عرض مشاركة واحدة
قديم 13-10-2011, 01:34 AM   المشاركة رقم: 16
المعلومات
الكاتب:
حلم ينتظر
اللقب:
نبع صافي

 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 رقم العضويـة : 6268
 مجموع المشاركات : 45
 بمعدل : 0.01 في اليوم
  العمر : 36
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حلم ينتظر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حلم ينتظر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

أجدد التحية

(الفصل الثامن)
في نزل صغير على طرف المدينة استفاق الشيخ حراً فوق متن فراش من الحصير ،وطلع يمشي بصحبة عصاه قبل طلوع الشمس في الفلاة الجرداء من الأنس بإنسان أو حيوان ،غير جحر لنمل وطأه الشيخ بقدمه الحافية واعتذر إلى ساكنيه بسرعة فقال:"لا تهربوا مني ،لا تدخلوا مساكنكم ،لن أحطمنكم برجلي". وجاوز جحور النمل بحذر فهبطت نملتان من ساقه إلى الأرض ولاذتا بجحرهما. عبر الشيخ على ثلاثه الضعاف صراطاً مستقيماً لا ميل فيه ولا انحراف ،ثم عاد منه إلى بدايته لما ارتفعت الشمس في السماء قيد رمح. واستشعرت أطرافه الدفء الخفيف فتلكأ في سيره وقال هو يدخل إلى الدار:"وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً. إنما وهج الشمس أصابني فأردت أن استتر عنه ،فماذا إذا لظى النار أرادني من يحجبني عنه؟.." ثم بكى ورفع كفيه إلى الذي يعتقد أنه سينجيه ،قال:"اللهم اجعلني ممن تظلهم في ظلك يوم لا ظل إلا ظلك ،يومئذ تدنو الشمس من الخلق ولا يحجبها إلا أنت. اللهم فاجعلني منهم". واستقبل سمعه صوت الباب يصفق بقوة وخطوات ثقيلة سريعة ،ثم حياه الداخل وقدم له بعض الطعام ،وسأله الشيخ في اهتمام:"لابد تجدين مشقة في الذهاب والإياب ،هل تعملين في الليل؟". أجابت المرأة وهي تضع بعض طعام للشيخ:"هذا صحيح تبدأ نوبتي في الساعة السادسة" أزاح الشيخ الملعقة جانباً وحثا بأطراف أصابعه بعض حبات الأرز وحملها في يده ومضغها بهدوء. اقتربت المرأة من الصحفة وحطت يسراها في الوسط تريد الأسوة بالشيخ ،فقال الشيخ ببعض الصرامة:"يا أمة الله سميه وكلي بيمينك وكلي مما يليك" كفت المرأة يدها في حياء وقاربت أناملها حافة الصحفة فكانت تأخذ في اللقمة حبة أرز أو حبتين. وتلمس الشيخ بيديه طلباً للماء واستفسرت عن بغيته فأجابها وحظي بجام منه. قالت المرأة بنبرة اعتذار:"ربما جلبت طعاما لا يناسبك أيها الشيخ الجليل ،استميحك عذراً". رفع الشيخ رأسه إليها وقال :"كل الطعام رزق من ربي ،وما اعتدتِ عليه ليس يستثنى منه" وشكرها الشيخ بعد أن شكر ربه ثم التمس درباً إلى إبريق من الماء. نادته المرأة إنك لم تطعم الكثير فرد عليها وقد غلفت وجهه غشاوة من الوقار:"حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ،وإنني قادر على السير". نظرت إليه المرأة بحيرة ثم انتبهت إليه وهو يرفع الإبريق فهبت إليه. غسل الشيخ وجهه ووصلت قطرات منه أذنيه وأقصى لحييه ،وأدخل الماء في أنفه وفيه ،ثم أسبغه على ساعديه النحيلين ومرفقيه البارزين ،ومسح بالأثر في راحتيه على رأسه الأبيض وصوان أذنيه واعتمد على عكازه بيسراه ،وخلل بصبيب البارد أصابع قدميه ودفعه بيمينه حتى غمر كعبيه ،ثم استقام وشهد أن إلهه هو الله ،وأن رسوله هو محمد وخطى خطوات قليلة إلى محراب بيّنه بحجارة صقيلة بالأمس ،ورفع كفيه مفارقاً بين أصابعه ففعلت المرأة من خلفه ما فعل ،واستمعت إلى الكتاب المسطور في أنحاء قلبه ،وانحنت معه لربه. سألها الشيخ لما أن فرغ أتحس نفوراً أو اطمئناناً في قلبها ،فأجابته أنها تتحرى الآية تلو الآية قالت له:"إني أتمنى أن تطيل في سجودك ،سجدة لا يرتفع جبيني بعدها أبداً. إن الجبين سر من الأسرار فيه شرف الإنسان وعزته ،وإنا نهين أسرانا بضربهم على مقدمة رؤوسهم" قال لها الشيخ وقد أحب حديثها:"وإن للناصية علامات ،بها يعرف الخيّر من الشرير ،وإن الدجال لن يوق من فتنته إلا امرؤ أراد الله له أن يبصر الكفر محفوراً في جبينه" أجابته وهي ما تزال عاقدة كفيها على صدرها باطمئنان من أثر عبادتها مع الشيخ:"لقد عرفت هادي من مسحة النور في وجهه ،وهو أرشدني إليك" قال الشيخ بصوته الحكيم الهادىء:"إن الأخيار يعرفون الأخيار بسيماهم الظاهرة في وجوههم" ثم سألها ببعض التردد:"أخبريني ما حل بالممرضة في سجنكم؟ وكيف تبلي تحت السياط؟" أجابته بسرعة:"إنها بخير وهي تطمح للحرية يوماً ما ،غير أني لا أستطيع وصف صورتها بشكل مقرب فزميلة لي هي من تشرف على جلساتها". أومأ الشيخ برأسه مرتين وصمت. كان النهار بساعاته الطويلة غير كاف على الإطلاق لمجالسة شيخ بحكمة الشيخ وحلو حديثه ،ووجدت المرأة صعوبة شديدة في الإياب إلى العمل وترك الشيخ. كانت تلبس بذلة ثقيلة وتعتمر طاقية يميزها شعار صغير ،وعلى كتفيها استقرت حلقتان معدنيتان كبيرتان وفي أحد جوانب صدرها تعلق كل يوم صورتها ورتبتها واسمها الثلاثي. شاهدتها سجانة الممرضة ذات الجسد النحيل والتعبير الشرير والصوت الذي يشبه الصفارة فقالت:"يتبدى لي أنك لم تنمي هذا النهار" ثم غيرت صفارتها إلى نغمة تطفلية ماكرة:"ماذا كنت تفعلين؟" نظرت السجانة الطيبة تجاهها والتفتت ثم أكملت طريقها ،لكن الأخرى منعتها من النفاذ بذراعيها الطويلتين وقالت:"تعلمين أن المعلومات تشترى بثمن بخس هذه الأيام..ذلك لاعتمادها على الكذب والاشتباه في أغلب الأحيان..(ثم غيرت صفارتها إلى نغمة أخرى وهي تقول) لكن معلوماتي مستثناة منها على أية حال!" أمسكت الطيبة ذراعي الخبيثة وهصرتهما بما أوتيت من قوة عظيمة فصرخت الأخرى من شدة الألم واندفعت بعيداً مع أول فرصة منحتها الشديدة للإفلات ،وبرقت عيناها في شهوة للإيقاع بها وهي تبصرها ذاهبة إلى العمل. شعرت السجانة الطيبة ببعض الخوف من انكشاف السر ذاك أن الثعلبة النحيلة ترمي عيونها في كل مكان ولا تدع أحداً بحاله. ولكم تساءلت إن كانت تعمل بالسر لمصلحة سيد المدينة أو لمن وراءه من الأسياد.
إن الحراسة الليلية في السجن عمل ممل ورتيب ،فجميع النساء نائمات هادئات ونائبة المديرة تتثاءب في مكتبها. وفي مثل هذا الحصن لا يفكر أحد بالهروب وإن فكر فلن يقدر أن يخطو خطوتين خارج زنزانته. كان نفر من حارسات الليل راقدات إلى النصف من أجسادهن في الممرات ،غائبات عن الدنيا. وحارستان أو يزيد يترنحن في مشيهن ويكدن يقعن لولا عصيهن النافضة ،وفي الحقيقة أن رفيقة (السجانة) لم تكن تسير سيراً بل تثب وثباً بين الأعضاء المتناثرة في دهاليز غير واسعة. انقضى من الليل أكثر من نصفه ولم تقعد رفيقة أبداً إبان جولتها حول زنزانات سجيناتها ،واستمعت إلى حوار بين سجينتين من وراء بابهما الفولاذي. كانت إحداهما تقول للأخرى:"يظهر أن الممرضة قضت تحت العذاب الأليم ،إني يغيب عن أذني صوتها هذه الأيام" "أتعلمين ،لقد اشتقت للحرية ،رغم شهور الحب مع قضيب الحديد" ولم يأت لسان المخاطَبة بأية كلمة فأجابت المخاطِبة نفسها:"إني أظل إنسية أحمل الشر في صدري ،هه أريد الخروج!" وهنا تحدثت الصامتة ببعض الحماسة المبالغ فيها ،قالت:"هل ،هل تعنين أن ابني حمل الشر في قلبه؟؟" أجابت المرأة بشيء من السخرية:
- أنت تحملين شيئاً منه.
- إني لا أقصد شراً آدمياً ،أريد به شر مجهول.
- لا أفهم غايتك ،لكن رجلاً واحداً يمكن أن يخبرك ،إنه سجين أيضاً.
- وهل يعرف ضروب الشر؟
- يعرفها كما يعرف ضروب الخير. ولكنه مسجون ،لا شيء يرجى من وراء القضبان.
وسكتت المرأتان عن الحديث ،وعادت المتنصتة إلى أول الدهليز تنهي شوطاً آخراً في مسعاها الليلي. وأتى الصباح ،وجلت خيوط النور مسالك المبنى المظلم ،وأزعجت جفون النيام فقاموا إلى الحياة. ودخلت أفواج سجانات النهار وأزاحت جموع سجانات الليل ،وبقيت لرفيقه مهمة واحدة. أقبلت المأمورة بعربة الطعام ،وصاحت بالميتات أن يتيقظن قائلة:"طعام الإفطار ،طعام الإفطار" وانتهت إلى زنزانة منعزلة ممنوعة النور دخلت إليها بمساعدة رفيقة التي تسمرت في الممر قبالتها. وانتبه بصر الممرضة المرهق إلى الجسد الضخم أمامها ،فتذكرت هذه الملامح التي عرّفتها بها رفيقتها الصغيرة أول أيام السجن. خرجت المأمورة بعد أن حطت كسرة خبز وقَدَر ضئيل من الفول ،وتابعتها رفيقة ببصرها حتى غابت فدخلت إلى الممرضة وجافت الباب. هبطت بجسدها الكبير حتى صار وجهها قريباً من وجه الممرضة ،وتعجبت الأخيرة من ضخامتها وطولها الذي استحال إلى شيء صغير جلس جانبها. تحدثت رفيقة بصوت متوتر على عجل حتى أنها أدغمت الكلمات ببعضها:"إن الشيخ حر وهو يذكرك دائما." ردت الممرضة بصوت هامس وهي تحاول النهوض:"حقاً! ما أعذبك وما أعذب هذه البشرى! هل أنت متصلة معه؟" قالت رفيقة وهي تنتصب واقفة:"وحارس الشيخ معنا ،اسمه هادي ،قريباً ستكونين معنا يا أختاه" ردت الممرضة بنبرةٍ طموح:"نعم ،أخبريه أنني بخير وأقرئيه مني السلام". أومأت السجانة برأسها وسمعت الممرضة نافذة النور توصد خلف الطيبة ،وغمر الظلام الزنزانة من جديد.
انطلقت رفيقة إلى سبيل النزل فاعترضها أحد الرجال وقال لها هامساً بحيث استغربت لهجته:"إني مرسل من هادي هل أنت ذاهبة للشيخ؟" ردت عليه ببعض الحذر وبأسلوب قاس تعلمته من مهنتها:
- ما اسمك أيها الرجل؟ وكيف علمت الطريق؟
- اسمي نادر ،كنت أدرس لدى الشيخ. قد أرشدني حليفك إلى نزل الشيخ لكني تهت المكان. وكنت سمعت عنك منه.
- أنت أحمق تماماً ،هل تعتمد على حدسك بالتعرف على الناس؟ فماذا إن وصلوا للشيخ وقتلوه؟ إن الوضع ليس بمستقر ،والعيون تلاحقنا في كل مكان ،فما يدريني لعلك تكون جاسوساً آخر. أرجوك كن حذراً.
واعترف بخطئه في نفسه وعرف أن حماسته أوقعت به في الخير هذه المرة ،وقد توقعه في الشر مرة تالية. وسارت المرأة وإياه فجاجاً وعرة لا تعبرها السيارات ،واطلعوا إلى النزل الصغير ،فهبطا التل مهطعَين إليه ،ولمن فيه. واستقبلهم الشيخ جالساً على عتبة الباب فلم يتمالك الكهل نفسه وأوى إليه وبكى ،وتأثر الشيخ من صدق عاطفة الرجل وارتسمت في محياه آيات رقيقة. تحدث الكهل أولاً فقال:"لقد اشتقنا إليك يا شيخ ،وإننا لم نعاني فيك مثل البعض فنتلذذ بالعذاب المريح ،ولم نقدر على دفع الحق ليظهر على الباطل. إننا عشنا الأيام في حيرة وضياع ،فكأننا لبثنا أحقاباً من الزمان طويلة" وأمسك الشيخ بيده ودعاه للدخول وقال الكهل وهو يسند الشيخ إليه:"إني شغوف بالكتاب حين تتلوه علينا بصوتك الرخيم" وتبسم الشيخ من قوله وقال:"ستسمعه بإذن ربي حتى تحفظه ،فتكون متعلماً ومعلماً له". أدركت المرأة من حديثهما أن الاثنين يعرفان بعضهما جيداً ،فاستراحت ظنونها واطمأنت ،وقالت تحدث الرجل:"أيها الغريب القريب ،قد حضرت طعاماً للشيخ فإن شئت فاستأذنه ،إنك ضيفنا اليوم ولكن الشيخ ضيفنا على الدوام. أعتذر منك يا صديق الشيخ الكريم" وقرب الشيخ إناءه إلى الكهل فقال:"ضع كفك في إنائي ولا ترفعها حتى تشبع. فو الله لا يأتيني رزقه إلا وأكرم خلقه منه" ودعا المرأة فاقتربت ،ومد الثلاثة أيديهم إلى الطعام الذي خصص لرجل واحد ،وما كفوها إلا وهم شبعون. قال الشيخ حين كان يغسل كفيه تحت الماء يسكبه الكهل:"قد طرح ربكم البركة في طعامكم ،لسعة نفوسكم وخلوها من الشح ،أيها الطيبان". وجمعت المرأة الآنية وجعلتها في زاوية الغرفة وجاءها الكرى يطلبها حقه ،فاستندت إلى الحائط وقالت. وتحدث الكهل والشيخ في الخارج حيطة من إقلاق راحتها قال الكهل للشيخ وحمْل من الهم في صوته:"لقد فصلت من عملي أيها الشيخ لأني أحمل فكراً غريباً على القوم ،وزوجتي الغيورة اتهمتني بمصاحبة العاهرات -سموت وسما مقامك- ولايهمني لمزهم إذ يتحدثون ،ولا يهمني ما وصلتُ إليه..أيها الشيخ إني حزين لأجلك تلقى في الصحراء في سقيفة فقيرة من الزاد إلا قليلاً ،تنام متيقظاً وتصحو متيقظاً ،لو أن لي قوة أو أوي بك إلى ركن شديد ،لو أن لي قوة..." فقال الشيخ بنبرته الهادئة المعتادة:"لا تقلق أيها الرجل الطيب فإن مع العسر يسرى إن مع العسر يسرى. ثم لا تبجلني لتسمو بي عن إماء ربك ،ما يدريك لعلهن أفضل مني عنده." وارتفع صوت الكهل متعجباً وهو يقول:"مالذي تقول أيها الشيخ؟ أبائعات الهوى خير من رجل يقرأ كتاب ربهن!!" وعاجله الشيخ بالإجابة وما من عادته الاستعجال:"فإنك لا تدري عن حالهن ،أنت تعلم ما يجرحن في الليل ،ولكنك لا تدري ما يصنعن في النهار. وربما رجعن إلى ربهن بتوبة لو وزعت على أهل المدينة لكفتهم. كف عن تزكية من تعرف ،ولا تزكي نفسك ،فقد يغلبك غيرك وغيرهم عند ربك" وأمسك الاثنان عن الكلام إذ أقبلت قافلة من الرجال نحوهم. وأوجس الكهل خيفة منهم ،وطمأنه الشيخ أن الرجال أنصار لهم ذلك ما يسمعه في خطواتهم المهرولة قِبل الحق ،وللروح صوت تغنيه القدم يفضح مبتغاها. ووصل خمسة من الرجال وسادسهم هادي ،الذي تحدث فقال:"أيها الشيخ ،إنهم رجال أشداء على الكفار رحماء بينهم يبتغون علماً ينجي أبدانهم من دودة الأرض في أجداثهم بعد الموت" وزع الشيخ نظراته عليهم بالتساوي وقال:"فإنكم حزب الله ،ألا إن حزب الله هم الغالبون" وتقدم رجل منهم وتحدث باحترام شديد فقال:"إنا نتوق للكثير من العلم ،وأتيناك لأن هادياً أخبرنا عنك". "ستجد الكثير يا ولدي فاطمئن ،يلزمك ويلزم الجميع عزيمة قوية ،وصبر جميل" رد الشيخ متبسماً وأشار الكهل لهم على السقيفة فنبهه العجوز الفطين إلى المرأة النائمة داخلها ،فاستقروا في ظلالها متحلقين حول الشيخ. كان جميع الرجال يعملون في السلك العسكري وقد تعرف هادي إليهم بعد مناوبة حراسة أو حفلة تكريم أو تدريب جماعي. وتحدث هادي بوثوق قائلاً:"إنما نحن جنود ذوي بأس شديد وقوة ،وإن أجسامنا قادرة على حماية علمك أيها الشيخ ونفسك الكريمة" فقال الشيخ:"ليس الجسم يجدي يا ولدي إذا غاب عن أعلاه حكمة العقل الذي يسيره. إني أريد أن أؤمر عليكم من أنفسكم رجلاً فمن ترشحون؟" وتبادل الشباب النظرات ثم تحدث هادي فقال:"أنت أميرنا أيها الشيخ". "فذلك في صلاتكم وحلقات علمكم ،وإني أريد جندياً خبيراً بخدع الحرب وحيلها فهم سيدركونا بعد مدة ،ولسنا بمأمنة منهم. أريد قائداً لجند الله حصيفاً صبوراً ثابتاً باسلاً ،وكلكم كذلك إن شاء الله". قال الشيخ لهم ، فقال رجل منهم:"فإن هادي رجل رشيد ،أعلم بهضاب هذه النجد وأوديتها منا" وخاطبهم الشيخ بصوت عال:"فهل أنتم موافقون؟ وهل تذعنون لأمره ونهيه؟ هل تطيعونه في المنشط والمكره؟" فأجابه الرجال بصوت يماثل صوته العالي ،وهبوا إليه مصافحين ،وقالوا له:"إنا نبايعك أيها الشيخ على السمع والطاعة في ما نحب ونكره حتى نهلك ونموت". وتقبل الشيخ كلامهم بقبول حسن ،ونهض فتوضأ لما أن زالت الشمس ،وتبعه الشباب ففعلوا ما فعل ،ووقفوا خلفه صفاً كالبنيان المرصوص. واستمعت المرأة النائمة إلى تكبير الرب وتسبيحه خارج السقيفة ،فهرولت إلى الصوت الخاضع والجمهور الخاشع وركضت إلى إبريق الماء فألفته فارغاً وجزع قلبها الصادق فهي تريد أن تدرك الصلاة معهم ،وشاهدت أجساد الجنود المتلاصقة فآثرت أن تجلس خلفهم ، وانتظرتهم حتى قضيت الصلاة. التفت الشيخ إليهم وأبصرها وأبصر حزنها بقلبه ،فنادها أن لا تخافي ولا تحزني وقري عيناً ،فاضربي على الصعيد بيديك وامسحي بوجهك منه ،وقومي طاهرة فصلي لربك. وسعدت المرأة بالرخصة وقامت تصلي متباعدة عن القوم. وسأل بعضهم بعضاً من تكون المرأة ،وأخبروا بعدئذ أنها داخلة في دين الشيخ تكتم إسلامها. وتفرق الرجال بعد أن اتفقوا على بعض الأوقات يزورون فيها الشيخ ،وقالوا لبعضهم إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ،ولن تفلحوا إذن أبداً. فلزم كل منهم طريقا يسلكه.
صاحت المرأة بحارس الشيخ لما رأت الرجال غادروا ،فقالت:"أيها الرجل الغافل كيف تدل رجالاً مثلهم على مكان الشيخ؟ وما يدريك لعل أحدهم يحيك غلاً في نفسه ،ويريد أن يوقع بنا" قال لها بغضب استثارته ظنونها في رجال يعرفهم:"إني رفيق لهم ،وأنا من دعوتهم إلى الشيخ وإلى رب الشيخ" نظرت إليه المرأة بغضب ،فبادلها غضباً بغضب وقال لها وهو يوليها ظهره:"أسمعي ،لا تجلبي متاعك إلى هذه السقيفة غداً ،وانقلي ما فيها إلى الدار التي سأرشدك إليها" حدجته بنظرة تساؤل طويلة ثم رحلت ،ورحل.
اجتمع رجلان إلى أميرهما هادي في مقهى الجنود المزدحم ،واتخذ رجل سبيله إلى المجموعة التي تتحاور بلغة الإشارات الهامسة. حياهم بتحية الجنود لبعضهم خارج العمل وخاطب هادي بصوته المستكين الهادئ ،قال:"أيها الجندي لدينا طلب بحضورك ،يعتقد اشتراكك في شيء ما. يجب أن تصحبني لتبدد شكوكهم" وانقبضت عضلات وجه الحارس هادي بعد انبساطها إثر حديث بث أملاً مع صاحبيه ،وقام إلى الرجل وأشار لرفاقه أن يذهبوا قبله. سلك الرجل الهادئ بصحبة الحارس وسط المقهى حتى وصلا إلى مائدة في الهواء الطلق تجلس عليها امرأة عسكرية ورجل بدين. تفحصت المرأة بعينيها الضيقتين وجه الحارس الوديع ،ورحبت به للجلوس. أفصح الرجل البدين بعد أن انتظره الجميع أن يفرغ كوب قهوته ،الذي كان يتجرعه مصدراً صوتاً كريهاً ،قال:"أيها الحارس ،هل ترتبط بأية زمرة إرهابية ،هل تذلل لصديق ما طريقاً لا ترضاه الحكومة؟" تحفزت المرأة للكلمات التي سيخرجها لسان الحارس ،واتكأت على مرفقها في راحة نادرة. قال الأخير ببعض التردد:"لا أملك علاقات من هذا النوع ،إن وقت العمل انتهى وليس لديك حق لتحقق معي" قال البدين وشحوم وجهه تتهدل كلما أخرج عبارة من فمه:
- إنها المعلومات..المعلومات أخبرتنا أنك تحاول حماية أحدهم. وقد شوهدت تحادث سجانة تشرف على ممرضة مجرمة ،وبحسب ما أعرف فأنت حارس الشيخ ،إن في رأسي الكثير من التكهنات.
- تكهناتك في غير موضعها الصحيح ،أنا رجل شريف لا أخون عهد الوظيفة التي أتمنت عليها...
- وما تقول في حادث هروب الشيخ؟ كنت أحد الرجال الذين رافقوه إلى الحجز...
قاطعه هادي صارخاً وهو يدفع كرسيه إلى الخلف:
- كانت مسؤولية الجميع ،وعلى القائد يقع الحمل الأكبر...
هاج الرجل البدين أيضاً ،فرفع صوته فوق صوت هادي ،قائلاً:
- وردتنا معلومة مفادها أنك من صحبت الشيخ لبعض حاجته ،قل..قل وشى بك بعض صحبك.
نكس هادي رأسه في خضوع ،فلم يحر جواباً يسكت به الرجل ،تحدثت الثعلبة بسعادة قائلة:
- إنه ليس فطيناً كما أرى ،لم يخبرنا أحد رفاقك بشيء ،قد ابتغينا اختبارك فقط وها أنت تقر بالحقيقة. إنك تملك عقل الجندي الحقيقي ،عقل لا يفكر إلا بالطاعة ،أنت جندي ،أنت جندي!.
وقهقهت بصخب فنظر إليها الرجال من حولهم وتساءلوا عن حضور امرأة في مقهاهم ،ووقف البدين ورفيقه الهادئ وقال الأول للمرأة:"سنذهب الآن ". ورحل الرجلان بصحبة هادي إلى مديره الذي ينتظر.
رغب هادي ببعض السؤال لكن لسانه انعقد فلم يتحدث ،إنه مدرك لضعفه أمام السلطات وفي ذات الوقت عالم بالقوة الروحية التي تسيّر بدنه. هي المرة الأولى التي يدعى فيها إلى مكتب المدير المهيب ما سبقها غير مرة تقابل فيها معه ،في سنة عمله الأولى. قال المدير وملامحه متصلبة كدأبه في الحديث إلى الناس:"سجلك أبيض تماماً ،أي رجل هذا الذي تريده أن يأخذك إلى الهلاك؟" "أنت تعلم علاج الناشز في الجند ،يصلب على الوتد ويتوافد رماة الرصاص على قبره العالي" ثم أمسك عن لهجته المؤدِبة وقال لائماً:"ألن تدرأ عن نفسك بعض ما تهمتك به؟" أجاب هادي وهو يصد بعينه عن عين المدير:"أنا لم أفعل". طلب المدير دنوه منه ،وأخذ ذراعه بين كفيه ،وقال:"إنه سوار مسجل حديثاً لدى البوابات ،إني مضطر لاحتجازك حتى يردني مبدل للأمر". تيقن هادي أن جسده محجور هذا اليوم ،فجلس في كرسي الممر محبطاً يفكر. عبر به بعض الأشخاص وحدقوا في سواره في استغراب ،وجاوزه بعضهم دون أن ينظر إليه. واصفر لون الشمس الذي تلاعبه ظلل الأشجار فوق قدميه ،وخلا المكان إلا منه ورجل يحمل مكنسة في يده وعدة تنظيف. وسكنه شعور أرعش أصابعه وهو يرنو إلى جذع الشجرة الطويل من النافذة أمامه ،ويتخيل نفسه مصلوباً تأكل الطير منه.
لقد ورد على مكانه عشرات الرجال الذين أيقظوه من غفوته ،بعضهم يأمر وبعضهم ينهى ولم يفهم من ضجيجهم إلا أنهم في معترك لا يدرون أي سبيل ينفذهم منه. غادروا وهو راقد على الكرسي البارد يريد الخلاص من أوهامه التي صدقت إذ سمع رجلاً يصرخ:"إن الإرهابيون في الجهة الشرقية من المدينة قد حدد الرجال موقعهم بالضبط ،إنهم يحتمون بمنزل قديم". وانتفض الحارس من مقعده وسأل الرجل ببعض الغلظة:"من تقصدون يا رجل؟" نظر إليه الرجل وإلى سواره بارتياب ،وقال:"إني أحدث الجنود. هل أنت موقوف أو ما شابه؟ إننا في منتصف عملية مهمة". وترك هادي الرجل والرجال وراءه ،وكره صورة السوار في معصمه وتمنى لو ستره ردن طويل ،ومشى خارج المبنى نحو آخر نقطة ينفجر بعدها السوار ببدنه ويلقيه أشلاء متناثرة. أخرج من ثيابه خنجراً صغيراً وأقره على يده. إن السوار حساس للمعادن التي تقترب منه ،فقد أبعد الخنجر عنه إلى منتصف ذراعه ،ولم يصدر الجهاز أية أصوات أو تنبيهات ،وبدأت روحه الحرة تطلق دما ثائراً في جسد حبيس ،وتحفزت يمناه لتقتل يسراه وشخص بصره ،وتشنج جذعه ،ودفع بالسكين فجرحت وسكبت دماً ودفعها فزاد سيلان الأحمر وصرخ بأعلى صوته حين كانت يده تلفظ الأنفاس الأخيرة. وعلم بعض البعيدون ما يفعل ،فهرعوا إليه وهم يتساءلون ،ووقفوا على المكان فما وجدوا غير رائحة الدم ،ويد حبيسة. انطلق الحارس إلى محروسِه بكل السرعة التي تصلها سيارة عسكرية بغير علامات ،ويد واحدة تحرف دفتها صوب قارئ الكتاب ،وترك مركبته وراءه هابطاً تلالاً صخرية تفصله عمن يحب ،وطوى الأرض النجد بوثباته العالية يغطي جانبه الأيسر دم يتناثر من جرح يده ،أضحية روحه الحرة.

إلى الفصل التاسع بإذن الله












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

سأحلم بالرجوع معاً حماماً.....أمام الشمس في اليوم الجديدِ

عرض البوم صور حلم ينتظر   رد مع اقتباس