خصائص شعر عبد الحميد السنوسي:
يمكن تقسيم حياة السنوسي الشعرية إلى مرحلتين؛ مرحلة التردد بين الكلاسيكية و الرومانسية , ثم مرحلة الرومانسية.
خصائص المرحلة الأولى (التردد بين الكلاسيكية والرومانسية):
قد يشك القارئ حين يطلع على أشعار عبد الحميد السنوسي في هذه المرحلة في أنها من نظم شاعر عربي قديم وليس السنوسي وشاهده قصيدة "الموسيقى" حيث يقول:
نشيدك أم هذا جمان منظم من الطل في الأسماع يهمي ويسجمُ
أداعية العهد الأنيق الذي مضى دعاؤك فينا الآمر المتحكمُ
ألا اطلقوا من شدوها العذب انها لنفس الفتى صنو قديم وتوأمُ
هي الراح في الآذان سكرا ولذةً ولكنها في القلب نار تضرمُ
هي الراح إلا أنها مبعث الأسى وفي الراح منه مستجار ومعصمُ
إذا اصطفقت في السمع فاضت مدامع وحالت عيونٌ واستبان المكتّمُ
يلذ لنفسي أن يبين خفيها لها فهي أدرى بالخفي و أعلمُ
فما تركت في حبة النفس نزوة تغلغل إلا عن مداها تترجمُ
إذا همدت أشجاننا جددت لنا شجونا خلت منهن بؤسي و أنعمُ
تعيد لنا الماضي وإن طال نأيه فيُنشر مطويّ وتُبعث نومُ
أغاريدها كالناس شتى , فناحب شجي البكا أو ضاحك مترنمُ
فطورا لها لطف كما هبت الصبا وطورا لها عصف كما اهتاج خضرمُ
غذاء الهوى ألحانها فإذا خبا وخف لظاه ساورته فيضرمُ
تهب لها نفس الفتى من منامها هبوب الورود المحل والوبل مثجمُ
ونلحظ في هذه القصيدة أن الشاعر استخدام التراكيب اللغوية القديمة والألفاظ العربية الصعبة مثل "يسجم بمعنى يسيل أو ينصب, وخضرم بمعنى البحر الهائج, والمحل بمعنى الذابلة, والوبل مثجم بمعنى المطر المتتابع السريع"
، وبالرغم من أن الموضوع الذي عالجته القصيدة يعتبر موضوعا حديثا إلى حد ما, والتزم فيه الشاعر الوحدة العضوية للموضوع , و إن ظل على تمسكه بالشكل العمودي ووحدة البيت كأساس لبناء القصيدة , وتمسكه الصارم بالقافية والروي , وهذا مما كان يتمسك به الشاعر العربي القديم, كما نرى أيضا في تلك القصيدة رصانة الصورة الشعرية والتركيبة الجمالية, التي التزمها الشعر العربي القديم.
وبعد قليل نرى الشاعر يكتب قصيدته التي تبدو سابقة لعصرها بسنوات مثل قصيدة "أقبل الصيف يا حبيبي". وقد جاء فيها:
قد أقبل الصيف يا حبيبي يختال في ثوبه القشيب
والطير لاه جِدُّ طروب يشدو على غصنه الرطيب
ولاح في الصيف كل طيب غير مجاليك يا حبيبي
* * *
فلُحْ كما لاحت النجومُ وابسمْ يَزُلْ ليليَ البهيمُ
إذا أضلتْنِي الهمومُ فأنت برقي الذي أشيمُ
و أنت نجمي الذي أرومُ لا أنجم الليل يا حبيبي
* * *
قد أقبل الصيف يا حبيبي من بعد ما لجَّ في المغيبِ
يسعى إلى اليابس الجديب سعْيَ حبيب إلى حبيبِ
فما تراءى سوى خصيب إلا منى القلب يا حبيبي
* * *
ما أوحش الصيف في فؤادي و أنت كالنجم في البعاد
كلا. . فنجم الظلام باد في السهل والقفر والوهاد
يُرى سناه في كل واد فليتك النجمُ يا حبيبي
* * *
قد أقبل الصيف يزدهينا ويبعث الشوق والحنينا
يبث جسر الهيام فينا وينشر الراقد الدفينا
فكن على لوعتي معينا واروِ صدى القلب يا حبيبي
* * *
الروض زاه أيّ زهاءٍ والطير داع أيّ دعاءِ
وقدس الكون كل راءٍ غير محب جمّ العناءِ
لا تَطّبيه – وأنت نائي - لوائح الصيف يا حبيبي
* * *
يا فرحة الزهر بالطيور وفرحة الطير بالغدير
الليل ضَحْيانٌ بالبدور والروض نشوان بالعبير
فما لقلبي بلا سمير أفرده الدهرُ يا حبيبي
* * *
قد كان كالطير في اللقاء يمرح في واسع الفضاء
ويملأ الكون بالغناء فمن سماء إلى سماء
جَنَاحُه هاضَه التنائي وريشه سُلَّ يا حبيبي
ثم نرى قصيدة "خلود الحسن" ذات الأسلوب المتصلب الطنان , عتيق الصياغة , والتراكيب اللغوية والجمالية الذاهبة إلى تقليد شعراء العربية القدامى:
سقى ربعك المأنوس فيض الغمائم وجادته أفواه الغيوث السواجمِ
فكم ليَ فيه من غرام وصبوة نقضت فمالي غير زفرة نادمِ
أبثك ما ألقاه من ألم الجوى ومن لوعة بين اللهى والحيازمِ
ومن جذوة لليأس أية جذوة تدب بأحشائي دبيب الأراقمِ
أضيئي لنا وجه الحياة وجددي زمانا مضى كالحلم في عين حالمِ
إذا الهم أبدى صفحتيه اطّرحتِهِ وأبْتِ إلى عهد الهوى المتقادمِ
فأخلس من ذكراه ما النفس تشتهي على مضض من كل لائح ولائمِ
مقيلي من عصف الرياح السمائم وهَدْيي في داج من العيش فاحمِ
فيا لك من أمن وليد المظالم ويا لك من صفو نتاج العلاقمِ
أضيئي لنا وجه الحياة فإنها معودة ألا تضيء معالمي
نتوق إلى الغيب الخفي فلا نرى سوى وجه مُغْبَرِّ الأسرّة ساهمِ
كأني ضرير يعشق الكون سمعه ويرمق ما يخفى بألحاظ واهمِ
أضيئي لنا وجه الحياة وأشرقي شروق الأماني في الصدور القواتمِ
فلا الشمس تهديني و لا أنجم الدجى إذا غاب عني ضوء تلك المباسمِ
لَفِيكِ حياة النفس فهي خميلة فلا تبخلي بالعارض المتراكمِ
فكم نفس إن جادها القطر أمرعت وبعض نفوس الناس مثل المخارمِ
فلا تمنحي لألاء ضوئك أخرقا فكم غاض قَطْرٌ في الرمال الصرائمِ
أضيئي لنا وجه الحياة و أجزلي عطاياك فالأيام في كف عارمِ
فليتك روض مونق كلما ذوى تجدَّد فيه النَوْر زاهي الكمائمِ
ويا ليت شمس الحسن كالشمس لا تني إذا غربت أن تستبين لشائمِ
ولكن إذا ما بزك الحسن ثوبه وأصبح للأيام إحدى المغانمِ
سيخلد في شعري جمالك آمنا خلود الرسوم في صحائف راسمِ
ومرة أخرى نعود إلى أسلوب رقيق يعبر عن أدق المعاني في سهولة باهرة , ولنقرأ هذه القصيدة التي تسيل عذوبة وبهاء وهي قصيدة "الغيرة":
سليلة حب العاشق المتضّمِ ألم تلدي غير الأسى والتندمِ؟
صبابة نفس أنجبتك لعَوْنِها فكنت عليها كالجُراز المصممِ
فزَيّنتِ الهوى حتى تبدل بالقلى فشْبَّ لظاه كالحريق المُضرمِ
وأعشيتِ بالأوهام عين المتيّمِ فبات يناجي كل غيب مرجمِ
لقد كان كالورقاء في الحب خاضعا فضرَّيْتهِ حتى غدا أيَ قشعمِ
جمعت الهوى والحقد فيك إنما جمعت الردى والحسن في جلد أرقمِ
وكم عاشق نبهته بعد هجعة فهب هبوب الضيغم المتقحمِ
فلا منصت إلا إلى قول كاشح ولا ناظر إلا بعين التوهمِ
يبيت طوال الدهر يهذي بوتره ويدنيه منه الروهم في كل معلمِ
فلا ناعم بالعيش إلا إذا شفى من الدم غلا أو يضرّج بالدم
توهم في تطلابه الثأر مغنما وكم مغرم للناس في طي مغنمِ!
وحب الفتى للنفس مغنم ومغرم وكل بها – حتى الردى – جد مغرم
ورغم رقة وعذوبة هذه القصيدة ونزوع الشاعر فيها للتجديد بالحديث عن الوجدانيات وهو الغرض الذي بات مقصدا في مدرسة أبوللو الشعرية , نراه يحتفظ بجزالة الألفاظ والتراكيب اللغوية الصعبة, فنلمح المتهضم وتعني المظلوم , والجراز المصمم وتعني السيف القاطع البتار, كما أن فريت والتي تعني قطعت نتذكرها كثيرا من شعراء العرب القدامى, والتعبير "يبيت طوال الدهر يهذي بوتره" نرى فيه المعنى الجاهلي والتعبير اللغوي الجاهلي وكأننا أمام شاعر من شعراء العصر الجاهلي يطلب ثأره ممن غدر به وآذاه.
مما سبق نلحظ عدم انتظام تطور الشاعر من الكلاسيكية إلى الرومانسية ذلك التطور الذي طال تعرجه وتحوله بعد التقدم, بل طال تردده حتى سار في الطريق الذي اختاره عندما اكتسب الشاعر الاستقلال والشخصية الخاصة به, وأصبح صوته الشعري متفردا وجديدا.
وقد يتبادر إلى الذهن أن عدم استقرار الشاعر في مطلع حياته على أسلوب واحد يرجع إلى وقوعه في ربقة محاكاة غيره, فيجيئ أسلوبه تقليديا عندما يحاكي الأقدمين ويجيء حديثا عندما يحاكي المحدثين. ولكننا نستبعد هذا الرأي لأن صدق الشاعر الذي نتحدث عنه في التعبير عن مشاعره , حتى عند لجوئه إلى الأسلوب الطنان, واضح من ثنايا شعره منذ أول عهده بالنظم, والراي الراجح عندنا أنه عندما كان يحاول ترقيق شعره , لاسيما عندما ترق نفسه , ولكن كثرة اطلاعه على الأدب العربي القديم أثرت في أساليب ذلك الأدب وصيغه البيانية , وجعلت تتزاحم على ذهن شاعرنا , وتجيش في صدره , فتتغلب على مقاومته حينا, وتتسرب إلى بعض أبياته حينا آخر, ونلحظ هذا جيدا في قصيدته تحت عنوان "النفوس الكبيرة":
تحلِّق فوق نجوم السماء وتجرع من ضوئها المُترعِ
وتهوى العلاء فتشقى به وحب العلا مصرع الأروعِ
وليس طماح النفوس سوى عذاب النهى وجوع الأضلعِ
ولو بلغ المرء هام السماك لرام المزيد ولم يقنعِ
ولولا المطامع عاش الورى قطيعا من البهم في بلقعِ
هذه المقطوعة الصغيرة الجميلة يعبر فيها عن الطامح في العلا بحثا عن موقع أعز وأغلى تحت الشمس كالشاعر الباحث عن صوت شعري متميز بين شعراء جيله لابد أن يحصل على هذه المكانة والصوت الجديد , قد يشقى قد يتعثر ولكنه لابد أن يصل إلى مراده , وفيها نرى التردد مابين العذوبة والرقة في نفس الشاعر المحدث والجزالة والرصانة في أساليب الشعر العربي القديم, هذا صراع الشاعر من أجل صوت شعري جديد يميزه ويعبر به عن نفسه , وعن مشاعره ووجدانه, كأحسن مايمكن لشاعر رومانسي يتحدث في الوجدانيات. ومن أشعاره مقطوعة قصيرة تعتبر شاهدا قويا على ذلك ,بعنوان "قلبه العاشق":
وأشد من فعل الشمول بمنتش هاروتُ طرفك في فؤاد الوامقِ
تصفيق أجنحة الطيور إذا انتحت أفراخها كوجيب قلب العاشقِ!
بيد أن الشاعر في نهاية المطاف استطاع التخلص من تأثير الأساليب القديمة على شعره فنراه شاعرا محلقا في خيال الرقة والعذوبة والرومانسية فصفى أسلوبه ورقت كلماته, وأصبح له صوتا شعريا متميزا, ونلمح ذلك في العديد من قصائد الديوان ولنتأمل هذه القصيدة الرائعة, تحت عنوان "إهداء حبيب":
لقد هويت الذي كنت أهواه وتيمت قلبك المتبول عيناه
قد كنت تعذلني في حبه سفها حتى غدوت طليحا بين أسراه
هو الذي كنت حتى اليوم أعبده وكان قلبي حتى اليوم مرعاه
كم كان يطربني منه تبسمه وكان ينعمني – يا خلُّ – لقياه
وكم رغبت عن الآمال أنشُدها فكان يوقظ آمالي محياه
وكان للحب أمر نافذ أبدا في القلب يأمره طورا وينهاه
أضحى فؤادك مثلي شيقا ولعا قد سامه الحب تبريحا وأعياه
لا تحسبن الهوى سهلا فإن له في كل رهط أسيرا من سباياه
ان تكتم اليوم حبا أنت ضامنه فإن طرفك قبل اليوم أفشاه
لا تكتمن غراما لاح لائحه الحب يظهر مهما المرء أخفاه
لئن هويت الذي قد كنت أعشقه فسوف أهجره جهدي وأنساه
وسوف أزجر قلبي عن محبته قسرا وأجنبه عمدا و أسلاه
وأتركنك فردا في محبته أنعم بعيشك في الدنيا واياه
والذي كان في أسلوب الشاعر في اشعاره الأولى هو نفس ماكان في معانيه . فقد كان يأتي أثناء تلك المرحلة بالموضوعات والمعاني المبتكرة في القصيدة تلو القصيدة , ثم نجده ينكص مرة أخرى إلى المعاني القديمة المعادة, ولا شك أن مرجع هذا إلى طبيعة محاولة التجديد التي لابد أن يتعرض من يحاولها للتعثر مرة , ثم للتوفيق , ثم للتعثر من جديد قبل أن تقوى قدماه على السير الثابت المكين. ونحن نشير من القصائد الغزلية في تلك المرحلة إلى قصيدة "أقبل الصيف يا حبيبي" وقصيدة "ألم ولذة" و "الحبيب الغافل" و "الليل والحب" فهذه القصائد وأمثالها تتميز بأصالة المعنى و الأسلوب معا, وتكاد ترسم للشاعر معالم طريقه الجديد.
وغرير يضن حينا على القلب بوصل ويسعد القلب حينا
كم لهونا بحسنه فأجدّ اللهو داءً بين الضلوع دفينا
ما علمنا باللهو يبتعث الداء ويضْري بلابلا وشجونا
قد روينا وما ظمئنا إليه وظمئنا فلم يعد يروينا
نحن لولا الرخاء لم نعرف الشجو ولم نَعْتَدِ الأسى والأنينا
ما لهونا إلا وأبعدنا الدهر زمانا عن الذي يلهينا
يصبح اللهو ذكرة تملأ القلب كلوما والجفن دمعا سخينا
الهوى كالرياح لا تبعثنه فتثير الرياحُ جمراً كمينا
أنت لولا الشقاء عذبك الرغد وآض النعيم سقما رهينا
يملح البدر بعد عهد دجوجي يطيل المحاق فيه الدجونا
نحن لولا قبح الشتاء لما شمنا الفَتُون يوما فَتُونا
وحبيب أما بدا قتل اليأ س وأحيا الآمال والأحلاما
إن بدا بدّل الظلام ضياء أو نأى بدّل الضياء ظلاما
كنت ألقاه إن دجت حلكة الليل وغطى ظلامُه الآطاما
كم رقبت الليل البهيم وأمَّلْ ت اقترابي منه إذا الليل غاما
غير أني أمسيت من بعده أر هب جنح الظلام اما ترامى
أيها الليل صرت عون شجوني ولقد كنت مطمحا ومراما
يأبا الخوف والتسهد واليأ س عهدناك مأمنا وسلاما
أنت في قربه بهيّ وفي البع د بهيم , تَنْفي وتُوري السقاما
أين ما كنت أجتلي من معان فيك – يا ليل – تبعد الآلاما؟
أين وجه الحبيب ينفي شجيَّ النف س ويحي بين الضلوع الغراما
أين ألحاظه تصوب على قل بي فتشفى أُوارَهُ والأُواما
أين أنسى به وقد شرب القل ب عقارا من لحظه ومداما
أصبح الأنس وحشة تملأ النف س وعاد الدواء داء عقاما
كم تجلت لنا النجوم وأبدت كلةُ السحب زهرها البساما
غير أنا ما راقنا رونق النج م وهل يستبي الجمال الرماما؟
كل حسن إذا غربت غريب لا يزيد الهمومَ الا اضطراما
يُذكِرُ الحسن حسنكم فيهيج الذ كر قلبا بحبكم مستهاما
وحبيب علقته وهو لا يشعر قلبي لذاذةً وأمانا
يتغنى فيشتكي الحب والهون وما إن يدري الهوى والهوانا
يتغنى وقلبه الغض خال فيثير الهموم و الأحزانا
هو كالطير ربما نحب الطيرُ فأبكي ولم يكن أسوانا
كيف يدري الهوى حبيب غرير كالأزاهير رقة وليانا
لو درى ما الهوى لأوسعني في الحب عطفا ورحمة وحنانا
اننا في الهوى نحِنُّ إلى الشجو ونبكي العهدَ الذي أبكانا
سوف ننسى العهد الذي مرّ في الحب وننسى النعيم والأشجانا
قد يدب النسيان يوما إلى القلب كما يطرق الكرى الأجفانا