...جميلٌ أن يرحلَ الحِسُّ الروائيُّ في قلم المبدِع-أخي البديع الساحر-إلى تبضيع خبايا المفارقاتِ والتناقضاتِ وحتى التحدياتِ التي يشتبكُ معها فِكْرُ ومشاعرُ الإنسان- الإنسان العربي تحديداً-في ظل واقعٍ،يكادُ من ضغطِ مفارقاته وتناقضاته تلكَ أن يسحقَ آخرَ أورادِ الطموح والاستشراف التي نبتتْ على حواشي أحلامه وآماله وأمانيه..!!
ولكنَّ الأجملَ منه أن يمتطيَ هذا القلمُ-في رحلةِ التراحل الإبداعي-سِرْجاً من الإيحاءاتِ الهادفةِ،والرمزياتِ الهُلاميةِ الجميلةِ،تتقاطرُ في تؤدَةٍ حيناً وفي عنفوانٍ واندفاعٍ حيناً آخرَ،ومن غير أن تصطدِمَ-في ذوق القارئ-بسلبيةِ ( الفن والتبدع المُرَكَّز على حساب اللغةِ والأسلوب المعروض ) أو بسلبيةِ العكس ( رطانة الكُلفةِ في اللغةِ والأسلوب على حساب القيمةِ الفنية والإبداعية للقصة )...
وهذا الأجملُ بالضبط-أخي الكريم المبدع الساحر-هــوَ ما لمسته قريحتي النقدية من انطباعٍ وأنا أتابعُ استرسَالـَكَ المُتأمِّلَ الإيحائيَّ الرمزيَّ الجميلَ في رائعتِكَ الإبداعية هذه ( رواية عاشق الموت )...
دائماً-أخي الحبيب-أومن في قراءاتي النقديةِ لأي عمَل روائيٍّ كانَ ؛ سواءٌ كانَ عملاً روائيًّا ذا وسائل وغاياتٍ مبدئيةٍ ( أيْديولوجيةٍ ) أو عملاً روائيا اجتماعيا ( هادفاً ) أو عملاً روائيا ( واقعيا ) أو عملاً روائياً ( رمزيا،تأمليا،فلسفيًّا ) أو عملاً روائيًّا مُشخصناً ( رواية الشخصية )..دائماً أومن بما قاله وقرره أستاذنا الناقد الكبير الدكتور محمد الربيْعي في كتابه الثر ( قراءة الرواية ) من أن القراءة الجادة الحقيقية للعمل الإبداعي الروائي،تتجاوز كثيراً مجردَ القراءة الحرفية السريعة،ذاتِ الرتم المبتسر في استيعاب الأفكار والمعاني والأحداث والشخوص وحيثياتِ الحبكة إلى القراءة الماورائية التي تخترق إيهابَ الحروف والألفاظ والكلماتِ والعِباراتِ،فتتوغلُ إلى بؤرة العُمْق الفنيةِ والرمزيةِ،ليكتشفَ القارئُ وشائج العلائق الحقيقية الموجودة بين فكرةٍ وفكرةٍ وبين معنـىً ومعنــىً وبين حَدَثٍ وحَدَثٍ..وبالتالي ستصلُ لِحِسِّه المرامي والأبعاد والغاياتِ الرئيسةِ التي يَوَدُّ الروائيُّ إيصالـَها إليه...
ولعلني-أخي-حاولتُ أن أقتربَ بتلكَ القراءةِ ( الجادة ) من بـِلاَطِ روايتكَ البديعة هذه..وحاولتُ-قدر جهدي المتواضع-أن أستشفَّ ماورائيتـَها الغويطة التي اشتبكتْ في حِياكتِها مجموعة ُخطوطٍ عريضةٍ من رمزياتٍ هادفةٍ وإيحاءاتٍ إنسانيةٍ شجيةٍ،كنتُ أراها في طقوس ومراسيم ( مشاعركَ ) التي شيَّعْتَ ابتسامَتها بين أدراج ( الكفن الأبيض )-في صمتٍ ووجومٍ-من غير ما نلحظ لها سُرادِقاً للعزاء الجَليِّ،ربما لأنَّ ( الحفرة الضخمة ) التي ركنتَ فيها بقايا ذكرياتكَ التليدة،وصادقتَ عليها بعد ذلكَ بنخب ( كأس الضياع ) المُعَتق،قد استعاضتْ عن غلطةِ العَزاءِ الطبيعي في آلامكَ وجراحاتكَ التي تنزتْ ( أقصى مُكبل مكلومٍ ) أو رعِفَتْ من وعثاء الشعاراتِ الزائفة الممهورة ( حرية،سيادة،استقلال،طائفة )..أو ربما لأن ( الموتَ ) وقد تحولَتْ هواتنه في رسالةِ نصحٍ إلى ( بقعةِ ضوْءٍ ) شاحبةٍ،شفطتْ منها ( رقصة الموت )-وما تلتها من ليالٍ قاتمة-آخرَ ما تبقى من بلاقع سَناها وألـَقـَها الوضيئ...تحولتْ إلى أيِّ شيْءٍ،يرتدُّ مع صدى الموتِ والخوف والرعب والضياع والتشنج والاختناق،فيصير كومة ًمن بقايا إنسان..وليسَ غيْرَ البقايا...!!
الذي أثار مني التفاتة الإعجاب والاستمراء في روايتِكَ الإيحائية-أخي المبدع الكريم-هو قدرتكَ الملحوظة على قولبة المعاني الرمزية في سياقٍ جميل من الجمع بين الألم الذاتي الدامع وأبعاد الزمان والمكان والأحداث التي راحتْ تطهو ذلكَ الألم على نارها الهادئةٍ..!! بل إن القارئَ ليكادُ يتحسسُ استبطاءَ الوقتِ وهو يعيشُ تفاصيلَ هذا الهدوء التي يحترق فيه الألم،فيُسجَّــى ويُشيَّعُ-دراماتيكيًّا-إلى مثواه الأليم..!!
والقدرة على استبطاءِ الوقتِ في حِس القارئ-من غيْر أن يُداخله روتين الإطالة من امتداد الروايةِ عموديًّا-عبقرية ٌومنقبة ٌ،تـُحْسَبُ دائماً للروائيِّ المبدع،القادر على نقل الديْمومة والاستمراريةِ في الإغراء والتشويق داخل ذائقةِ قرائــه المتابعين لإبداعه،دون اللجوء إلى استدعاء هذه الذائقة بأساليب الدعاية والإثارة والترويج...
ليستْ لي-أخي الحبيب-مآخذ معينة على مبنى النسيج الروائي الذي كُتبتْ به لغة الرواية،فهي-ولله الحمد-سليمة،ورائقة،وميسورة،وذات لـُحْمةٍ متماسكة...
ربما سقط منكَ سهْواً أو عَرَضاً في موضعيْن عابرين،بَــدَا لي أن الخطأ فيهما نتجَ عن تغزير الكتابة وتدفق الاسترسال فيها فحسب...
ــ الموضع الأول في قولكَ : (( ...وأخرجت منها عبائتي...))..والصوابُ الإملائي أن نكتبَ الهمزة المتوسطة على السطر لأنها منصوبة بالفتح وما قبلها ساكنٌ ((...وأخرجتُ منها عباءَتي البيضاءَ...))...
ــ والموضع الثاني في قولكَ : ((...لم ينتهي شيئاً... ))..والصوابُ النحوي أن نكتبَ (( لم ينتهِ شيْءٌ...))،لأنه فعل مضارع مجزوم بـ ( لم ) وعلامة جزمه حذفُ حرف العلة،و (( شيءٌ )) فاعلٌ مرفوعٌ وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره...
على العموم..سعدتُ-أخي الحبيب-بالقراءة لكَ من خلال هذه الروزنة الفنية البديعة التي نأملُ أن تكون هنا..في منتديانتا الأدبية حلقة ًفي سلسلةِ إبداعاتٍ لاحقةٍ،رائعةٍ إن شاء الله تعالى،تغذي بها ظمأنا اللامتناهي لمثل هذه الرويات الرمزية الإيحائية التي تتنفس من خلالها مُهجُنا العَطشى للحرية والانعتاق والأمل نسائمَ الأمل والتفاؤل والإشراق..ومن يدرى..؟؟ فلربَّ مُهجةٍ عطشى تروَّتْ من مدادِ مُبدع أصيل...
ودمتَ لنا-أخي الحبيب-ينبوعاً لبنانيا جميلاً،يراقص فينا جمالَ الأرز والضيعة و..والجبل..!!