عرض مشاركة واحدة
قديم 25-10-2011, 09:15 PM   المشاركة رقم: 18
المعلومات
الكاتب:
حلم ينتظر
اللقب:
نبع صافي

 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 رقم العضويـة : 6268
 مجموع المشاركات : 45
 بمعدل : 0.01 في اليوم
  العمر : 36
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حلم ينتظر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حلم ينتظر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

السلام عليكم
أحيي كل المتابعين

وهذا الفصل التاسع من رواية آدم

أرجو منكم التفاعل

(الفصل التاسع)
تحلق الرجال الستة حول الشيخ في سكون شديد ،واعتزلتهم المرأة إلى كثيب قريب ،توحي صوت المحدّث وأسئلتهم وتحرسهم بعينها وتسمع الطير البعيد. كان الشيخ يلقن اثنين منهم كلمات التوحيد ،والدخول في دين الله الذي بلغه محمد ،وهتف الرجال مسرورين بالنعمة التي نزلت على صاحبيهم ،وابتسمت المرأة ونهضت تنفض التراب عن ثوبها ،إذ جاء الغسق بواجب العمل. وأبصرت مركبة تتجه قبلهم تحت غيمة سوداء كبيرة ،وضيقت جفونها أكثر فلاحظت مشاة يسبقون الركبان يسيرون في مناحي متفرقة. هبطت من عليائها وهي تصرخ بالرجال:"عليكم أسلحتكم ،قد أتى موكب مقاتل" ولم يصنع الرجال شيئاً ،فصرخت بهم مرة أخرى فتلفتوا حائرين ،واتخذ بعضهم سلاحه ،وتوكأ الرجل المسن على عكازه الذي غاص في الرمل وقال للمرأة:"هوني عليك ،لن يجديك الصياح" ثم التفت إلى الرجال فقال لهم:"انتخبوا أحدكم يقود المجموعة ،واصبروا واثبتوا فإنكم حزب الله ،ألا إن حزب الله هم الغالبون" وعين رجل منهم نفسه أميراً على الرجال وراقب الوفد القادم وهو يشد على سلاحه. قالت المرأة بغضب:"ذلك الرجل إنه يجمع الرجال حوله بغير انتباه ،لقد كشفونا بسببه" أجابها الرجل وهو ينظر إليهم خلال منظار بندقيته:"إنهم أكثر منا ،لا طاقة لنا بلقائهم". واستعدت سيقان الرجال للهرب وحثهم الشيخ أن يلزموا أميرهم الذي قال بصوت أعلى:"جهزوا أنفسكم للهرب يا رجال ،وليحمل حسن الشيخ"ووصلت الغمامة الكبيرة وسترت الجمع عن الجمع الملاحِق ،وتأبطت المرأة مدفعها وجرت خلف الرجال. كان الكهل مدنياً لا يعرف العدو السريع لأمتار كثيرة كرفاقه ورفيقته ،وتجلطت الدماء في باطن قدميه فتأخر عنهم مسافة طويلة. تفقدت المرأة رفاقها وقالت بدهشة:"مالي لا أرى الكهل أم كان من الغائبين؟" وانتبه لها الأمير فارتدا على آثرهما قصصاً فوجداه قائماً يتخبط في ظلام الصحراء الشاسعة. قدم الأمير ظهره رَكوباً للمدني العاجز فامتطاه من غير سؤال ،وسار الثلاثة أقرب للجري يقتفون سبيل رفاقهم والشيخ. تبادل الجند جسد الشيخ وعاد الكهل ماشياً بعد استراحته القصيرة ،وكان القوم يقيمون ساعة ويسرون الساعة التي تعقبها ،وبلغ النصب بهم كل مبلغ وغشّت عيونهم سحائب النعاس والغفلة ،قالت المرأة لما أحست فتورهم ،وقلة وعيهم:"أيها الرفاق دعونا ننزل في المكان هاهنا ،فإني لا أجد للتابعين ريحاً ،دعونا نريح شيخنا ونحل عن الوسط هذه المدافع الثقيلة" واستحسن الأمير فكرتها ،وكان بوسع الباقين أن يلقوا أجسادهم على الرمال ولا يحركوا شفاههم بأية كلمة ،وخلع حسن سترته فدثر بها الشيخ ،وجلست المرأة والأمير ساهرا العين يعسان المكان في كل قطع من الليل ،قالت له بصوت مسح حباله عطش شديد:"فماذا نفعل في الغد؟ نحن قضينا مسافة طويلة ،ولا نحمل على أكتافنا ميرة المسافر" أجابها وهو يرقد على الأرض الدافئة:"ليست لي معرفة بهذه البراح القصية ،ماذا لو تفضل علينا رب الشيخ ،أليس يرانا ويعلم حالنا؟؟ لعلنا نشبع ونرتوي بمائدة ينزلها من السماء.." قالت شاردة بنظرها في تفكير:"لا أعتقد الأمر يتم بهذه الطريقة..إن أريد إلا بئراً تبل عروقنا وصيد بر سمين" رد منكراً ببعض الغلظة:
- وما لذي يمنع نزول المائدة وفيها ما تقولين؟
- إنه أمر أشبه بأسطورة قديمة ،أو وعد ساحر. إن الله لا يشابه فعلهم ذاك.
- إنه كرامة وجزاء حسناً لعباد أخرجوا من ديارهم لأنهم آمنوا به..هل يجزون إلا الحسنى.
وأقامت المرأة صلبها وخطت خطوتين ،وحدثته بنبرة ختامية:"إن أفضاله غمرتني حين كنت كافرة به ،لما أخرجني أبي من منزله ،إني مؤمنة بفرج قريب لكنه لا يبدو كما تقول " نظر إليها الرجل وهي تعتلي نشزاً صغيراً ثم نظر إلى السماء الدهماء فوقها راجياً رؤية النجوم ،ثم انتفض لما أتته المرأة مسرعة وهي تلقي وحياً هامساً إليه:"إنهم خلفنا أيقظ القوم ،يجب أن نهرب قبل أن يجدونا ،أسرع" وعوت سباع من مكان قريب ،وانقلبوا إلى النيام يريدون إيقاظهم ،فبصر بهم سبع كان يتشمم الجثامين الملقاة تحت قدميه ،ثم تولى عنها دون أن يطأها وواجههم مباشرة. تحفز إصبع الرجل للإطلاق ،ونهته المرأة معللة سماع التابعين صوت الرصاصة ،واقترب السبع مكشراً عن أنيابه مخرجاً غضباً هائلاً من صوته وعينه الضيقة. وتراجع الحارسان وأمر الرجل المرأة أن تسري مع القوم ولا يلتفت منهم أحد إنه مطلق على المفترس ومتصدٍ لملاحقي الصوت خلف التلال ،واستمعت المرأة لأمره وأذعنت ،ونهض الرجال على عجل وهربوا واستمعوا للرصاص يرمى من ورائهم ،ولحق الرجل الأمير بهم وهو يصيح:"قفوا عندكم إنهم يحاصرون المكان". وأزجى القوم الذين اتَبعوا للذين أتُبعوا رصاصتين صاح بعدهما صوت تحذيري من أحد التلال:"سلموا أنفسكم أيها الإرهابيون دقيقة ونفجر المكان" فأصاب الرجال هلع وأسقط في أيديهم وهم الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلاً ،وبال الكهل في ثوبه من غير بلل ذلك أنه عن بطن لا يختزن الطعام ولا الماء ،وارتفع صوت الشيخ ينفث العزيمة والطمأنينة فيهم ،قال:"أيها الرجال ،إن ربكم يطلع عليكم ،إنه يختبركم ،فاصبروا واثبتوا ،أيها الرجال من يعش منكم منتصراً فذلك خير ،ومن يمت منكم مقتولا فذلك الشهيد وله من الأجر قراب هذه الصحراء والله يضاعف لمن يشاء. من يرد منكم اليوم أن يلقى ربه الذي أحدثكم عنه في الليل والنهار ،من يرد ذلك ،من يرد ذلك! إن كنتم تحبون الله ورسوله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم" ثم أشار للأمير أن يقود المعركة وبدأ الجند من خلفهم يذرؤون الرصاص ويرمون القنابل ،وانفجرت إحداها قريباً من الجند المهاجم الذي يحرس الشيخ وأعوانه الهاربون. صاح الأمير بالرجال الثلاثة خلفه وهو يتجلى للعدو ويشير لربعه بسلاحه:"إن كنتم تحبون الله ورسوله فاتبعوني يحببكم الله" فأجابته المرأة المولية من البعيد:"وددت لو أكون معكم ، لكن..امتثل لأمرك أيها الأمير. غطِ بطيورك الفرجة التي سنخرج منها" وابتسمت ورأى ابتسامتها تحت لهيب النيران وكشافات العدو فابتسم لها ابتسامة واسعة وأخذ يحرس إسراءهم. كان ورجل معه يحتمون ببنادق الرجلين الآخرين خلفهم ،وسد رشاش الرصاص سمعه وسمعهم فقال بصوت أيقظ أهل المدينة:"أيها الشيخ إنني مسلم لربي ،أليست التوبة لا تقبل إذا بلغت الحلقوم ،فإني أشهدك أنني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ،إلى اللقاء أيها الشيخ!" وسمع الشيخ الساري شهادته وأنصت لشهادات زملائه من بعده ،ثم غابت صيحاتهم وهدير رشاشاتهم بابتعاد رهطه عن موقع التشابك إلى بسيطة هادئة. وعجز الكهل عن المسير ثانية ،فاستند إلى المرأة الجندية ذات البنية القوية ،لكنها تباطأت عن صاحبها وحمْله الشيخ ،فعرض عليها أن تهتم بالشيخ وتذر الكهل البدين يرتاح عليه ،ففعلت وانتقل جسد الشيخ الهزيل إلى ظهر المحارِبة.
لقد ظهر الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ،فأناخ القوم في أرض صخرية ،وقرأ الشيخ بمن معه بصوته المطَمْئن:" فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ" وانحنى جسده ،ثم قام من ركوعه فأتم الكهل والمرأة من خلفه صلاتهم ،وسلموا وتسلموا مركز الحراسة من الجندي الحارس ،فوقف يمين الشيخ وركع معه ثم أتم صلاته بمفرده وألقى السلام مع الشيخ القاعد على الأرض ،ثم قام إلى أصحابه وقد أظهر ملامحهم نور الصباح. تخير الجند بقعة تظللها صخرة عالية واستندوا إلى قساوتها مقبلين على يوم عصيب. وتلا الشيخ على الأجساد الصريعة آيات الكتاب يحيي أفئدتهم بها ،وإن صوته ينقطع حين يغادر البلل فمه:" إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" أرادت المرأة أن تحرك لسانها بحديث ،وابتغى الرجل الراقد أن يعلم ما لتوراة ،ونام الكهل على كلمات الشيخ بملء جفنيه ،وسكت فو الشيخ عن الحديث وسقط رأسه على الأرض وتخضبت لحيته البيضاء بلون التراب ،وفجعت الجندية فهبت إليه وحطت راحتها على جبينه وقالت للجندي بكلام ليس يتضح من بين شفاهها اليابسة:"إنه محموم ،والآخر محموم أيضاً ،إنني لا أبصر جيداً ،هل تسمع ندائي يا حسن؟". ولم يجبها جثمان الرجل بكلمة ووقعت على الأرض وهي تشاهد سراب الماء أمامها ،وأرادت أن تقعد فلم تقدر فراحت تلعق بلسانها النبع الوحيد الذي لم يجف في بدنها ،وكان مالحاً زادها عطشاً على عطش ثم توقف بعد برهة ،وغلت مقلتاها ورمدتا كالجمر ،ولم يبق في أناملها قوة لحت الحصى عن وجه الشيخ ولحيته ،فبكى قلبها. قلب عسكري تحمله رفيقة بين أضلاعها الاثني عشر ،قلب ضامر من كثير مشاهدة العذاب والتعذيب ،قلب عليه أكنة فلا يتنفس ،قلب ميت. وقد رفع غطاءه ما سمعت من العلم و أدهق رهباً ورغباً في مد عاطفي مدهش ،يجعل جسدها الذي عافته السباع يزحف بحثاً عن الحياة. في وعي عقلها وحواسها نصف جهل ،تم بعد يوم ونصف ليلة ،فبكرت في جهل كامل ،في باحة ما فيها شجرة واحدة تتخذ في رقدتها هيئة جنين ،وتبتعد شفتاها عن فرجة تحلم بالماء..أو قطرة منه. في المكان غير بعيد عنها ،يضطجع جثمان الحارس هادي في عطش إلى الدم وإلى مجري الدم ،يعتقده الرائي كبش ذبيح سلبه الذئب يده.
في الفجر التالي ،شيء لأحدهم أن يحيا ،ويلحق بأثر رفاقه مثقلاً ظهره بزاد كثير. كان يضع قدميه في أثر حذاء الجندي تماماً ،إذ كانت أخاديده واضحة لم تدفنها الرياح ،ولم تطمسها أيادي العابثين. سار الرجل ببطء شديد يسقط تارة وينهض تارة ،ويهرول بإذن من ضعفه تارة أخرى. وفي وسط الأثر ،على مد البصر ،كانت كومة بشرية متعفرة ،ليس لما يواري سوءتها لون معروف. واقترب هادي منها وعرف هيئتها الضخمة وشعار ثوبها ،وعلتها التي أودت بها إلى هذا المنظر. وأرساها على ظهرها وقطر على لسانها الظاهر من قربته. وتحرك لسانها بشدة يلحس أصابعه فسكب المزيد ،فحيت أطرافها هذه المرة وهجمت على مصدر الماء ،فشل حركتها بساقه وضعها على صدرها ،وشق تمرتين وغمر الأجزاء الأربع بالماء ،ثم أغطش بياض خرقة من القطن في الماء الأسود. وعصر الخرقة في فيّ الظمآنه وسقاها الفرات رويداً رويداً. واختار أن يتفيأ وإياها ظل العوشز على البقاء في الرمضاء تحت الشمس ،ونطقت بعد أن عاد ريق فمها ،وسألت:"هل أرسلك الله إلي؟ تبدو هالكاً أو على شفا جرف من الهلاك" أجابها وأنفاسه تعلو صوته المتعب:"كيف حال القوم؟ ولم أنت منفصلة عنهم؟" قالت وهي تنحني لتنهض:
- إني ذاهبة إليهم ،إنهم هالكون.
- تريثي حتى تبتل عروقك ،لن يسعف المريض مريض.
- إني أتيت زاحفة ،فأي أثر سأتبع؟ ما يكون إن أضعت مكانهم؟
فقام وأعاد وزره إلى كاهله وسارا في جهة معلومة ،بدراسة موضع الشمس ظهر غادرت المرأة ،وأقرت أن السطوع كان أمامها ،فمضوا إلى الشرق مفترضَين أنها لم تنحرف إلى قبلة أخرى ،في زحفها ولم تبتعد. وكانا يسندان بعضهما البعض مشياً على القدمين أو على أربع ،ومرت لحظات قطعاها بالزحف على البطون ،وبدا لهما بعض متاع القوم وهرولت هي إلى الصخرة حيث تركتهم تحتها ،ونفر خفيفاً إلى صحبه ،وأنعشهم برودة معينه فثارت أجسادهم ،وصاحوا صيحة الوليد حين يقدم للدنيا ،ويضرب الهواء حباله الصوتية لأول مرة في حياته. وحين وعى الشيخ طلب إلى المسعف أن يسقي الرجلين أولاً ثم يأتيه بالباقي ،وأقبل الرجلان على الماء الذي امتنع عنه الشيخ فشرباه عن آخره ،وأتيا على الطعام فلم يبقيا ولم يذرا شيئاً. ودعي الشيخ إلى الطعام فلم يجبه ،وسجد ،وتحدث إلى ربه الذي سقاه وأطعمه يشكره على فيض فضله. وسجد صحبه الذين يتمثلون قوله وفعله ،وشوهد سجودهم من طيار عسكري ،على متن السحب يظن بأنه الأعلى وأن الساجدون ،هم الأرذلون. حام بطائرته فوق رؤوسهم المطلعة إليه ،بنظرة تخوف وترقب سوء ،وتحدث هادي بصوت مرتفع يأمرهم أن يستتروا بظلال الصخرة ،ولكن المدد الجوي القادم من البعيد أخبره أن العدو يقصد مكانهم بالضبط ،فسار بصحبه إلى ناصية ليست معلومة إلى مصير مجهول. قال بصوته الجهوري :"يتعين علينا أن ننفصل ،فسيروا في الأرض حتى تلقوا منحدراً توارون فيه خبركم" وقبض على ذراع رفيقة وابتعدا عن الصخرة ،وعن أصحاب الصخرة. وراودت خطواتهم عيون الطيارَين فوقهم ،فخفضت الطائرتان مقدمتيهما واستعد أربعة من الجنود للهبوط منها على سلم تطير به الرياح ذات اليمين والشمال ،فقال هادي للمرأة وهو يرفع سلاحه:"سأكفيك الرجلين هنا ،وأنت اكفنيهم هناك" وتقابلا بالأدبار وصوب كل منهما على صيده. استطاعت الجندية أن تنال من الرجلين المعلقين في الحبال وأن تفادى طلقاتهم ،لكن الرجل باليد الواحدة لم يرسل نيرانه جيداً ،واهتز السلاح الثقيل على كتفه فطاشت رصاصاته وأصيب ذراعه المصاب ،ولم تتلقى المرأة تدريباً كافياً لتسيطر على هذا الموقف ،واختارت توفير الطلقات لأجساد البشر الذين أحاطوا بهما كزوايا مربع ،وأجبر الاثنان على الاستسلام فرفعا أيديهما وأطاحا بالسلاح ،ولم يحتمل ذراع الرجل أن ينتصب فرفع يداً وحيدة خلف رأسه. كبل الجنود أسيرتهم بالحديد وعاد الوثاق إلى ساعد الرجل الحرة. وجف قلب المرأة من الرهب في اقتراح ورد ذهنها أن ما أصابهم هنا ،أصاب القوم هناك ،وتمايلت على المصعد من الضعف ،وهددها الرجل المرافق لها واضطر ثلاثة منهم أن يمسكوا جسدها الثقيل ،الغائب عن الوعي. وتناهى إلى سمع هادي صوت السيارات المصفحة وأقدام الجنود الذين تهافتوا عليهم ،يرفعون شارة النصر. قال الرجل الذي يحرس هادي لرفاقه:"ليست السماء جيدة هذا اليوم ،من الأفضل لو عدنا مشاة". ولم تمهله السماء ليكمل تكهناته وأرسلت تحذيراً قطرات مطر ونضحت في وجه الغافية الماء ،ثم صفقت غمامتان فوقهما وتعانقت خطوط بيض دون حياء كشعب قارورة ،وتجمع السيل تحت أقدامهم ،وصرخ الطيار أن يركضوا ،فكأنما أوحى نداءه وعي الحارس والجندية وحاول الجند أن يلحقوا بهما ،غير أن الأرض الصخرية مهدت للهارب سبيل الفرار ،وزلقت أقدام الملاحق في رمضاءها المنخفضة فعاد فلول الجيش إلى المدينة يبتغون سلماً من غضب السماء أن تساءلهم عن مبكي غمامة الصيف.
قطع الهاربان الدرب القصير الذي يفضي إلى مكان افتراق الرفاق ،وعظم على سيقانهما المتمايلة عزوف اليدين الموثقتين عن دعمها ،فوقعا على ركبتيهما مرة أو مرتين في الأرض المبتلة ،فتناثر على وجهيهما من الماء. قالت المرأة وهي تبصر كهفاً في جبل قريب:"إني أجد معتزلاً جيداً" أجابها هادي بصوت غاضب:"وما يجدينا المخبأ إن غاب المخبّأ؟". "سنجدهم ،إن الذات الكبرى معهم" قالت بنبرة وثوق. قال لها وهو يضع كفه فوق عينه:"لعل الصيب خيل لك الصورة ،لو وجد فهو سقف جيد يمنعنا من المطر". وسلكا فجاً إليه وارتقياه بخفة الجنود والتفتا إلى الشق بين الصخور ،وضرب هادي بكعب حذائه بقوة ،ثم دخلا وجلسا قريبَين من بعضهما. وأخذتهما سنة بعد الذي اعتراهما من الوصب ،وتيقظت لواحظ الجندية بعد مدة فأيقظت رفيقها وأدركا أن سواد الليل غمر المكان. قالت رفيقة وهي تنهض:"إني أحس نشاطاً في بدني لا أدري له سبباً". نهض بدوره وخرج ،فلامس أنفه ريح الثرى وهبطا الجبل من الموضع الذي صعداه أول مرة ،وجالا حول المكان الساكن بخطى وئيدة.
"إن الله أنزل من السماء ماء وأرسلك بزادك إلينا ،فماذا سأطلب غير هذا. لابد أن الجندي حسن هناك قد علم مرادي وشكر ،قد رزقنا بالمائدة" قالت بنغم ساكن. وتبسم هادي ولم تر ابتسامته في الظلام ،قال لها:"إن فؤادي مطمئن والقوم فارقونا إلى مآل لا نعرفه. أجد هذا غريبا" ردت عليه بصوت هادئ مستقر:"لأنهم بخير ،أحبابنا في صيانة الله".وضربت الرياح صدورهما وحملت هواء الحرية إلى القيود التي تبرق خلف ظهريهما ،فتحرك القيد عن اليد الذبيحة وصرخ الرجل قائلاً:"لقد نجحت ،لقد نجحت!". وابتسمت المرأة جواره برقة ،وأخذ القيد يهتز خاوياً على ذراعه اليمنى.
إلى الفصل العاشر بإذن الله












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

سأحلم بالرجوع معاً حماماً.....أمام الشمس في اليوم الجديدِ

عرض البوم صور حلم ينتظر   رد مع اقتباس