ولأن شاعرنا كان يهب عقله وقلبه في تلك المرحلة للشعر دون غيره, فحالفه التوفيق – برغم عدم اكتمال شخصيته الأدبية وقتذاك – في اختيار الموضوعات الجميلة لقصائده , ومن بين هذه القصائد "الموسيقى" و "إلى النوم" و "الأعمى" و "الغيرة" و "ذعر الملوك" و "نابليون في القديسة هيلانة" و "الممثل" ولسنا نقول أنه جاء في ذلك بالجديد الذي لم يسبقه إليه أحد ، فقد تأثر في هذا المنحى بما كان يقرأ وقتذاك من شعر انجليزي كما تأثر بدواوين شكري والعقاد الأولى ، ولكن قصائده هذه ، برغم استيحائها من قراءاته تتمتع بقدر كبير من الأصالة والجمال والترابط الفني الذي يؤهلها لتكون خطوة كبيرة من خطوات التجديد في الشعر العربي وخروجه من أسر الكلاسيكية إلى رحابة فضاء النفس الرومانسية وشعر الوجدانيات ، ثم من بعد ذلك بزوغ حركات من التحرر الشعري أكبر وأوسع في مدارس أدبية متلاحقة من شعر التفعيلة والحداثة وما بعد الحداثة ، فلولا الحجر الذي رماه أدباء المدارس الرومانسية في بحيرة الأدب العربي الشعري الراكدة ، ما استنفرت همم وقرائح الشعراء فيما بعد للتجديد والخروج من الدائرة الأدبية القديمة المغلقة ، ولا يعني هذا أننا ضد الشعر المنظوم المقفى ، ولا ضد الحداثة وما بعدها وما قد يستجد من مدراس أدبية مختلفة تثري حياة الأمة وترقيها ، ولكن نصر على حرية الإبداع للشعراء والأدباء ومن حق كل شاعر أن يختار المدرسة الأدبية التي يري أنها تعبر عن مواقفه الأدبية وتوجهاته الفكرية والعقائدية وما يتلائم مع طبيعته النفسية ، أي أنه لا ضرار أن تتواجد المدارس الشعرية في آن ، فميلاد مدرسة لا يعني موت المدارس الأخرى ، بل يقويها ويعضدها ، وفي النهاية فإن المستفيد من هذه المساجلات والمطارحات والمدارس المختلفة هو القارئ و الساحة الأدبية نفسها التي تملأ وجدان الشعوب وتحفزه على العمل والإنتاج.
طِبّ النفوس وراحة الأبدان رقرق حياك العذبَ في أجفاني
أدمى الجوى قُرحَ الجفون فهاتِ لي مما تدوفُ عصارةَ السلوانِ
يا مطلق الأرواح في دنيا الكرى أطلق سراحي في الوجود الثاني
غلب السهادُ فلا الظلام بمنجل على ولا فَلَقُ الصبح بدانِ
ماذا وراء السهد؟ ماذا أرتجي هلا قنعت بنومة المبطانِ؟
أبداً نَقِّب في الظلام كأنني أضللتُ ما لا تعرف العينانِ
ايهاً مجيرَ العالمين من الأسى وملاذ كلِّ مسهّد حيرانِ
تسقى الجفون الراويات من الكرى وتضن بالسُقيا على القرحانِ
ولربما تغشى الفتى لتروعه ولقد يجيء الغيثُ بالطُفانِ
من ذا يعين على الهموم إذا عدت ومَن المخفَّض سورة الأحزانِ
ننسى إذا هومت فوق رءوسنا عَبَثَ المنى وخديعة الإنسانِ
كم مطمح كالنجم في عليائه سامي المنال أتيح للوسنانِ
تمشي إلى صرعى الخطوب مع الدجى مشي الطبيب إلى فراش العاني
تمضي بأحزان النفوس وانما تمضي بهن إلى الصباح الثاني
يا ليت أنك عندما تغشى الورى تذر المنى وتروح بالأشجانِ
هيهات ذاك .. فإنما آمالنا وشجوننا في النفس ممتزجان
داوِ الأسى فإذا وهنت فَخَلّهِ وابعث أخاك فليس بالوهنانِ
كم حاكم يشقى بصولته ويعيش عيش البائس النكَدِ
يُمسي ويُصبح جازعاً قلقا جمَّ الوساوس واهيَ الجلدِ
الوهم يقصيه ويبعده عن صحبه والأل والولدِ
وهم تملك كل جارحة والوهم أقدر من سطا بيدِ
يخشى الذي الأسياف تحرسه وجنوده موفورة العددِ
ويلذ راح النوم من صفرت كفاه من عد ومن عُددِ
أين النعيم لجازع وَجِل الفرخ في عينيه كالأسدِ؟
لا الروضة المئراج تنعمه كلا ، ولا ترنيمة الغردِ
العيش مدبره ومقبله في عينه طخِيانُ كالأبدِ
إن جنّته الليل البهيم بدا في مقلتيه شارق الزُؤُدِ
يرتاع حتى من تنفسه وهْناً ، ويُفني الليل في سهدِ
التاج أضحى فوق هامته عبئاً ولم يجْنِ سوى الكمدِ
لا تحسدوه على غضارته عيش الفقير أحق بالحسدِ!
وقد تأثر شاعرنا كذلك، وهو في شرخ شبابه ، بتشاؤم عبد الرحمن شكري. فأنت تجده يتحدث دائما عن كذب الأصحاب والأحباب ، وعن غدرهم ، وعدم تقديرهم لصدق عواطفه ، ولمكانته في عالم الأدب . . وكان يعتز بشعره ، ولا يشك في قيمته ، وفي التقدير الذي سيحظى به ، ولنقرأ معا هذه القصيدة القصيرة بعنوان " القبر".
ألا ليت شعري هل نرى في سمائه نجوما وأقمارا هناك تنيرُ؟
ألا إن آمالي نجوم تنير لي إذا غيبتني في الممات قبور!
بيد أن شاعرنا الرقيق أحس بجفاف الحياة العملية عندما اضطر للتفرغ للمحاماة. وقد ظهر ذلك جليا في المرحلة الثانية من شعره. فهو لم ينقطع في هذا الشعر عن ذكر تعطش قلبه للحب ، وشعوره بالفراغ حين يفرغ قلبه من الحب وبالضياع حين يغدر به الحبيب أو يبين عنه. كان الحب لديه حينذاك بمثابة الواحة في الصحراء , وقال يعبر عن تلك الحال في قصيدته "شك وأمل":
وقنعت منك بنظرة وبلفتة وطفقت أحلم بالنعيم المقبلِ
أصغي إلى رنات صوتك مثلما يصغي الغدير إلى هزيج البلبلِ
وشربت من هذا الحديث المشتهي كأسا ألذ من الرحيق السلسلِ
كاشفتكِ الحب الدفين فأشرقت عيناك تفحصني وتنكر مقْولي
وظننتني ألهو بقولي مثلما يلهو الورى في خسة وتَبذّلِ
إني أُمحّضُكِ الوداد فصدقي فالشك يطعن مهجتي في مقتلِ
لوددت أن يبدو فؤادي حاسرا لتريْ وفائي في هواك فتعدلي
ستجيئك الأيام بالخبر الذي ينبيك عن قلبي فلا تتعجلي
أَوَ ما قرأت الحب في عيني وفي نبرات صوتي الواجف المتبلبلِ
وأبنت لي شطرا من الهم الذي يجثو على جنبيك مثل الجندلِ
فبكى فؤادي حسرة وعجبت من دنيا تغر الناظرين وتبتلي
أفمثل هذا الحسن يجرع في الأسى ويبيت في ليل بهيم أَلْيلِ
أخشى عليك لهيب حب جامح فأصد عنك وفي صدودي مقتلي
ألقاك بالذكرى على رغم الألى بخلوا علينا باللقاء الأولِ
لأطعت فيك صبابتي مستهترا لولا حديث المحنقين العذلِ
لكن بحسبي أن قلبك عالم بنوازعي وخوالجي وتعللي
إني لأهزأ بالعوالم كلها ما دمت أشعر أن قلبك صار لي!
وقال أيضا :
أحبك حبا طاغيا لو عرفته لهالك ماتطوى عليه سرائري
وأشفقت أن أبقى وحيدا مروعا فريسة أحلامي ونهب خواطري
وقال كذلك:
فردوس قلبي عاد قفرا موحشا لما حبست الماء عن غدرانه
جفت أزاهره على أكمامها وقضت بلابله على أغصانه
ان شئت ظل القلب في ريعانه وإذا أبيت يموت قبل أوانه
لقد فقدت الحياة الآلية التي كان يسلخها في عالم المحاماة كل طعم ولون ، فإنها لم تكن توافق ذوقه وإحساسه الشاعريين ، ولم يعد يزدهيه شيئ في الوجود غلآ علاقة حبه وما يتولد عنها من أحاسيس ومعان. فقال في ذلك:
حسبي من الدنيا ابتها جك حينما تدنين مني
حسبي من الدنيا اكتئا بك عندما تنأين عني
حسبي وحسبك أن نقض ي العمر في وادي التمني
وقال أيضا:
لولا هواك لظل قلبي ساكنا متحجرا (كالجلمد) الصوان
لولا هواك لعشت دهري صامتا خلوا من الأفراح والأشجان
لولا هواك لما جرى في خاطري شعر يلاحقني بكل مكان
لك أنت وحدك فضل ما صورته بأناملي ونفثته بلساني
وقال كذلك:
لو كنت أعرف ما تخفينه سكنت نفسي ورفَّه عني الهم عرفاني
لولا بقية آمال تخالجني لفاض نبعي وعاف الطير غدراني
وعاد بي اليأس أدراجي إلى زمن كالفقر لا حارس فيه ولا بان
وهو بهذا اللون من الشعر ، يخرج على ما تواضع عليه شعراء الجيل السابق على جيله من الأغراض الشعرية التي كانت سائدة ، ويفتح النافذة هو وقلة من شعراء جيله على الشعر العاطفي ، وعلى ألوان أخرى من شعر الوجدان ، وشعر الطبيعة ، وشعر الخواطر ، وشعر المعنويات ، وشعر الأسرة ، وشعر الفكرة ، وغيرها من ألوان الشعر الجديدة ، التي لم يكن للبيئة الأدبية في عصره ، عهد بها.
وفي هذه الألوان الشعرية المنوَّعة تراوح شعره بين التقليد ، والأصالة ، كما تراوح تعبيره بين الرصانة والجزالة ، وبين السلاسة والطلاقة ، كما سبق أن أشرنا إلى ذلك.
والملحوظ أن الشاعر في شعره قد جارى بعض أقرانه الشعراء وسايرهم في بعض هذه الألوان الشعرية وبخاصة شعر المعنويات ، وشعر الفكرة ، وشعر الطبيعة ، ففي شعر المعنويات نراه يتحدث عن "الغيرة" وعن "الموت" وعن "ركود النفس":
خبا ضرام الهوى يا بؤس آمالي من ذا الذي يقدح النيران للصالي
عادت حياتيَ ليلا لا ضياء به بعد السلو فيا بعداً لآصاليقد كنت أحسب نفسي روضةً أُنًفاً غنّاء تطفُرُ من حال إلى حال
حتى غدوت كحادي النيب أسأمه تشابه العيشَ في غبراء مِمْحال
لا أكذب الله , أيامي كما سلفت لكنها ظلمةٌ في النفس والبال
ردّوا عليّ عقابيلَ السقام ففي هياجها راحتي , والسقم إبلالي
قد كان قلبي مثل البحر تضربه هوج الرياح فيطفو دره الغالي
تجيش بالزاخر الطامي جوائشه من كل معنى كصوب الغيث هطال
فالآن لا درر فيه ولا صدف أقوى..وبدل أحوالا بأحوال
يا من يعيد إلى الجنات رونقها بعد الذبول أَعِدْ لي روضيَ الحالي
مضى زمان فلا طير يغرد في نفسي ولا هائج يهتاج آمالي
حتى لأصبح قلبي بعد نضرته كأنه طلل ملقيّ بأوصالي
ولكنه في مثل هذه الموضوعات المطلقة ، لا يتحدث حديثا مجردا كما كان يفعل عبد الرحمن شكري، بل كان يمزج أكثرها بوجدانه.
وفي شعر الفكرة ، التي كان يتحدث عنها العقاد حديثا مجردا كان يمزج الفكرة بالعاطفة ، ومن شواهد ذلك قصيدته "الشائق المشوق" التي تدور حول فكرة طريفة هي أن الحب ليس من أجل الجمال ، لأن الجمال يذوي ، بل الحب من أجل المشاطرة الوجدانية والروحية ، وفيها يقول:
عشقتك لا أني تعشقت ميعة من الحسن تطويها الليالي البواكر
ولكنني أملت فيك مصادقا يؤازرني في لوعتي ويشاطر
فما فضل هذا الحسن ان كنت جاهلا هواي ولم تشعر بما أنا شاعر
بلى ، نحن نهوى من يحس غرامنا فنجري على قدر الغرام السرائر
وإلا فإن الكون للقلب سامر وللنفس فتّان وللعين ساحر
فلا حسنه بال كحسنك في الثرى ولا وجهه زاو كوجهك نافر
وقصيدة "المغرور" التي يقول فيها:
يرى نفسه فوق السماء وإنما يطير به فوق السماء غرورٌ
ويحسب أن الناس طرا عبيده فكل كبير ما خلاه صغير
يطل علينا من سماء غروره وكل الذي تحت السماء حقير
والملحوظ أيضا أن شعره الوجداني ، الذي يعبر عن حالاته النفسية ، يماثل شعر شكري ، وهو شعر ينزع إلى الأسى واليأس ، ونلتمس هذا النزوع في طائفة من قصائده ، ونذكر منها "سكون الفناء" و "أين الوفاء" و "شكوى" و "دوحة الفرصاد" و "شتاء النفس" التي يقول فيها:
لم يعد من بعد ماضيعتني مؤنس لي غير شعري ودموعي
كلما هاج الجوى واشتعلت لوعة هوجاء مابين الصلوعِ
صحتُ! يا قلبي المعنى غنني واشف ما بي من جوى مرٍّ وجيعِ
غنني: واغسل جراحي بالدموع واسكب السلوى على العاني الصديع
غنني: وارقص على وقع الأسى كلما حطم درعا من دروعي
غنني: ما طال ليلي: غنني: وادعُ فجري - أين فجري؟ للطلوعِ
غنني: جفت أزاهير المنى فادع صيفي – أين صيفي؟ للرجوع
غنني، حتى هجوعي ربما برئت نفسي من بعد الهجوع
غنني، بل لا تغني ، زدتني حسرة ، واهتجت ياقلبي ولوعي
ونلحظ استخدام علامات الترقيم بكثافة في تلك القصيدة وحسن استخدامها للتعبير عن مكنون نفسه دون التصريح به بكلمات ، وهذا من محاولات التجديد في بناء القصيدة العربية الذي شاع استخدامه بين شعراء الحداثة وما بعد الحداثة بل نراه جليا في قصيدة النثر العربية الجديدة ، وقد يكون الشاعر عبد الحميد السنوسي عندما لجأ إلى علامات الترقيم لم يكن في نيته أن يحدث تجديدا في البناء الشكلي للقصيدة العربية ، وهو لم يدعيه ولم يطلبه أحد من شعراء عصره ولكن ما أراد أن يعبر عنه في شعره ، استلزم هذا الشكل من استخدام علامات الترقيم الجميلة التي شكلت وتدا في فهمنا لما يريد أن يخبرنا به الشاعر ، وما أراد أن يرسله لقلوبنا وأحاسيسنا.
ويؤيد هذه النزعة المكتئبة قصيدته "دوحة الفرصاد" التي جاء فيها:
ولقد مررت بدوحة الفرصاد فشهدت ما فعل الزمان العادي
جفت نضارتها وصوح نبتها وتناثرت أوراقها في الوادي
فبكيتها ، لا بل بكيت صبابتي ورثيتها ، لا بل رثيت فؤادي
يا دوحة الفرصاد غيّرك البلى وجرت عليك روائح وغوادي
أشبهت أعوادي التي نثر الأسى أوراقها ، واها على أعوادي
قد كنت مثلي في الربيع غضيرة أيام أبراد المنى أبرادي
فغدوت عارية ، فلا ثمر ولا ورق عليك ولا هزار شادي
ونلمس في هذه القصيدة الوجدانية ومثيلات لها كيف كان يزكو لهذا الشاعر مزج حالاته النفسية بمرائي الطبيعة ، تلك المرائي التي أحب جمالها وفتن بسحرها ، وتحدث عنها في جزالة حينا ، وفي رقة وسهولة حينا آخر ، وشواهد ذلك نلمسها في قصيدته "مصطاف البحر" ، وفي "الغدير" التي يقول فيها:
جرت عليك دهور من بعدهن دهور
وأنت للصب ملهى وللحزين سمير
كم قبلتك شموس وقبلتك بدور
وكم عليك تغنت بشعرهن الطيور
حتى دهتها المنايا إن الحياة تدور
فما لهن رنين ومالهن هدير
كأن لم يك شدو هناك إلا الخرير
وهذه القصيدة ذات الوزن الخفيف الراقص والإيقاع البسيط ، وكأن إحساس الشاعر بتدفق ماء الغدير قد انتقل إلى موسيقى القصيدة ، فنحس الموسيقى الداخلية الهادئة مع تدفق ماء الغدير بين ثنايا القصيدة ، كما نرى رقة الألفاظ وعذوبتها واستخدام الحروف ذات المخارج الصوتية الخفيفة (الرقيقة) والتي تصدر من الشفاه كالباء ، ومن الأنف كالنون ، وحروف الترقيق كالهاء والراء والتاء ، وكلها حروف خفيفة في النطق راقصة في الموسيقى ، ترسل في النفس خفة وطربا ، يتناسب مع الجو النفسي الذي أشاعه عبد الحميد السنوسي في قصيدته.
وقد ضم الديوان إلى هذين اللونين من الشعر ، شعر الأسرة وهو لون من الشعر جديد على البيئة الأدبية في ذلك العصر ، وقد فاض فيه حديثا الدكتور أبو شادي ، ومن أمثلته في شعر السنوسي قصيدتيه "ابنتي فاتن" ، و "ابنتي ليلى" التي يقول فيها:
وردة أنت أم شذى أم شعاع من المنى
أنت في الدار آية تبعث النور والهدى
أنت أنسي وراحتي كلما شفني الضنى
فتنة أنت إن صحو ت و إن غبت في الكرى
وقع أقدامك الصغير ة لحن لمن وعى
كلما صحت صاح بي طرب يخجل الأسى
حلوة أنت في الضجيج وفي الضحك والبكا
أنت جددت لي الصبا والصبا عهده انقضا
ونلحظ في هذه القصيدة التي يخاطب فيها الشاعر ابنته؛ إبتعاده التام عن غريب الألفاظ ، واستخدامه ألفاظا سهلة وبسيطة ، كما إنه ابتعد عن الصور والتراكيب الشعرية الصعبة والمركبة "وردة أنت" تشبيه بسيط ولكنه معبر عن عاطفة الأبوة وحنانها ، وهكذا في كل أركان القصيدة ، كما نرى تركيز الشاعر على ضمير المخاطب "أنت" والعائد على ابنته ليلى وهذا التكرار المحبب إلى نفس الشاعر ، هو رغبة منه في إظهار الحب ، وسعادة ولذة بتكرار هذا الضمير ، كما إنه استدعاء للعائد عليه الضمير من الجانب الخيالي في القصيدة ، إلى عالم الحياة الواقعي ، فجعلنا نرى الشاعر جالسا يلاطف فتاته ويداعبها أمام عيوننا.
كما نلحظ الإيقاع البسيط الذي لف أعطاف القصيدة كطفل يتهادى ، بموسيقى داخلية طفولية محببة إلى النفس ، وكذا اختيار هذا الوزن البسيط "فاعلن فاعلن" يناسب الجو الأبوي الطفولي للقصيدة، كما استخدم فيها أسلوب التضاد مابين الألفاظ والصور الشعرية ، وهو في أساسات البلاغة يظهر المعنى ويوضحه ، هذا بالإضافة إلى أن هذا التضاد يقرب الصور والألفاظ والمعاني إلى نفس الطفلة البسيطة فيستطيع أن يستوعب هذه القصيدة ويستمتع بها.
وحين نصل إلى البيت الأخير من القصيدة نلاحظ حسرة الشاعر على عهد صباه الذي مضى ، ووجود هذا البيت الحزين في آخر القصيدة المرحة المضيئة بالبهجة قد نرى أنه قد جانبه التوفيق بالإتيان بهذا البيت كخاتمه للقصيدة، لكننا من ناحية أخرى قد نرى فيه نزعة الشاعر إلى الكآبة التي سيطرت على الشاعر حتى في أحسن حالاته النفسية.
فمثل هذه الألوان الشعرية آنفة الذكر التي تناولها السنوسي وبعض شعراء جيله ، كانت بذرات طيبة أينعت وأثمرت في جيل الرومانسية لدى شعراء "أبوللو" ونحسب أن اللون الذي بز فيه السنوسي قرناءه هو الشعر الغزلي ، الذي تناوله تناولا رائعا أصيلا , وكانت له فيه وقفات باقيات. وهذا اليدوان زاخر بهذا اللون الجديد على البيئة الأدبية في ذلك العصر ، وهو آية مبصرة على قوة عاطفة الحب في قلب هذا الشاعر المتيّم ، وأثر الحب في جوانحه ، وقصيدته "أنت" تكشف في جلاء عن آثار الحب في مهجة كل حبيب صادق الحب وفيها يقول:
أنت جددت لي شبابي وقد كنت دفنت الشباب من أزمانِ
أنت جملت لي الحياة فأصبحت أراها كما تشاء الأماني
ومحوت الظلماء فاختلب النور عيوني وانساب في وجداني
أنت صورت لي الوجود وما فيه جميعا بريشة الفنانِ
وخلقت الحياة خلقا جديدا ونفضت التراب عن أكفاني
أنت زخرف لي معالم وجداني فأتقنت أيما إتقانِ
ونفيت الركود عني فهب القلب كالبحر صاخب الأرنانِ
أنت أفهمتني الذي كنت لا أدريه في الكون من خفي المعاني
وجلوت الأسى وغالبت همي وشفيت الفؤاد مما يعاني
أنت فجرت في الجوانح ينبوعا من الشعر زاخرا كل آن
وأزحت الستار عن عالم الصمت فأطلقت عقدة من لساني
أنت قربتني إلى الخلد حتى أصبح الخلد قطعة من كياني
في هذه القصيدة الجميلة الرقيقة يقول الشاعر عبد الحميد السنوسي "وأزحت الستار عن عالم الصمت فأطلقت عقدة من لساني" وكأنما كان يدرك أن قصيدة الغزل ستكون عنده أروع ما كتب ، وستكون هي الشاهد على أن ينبوع الشعر عنده ينبع من قلبه قبل فكره ، كمدرسة الرومانسية ، وليست مدرسة الديوان الفكرية ، وأنه بهذه القصائد الغزلية الرقيقة ، والتي تمتلك قدرا كبيرا من الجمال الفني على بساطتها ، وعلى بساطة الصور الشعرية الجديدة التي أتى بها في قصائده الغزلية ، ولنقف لحظات عند قصائد الغزل عند عبد الحميد السنوسي لنحصر ونراقب مواطن التجديد التي ذهب إليها وجاء بها في أشعاره وجعلته يتميز بها عن أقرانه من شعراء ذلك العصر، وكانت مدخلا جميلا لما سوف تراه القصيدة العربية من جدة وحداثة في العصور الحديثة في القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين، وأول هذه الملاحظات هي الموسيقى الداخلية للقصيدة التي أفردها للغزل فقط ، ولم يعد الغزل مقدمة كالمقدمة الطلليه في قصائد الأقدمين الذين عشقهم وتغنى بأشعارهم، في المرحلة الكلاسيكية الأولى من شعره ، وإنما جعل الغزل غرضا في حد ذاته ، فجاءت القصيدة متماسكة البنيان عضويا ، لا اضطراب فيها ، ولا نرى فيها تفككا ، ولا تضاربا في المعاني . فكانت وحدة القصيدة الغزلية ككل وليست وحدة البيت داخل القصيدة سببا مباشرا في انسجام الموسيقى الداخلية للقصيدة الغزلية ، والموسيقى الداخلية في قصائد الغزل عند السنوسي تنبع كذلك من استخدام الصور الشعرية المعبرة عن المحبوبة وجمالها وعلاقتها المباشرة بالشاعر ، وهي صور مستمدة من البيئة والطبيعة المحيطة بالشاعر ، مما أضفى عليها الحياة والروح ، وليست صور ميتة تأتي من عالم لم نراه ولم يعرفه الشاعر ، وكذلك استخدام التراكيب اللغوية السهلة والجزلة في آن معا ، وكذلك استخدام السلوب الخبري في معظم جمل القصيدة وكأنه يقص علينا قصة القصيدة مع المحبوبة.