبكاء:"إن الظلام ليس بجيد..لطفل جميل..الكل طامع به" تقدم إلى حيث جثت وهو يلتقط حبات العنب اليانعة ،ثم ألقمها بيده واحدة كبيرة ،ومسح براحتيه دمعتين تشقان طريقهما في خدها الأسيل ،ثم ضمها إليه بقوة ،وقال إذ كان فاه في أذنها هامسا:"إمي ،إنني لست بطفل ،لاتعامليني كابن السادسة" "إنني ذاهب ياأماه ،إنه سيحفظني..لاتقلقي..وتوكلي عليه" ثم فارقها قائما ومايزال ينظر إليها. منذ متى أصبحت عظام صدره كبيرة؟ منذ متى أصبح صوته شبيها بالرجال؟. لقد وجدت عطرها في بدنه ،لقد شعرت أنهما كلٌ متوحد عندما أخذها في حضنه. قالت بغضب باكٍ حين سمعته يغلق الباب مغادرا:"ذلك الشيء الذي تتوهمون وجوده..سيحفظه!!..فليبزغ إن كان موجودا!..آه..آه..يا ويلتى على ماثكلت..ياويلتى على ماثكلت.." وراحت تجر شعرها وتنتحب..وتصرخ..وتضرب الأرض بكفيها ولا إحساس بأي ألم.
لقد غادرها إلى مآل لاتعرفه ،في مدينة مليئة بالعيون اللاحظة ،في حفظ كنه لاتؤمن به. وقف الصبي والمرأة على بيت الشيخ ،ودهشت هي من رداءته. وانتظر الاثنان فرصة مناسبة للدخول إلى البيت. قال الفتى يخاطبها:"إني أعرف كل جحر في بيته ،لكنه كان يوبخني كلما حطت قدمي تريد الرقي للطابق الثاني..فإني لا أعرفه" ثم جال حول الدار ونصى جانبها الخلفي ،وقال لها:"لا تُحرس الدار في وقت كهذا ،أمرهم عجيب ،هلمي إلي لندخل" وتسلق السور كقرد صغير وفتح لها الباب ،فدخلت ،ونبهها إلى أن تحذر ،فلربما كان في المكان فخ مستتر. ثم انسلت أجسادهما الضئيلة من نافذة مخدع الشيخ. قال لها بينما خلع حذائه:"أخلعي حذاءك ،فإن الشيخ يتعبد في كل مكان في الغرفة ،وهو يكره أن يطأها امرؤٌ بقدمه. استمعت لأمره وسارت خلف دليلها في دياجير الدار المحرقة. وطأت بقدمها شيئا فرفعته وقربته إلى بصيص ضوء من النافذة لتفحصه. نظر الفتى ناحيتها وقال:"ضعيه في جيبك إنه عود أراك لطالما وضعه الشيخ بين أسنانه". ثم صعدا إلى الأعلى. كان إلياس متشوقا كثيرا ليعرف أي شيء يخفيه الشيخ عنه في هذا البرج البعيد ،وكاد أن يقع بدرجة مكسورة إبان صعوده ،قالت الفتاة بدهشة:"إن السلم مليء بالفطور ،يجب أن تحذر". كان المكان بالأعلى خاليا من كل شيء ،فلم يريا في المكان سرا فريدا. كان كل ماهنالك غرفتين فسيحتين ،يفصم بينهما جدار حجري متهالك. تقاسما البحث عن النور ،فتسلم كل منهما غرفة ينبش فيها. وماهي إلا دقيقة حتى خرجا والتقيا في المنتصف عند الحائط المتصدع. قالت الفتاة:
- إن الغرفة فارغة ،لا أعتقد أننا سنعثر على شيء ،ربما أخطأنا في فهم مايرمي إليه ،الشيخ الجليل.
- أنا متيقن أن ثمة نور هنا ،شأن يخفيه الشيخ عن الجميع لأهميته ،لقد كان يفعل شيئا هنا.
- ما أريك إلا الذي أرى ،وما أهديك غير سبيل الرشاد. لم يقصد الشيخ بيته...
رد عليها بسرعة مستنكرا:
- فماذا إذن قصد بنور بيته؟
- ربما..ربما الفناء ،وربما دفن شيئا في أحواض الزرع.
- أجزم أن النور في عقر داره ،إني أحس بذلك.
- وهل الإحساس يقطع كل شيء؟
ثم أدبرت وأرادت النزول وقالت:
- إني ذاهبة لأتفحص الفناء.
- انتظري..لقد فطنت لشيء ما..إن سيدي قد قص علي قصة عن رجل صالح أقام جدارا كاد أن ينقض ،أمره الله بذلك. لقد كان تحت الجدار كنز لغلامين يتيمين ،أراد الله أن يستخرجاه.
قالت بانفعال:
- هل تفيد أن النور تحت هذا الجدار..هل..هل نحضر فأسا لنهدمه؟
- تريثي يا أختاه ،ماكان الشيخ ذو مرّة حتى يدفن كنزا تحت جدار ،لكنه مليء بالشقوق الكبيرة..يتجلى لي الآن أن الشيخ...
ثم هتفا جميعا بانفعال:"إنه هنا". واستخرجا أوراقا ملفوفة إلى بعضها من كل شق. وجمعا في المسافة بينهما الكثير منها ،وتوقفا عن النبش مع آخر شق ،وأخذت الفتاة تنظف ماعلق في أظافرها من مادة الحائط. وجمع الفتى بعض الكتب وخلع سترته الخارجية فصرها فيها ،وبقي قرطاس ضخم متبعثر الأوراق كتب عليه بخط متعرج "تأويل كلام الله بما جاء عن رسوله وصحبه وتابعيه ". لم يكن بمقدور الفتاة أن تخلع بعضا من ثيابها لتجمع فيها شتات الكتاب ،ولم يجد أي منهما حيلة أيضا ،ولم يكن سروال الفتى القصير راهيا بحيث يحتمل الأوراق. قالت الفتاة للصبي:"لا عليك سأحملها في سترتي..إن المكان مظلم وأنت طفل صغير". تقدم الصبي أمامها وسارت خلفه إلى السلم. تمهلا قليلا على إثر صوت من الأسفل ،وانقلبا إلى الغرفة تارة أخرى. كانت خطوات ثقيلة تعبر درجات السلم المتهالك ،وارتفع صوت صاحبها يشتم الدهر الذي أرداها إلى هذا الضعف. دب الفزع في عروق الاثنين ،وركنا إلى جدار الشيخ. أقبل شعاع الضوء الذي يحمله الرجل إلى الناحية التي اختبئا فيها ،فأخفت الفتاة الجالسة وجهها بيديها ودست أنفها في كتب الشيخ ،فلم تجد غير رائحة الحبر القوية. وأمرها الفتى أن تكتم أنفاسها ،فأطاعت أمره باستسلام. وقبل أن تبصرهم أعين الحارس ،إذ بالفتى يهجم على الرجل بمدية كان يحملها بيده ،أطلق الرجل حين فات وقت الإطلاق ،فأقبل صاحبه مستعجلا إليه. وكان يثب في الدرج وثبا ،وطالعه وجه الصبي وسكينه ،ثم لم يعي بعد ذلك من الدنيا شيئا. نظرت الفتاة بخوف إلى الرجلين الملقين بجانب بعضهما ،وإلى الفتى الذي يضربهما بمديته الضعيفة في كل جزء من أجسادهما ،وإلى الدم القاني الذي اصطبغ به وجهه وصدره .ولم يلقي الفتى مديته حتى استحالا إلى جثتين لاتنطقان. ثم التفت إلى المَروعة فقال بلهجة جافة:"أسرعي..هيا". وكادت أقدامهما تميد بهما في الدم الزلق على الأرض. وغادرا من حيث أتيا ،وفطن الصبي إلى أحذيتهم فآب لأخذها ،واستترت أقدامهم الدامية داخلها.
لقد أفنى كل منهما ليلته مفكرا ،وكانا اتفقا على طريقة يخفون بها النور الذي بين أيديهم. وأقبلت أم إلياس إلى غرفة نوم ابنها في الصباح الباكر ،وكان سيطر عليها نوم عميق في الليل. قالت تحاول إيقاظه غاضبة:"لا أطلب منك الذهاب ،إذا لم ترد المدرسة فافعل ماشئت.." ثم حركته من كتفه بعنف وقالت:"أخبرتك أن لا تخرج بالأمس ،لكنك لا تستمع إلي..أوه..ماذا أفعل؟ لقد أحاطوا بالمنزل منذ قليل.." ثم قالت صارخة بجنون وهي جاثية قرب سرير ابنها:"أريد أن أموت..أن أتخلص من جسدي..أن أرحل إلى المجهول..". نهض الفتى واستحم وارتدى ثوب المدرسة وأراد الخروج. لكن رجلا يرتدي زيا عسكريا أوقفه وأبلغه ووالدته أنهم تحت الإقامة الجبرية في البيت. ثم عرض لهم وثيقة لا تقبل الشك.
ظل الفتى حبيس البيت وأمه طوال ساعات ذلك النهار ،ثم رفع عنهم الحصار في الليل ،بعد أن وجد التحقيق شيئا يغير الأحداث. قال الفتى لأمه بمرح:"لقد ذهب الرجال ،نستطيع أن نخرج.." ثم التفت إلى وجه أمه الحزين الذي يتفرج على مشهد الغروب في الشرفة. خرج الفتى ولم تعترض والدته ،ربما لأنها يئست منه ،ومن طبعه المعاند أي من الحياة ،خرج يسير على غير هدى في طرقات المدينة المضيئة.
عاد قبل العاشرة ،فألفى أمه في المطبخ جالسة على كرسي دون أن تشعل الضوء. قال لها بغضب:"لأي شيء أحضرت رجلا إلى هنا ياأماه؟ إني لأجد ريحه في المكان " أجابته بصوت مختنق:"إنه صديق والدك..سيترافع لقضيتنا الآتية في المحكمة". تقدم منها وسحب كرسيا جعله مقابلا لها وتحدث بصوت فخم هادئ:"أمي ،لا تنظري إلى رجل غيري..إني أنذرك أن تقتربي من أجنبي". ولم تدر المرأة ماتقول ولم تدر ماتصنع ،لقد ألجمها فم ابنها ووجهه الذي لم يكتمل. أنى يكون لخده الذي انعكس على سطحه النور ،هذا السلطان وهذه القوة ،ولما تنبت الأشجار في أرضه المقفرة!!

إلى الفصل الخامس بإذن الله












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

سأحلم بالرجوع معاً حماماً.....أمام الشمس في اليوم الجديدِ

عرض البوم صور حلم ينتظر   رد مع اقتباس