عرض مشاركة واحدة
قديم 24-09-2011, 05:49 AM   المشاركة رقم: 14
المعلومات
الكاتب:
حلم ينتظر
اللقب:
نبع صافي

 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 رقم العضويـة : 6268
 مجموع المشاركات : 45
 بمعدل : 0.01 في اليوم
  العمر : 36
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حلم ينتظر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حلم ينتظر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

أجدد الترحيب بجميع المتابعين الأوفياء

وأقدم لكم الفصل السادس من رواية آدم

تمنياتي لكم بقراءة ممتعة

(

الفصل السادس)
إن المشاهد الطبيعية الرتيبة ،التي يراها المرء في كل ساعة في يومه ،تصبح محببة ومشوقة إلى نفس من أبلغ أن هذا آخر يوم سيراها فيه في حياته. يصاب بعض الناس بالعمى ،وينفذ على بعضهم حكم الموت ،وقسم آخر يوارون خلف حجب تفصل بينهم وبين ما يحبون. فأما من كف بصره ،فإنه يعيش في ظلام سرمدي في وضاءة من ذكريات. وأما من فقد روحه فهو في جدثه في حياة برزخ لا يمكن أن يصفها حي. أما القسم الذين قضوا عمراً في السجون فيصبحون ويضحون ويمسون بصور أعمدة صدئة ،وجدر بلون الزمان ،ووجوه عليها قترة ،ترهقها غبرة ،لا يملون الصراخ ،ولا يكلون من التعذيب. فأنى لمن عاش بين هذه الحجب البشرى بذكرى ماضٍ ،أو الحلم برؤية مستقبل!.
سلم الضابط الضخم مديرة السجن ،مفاتيح وثاق الممرضة ،وخاطبها قائلاً:"ننتظر الاعتراف بفارغ الصبر". أجابته وهي تأمر سجانة أن تفتشها في غرفة جانبية:"هل تعني أن نزيد من جلسات التعذيب؟". "ذلك ما عنيته". أجاب وهو ينظر في وثيقة تدخل كلماتها إلى شاشة عريضة ،امرأة على مكتب صغير. خرجت الممرضة ترتدي لباس السجن القاتم ،وخاطبت السجانة مديرتها فأبلغتها أن الأمر قد تم. تناولت المديرة سيجارة فأشعلتها وقدمت أخراً للضابط ورجليه ،ثم نفثت دخانها عالياً وقالت:"هل من شيء آخر؟". أجابها الضابط وهو يهز السيجار بين أصبعيه:"ألا يمنع التدخين في هذا المكان ،أيتها المديرة؟". قالت وهي تشير بيدها بغير اهتمام:"لا تكن متشدداً ،لا أحد يعلم..فضلاً عن أن السجينات يزعجن شعورنا فنضطر لمثل هذا". ابتسم المحقق بسخرية وقال:"إني أريد أن أدري كيف تجري اعترافات النساء للنساء تحت سياط العذاب!". ثم لوح لها بيده وغادر ورجاله تاركين خلفهم صوت خطواتهم الثقيلة. دب الذعر في قلب الممرضة مع آخر صدى لخطوات الرجال ،ونظرت إليها المديرة بكثير من الفضول ،قالت:"أعتقد أن الاعتراف سيكون جاهزاً بعد جلستين من الآن. يظهر لي أن هذا الوجه الرقيق لن يصبر على أكثر من هذا". ثم ساقتها سجانتها إلى زنزانة بعيدة في طرف منعزل. قالت لها وهي تدفعها من قفاها إلى الداخل:"توجد رفيقتين بانتظارك". ثم ابتسمت بسعادة شامتة وقالت:"سأسعد بمرافقتك صباح الغد". دخلت الممرضة إلى الزنزانة وسمعت الباب يوصد خلفها ،وفكرت للحظة في سجانة تستمتع بالتعذيب النفسي لسجيناتها ،ثم ألقت نظرة طويلة على ما حولها قبل أن تجلس في أقرب زاوية مظلمة. نظرت إليها رفيقتها السجينة نظرة فضول مفضوحة ،ثم قالت لها بلطف :"أنت نزيلة جديدة؟ أتمنى ألا تطول إقامتك هنا". أجابت الممرضة باقتضاب:"شكراً لك ،أتمنى أن تخرجي باكراً أيضاً". ردت بسرعة:"أيه..إني مقيمة هنا منذ أمد ،فالمحكمة تؤجل النظر في قضيتي كلما آن أوانها". نظرت الممرضة إلى امرأة نائمة بعمق في وسط الزنزانة ،ففهمت المرأة الأخرى مرادها فابتدرتها القول:
- هذه..إنها هناء ،واسمها كما ترين لا ينطبق على حياتها مطلقاً. إنها تنام في النهار وتستيقظ في الليل ،وهي نادراً ما تغادر فراشها.
- لأي شيء هي هنا؟
- إنها أم لثلاثة أطفال وقد قتلت أحدهم في الخريف الماضي. يقول الناس أنه مشاكس ،وأن تصرفاته أثارتها كثيراً. يقولون أنها تعتقد بوجود شر مستطير داخله وأنها لطالما رددت ذلك.
نظرت المرأتان إلى المرأة التي انقلبت إلى جانبها الآخر ثم تحدثت رفيقتها فقالت وهي تنظر لساقيها الممدودتين أمامها:"أما أنا فقد حبست بأمر من أبي".سألتها الممرضة بلهفة:
- ماذا تعنين بهذا؟
- إن..إن والدي هو نائب المدير هنا ،وقد انزعج من أسئلتي التي تهدد الأمن بحسب نظره. قال لي إن أفكاري غريبة وأني شخص خطير. وأنذرني أن السجن موعدي إن لم أتوقف عن هذا الطرح.
- كيف يفعل أب بابنته مثل هذا؟
- لا تستغربي يا صاحبة السجن ،فهناك آباء مخلصون لأبنائهم ،كما هنالك آخرون مخلصون لسادتهم. لقد ارتفع صوت جديد هذه الأيام وكل علية القوم في المدينة يعملون لإزهاقه.
- ما هو العلم الذي انتشر؟
- كتاب يقول أن لأبداننا خالق ،وأننا جميعاً صائرون إلى فناء ،وأنه لمبعوث من في القبور.
- وهل كنت لمثل هذا تسألين؟
- نعم يا صاحبة السجن ،لم أكن وحدي الحائرة ،لقد اتبع ملتي آخرون ،وقد اعتقل من اعتقل ،وسرح من سرح. لتجدين الذي يجوبون المدينة بسياراتهم الفارهة كل ليلة ،في فراغ يملؤه جهل ،وفي غنى يفتقر لعلم. إن أبي يعتقد أن حياة السجن ستصد فؤادي عنه ،إنه لا يدري أن قلبي يزداد تعلقاً به ،وأنه إن كان صنع شيئاً فهو منحني هذا الوقت الطويل للتأمل الهادئ ،والتفكير المتزن. يا صاحبة السجن هل تعرفين الذات التي أعني؟ إنها ليست بشراً أو حيواناً ،قد تدهشين إذا قلت لك أني لا أعرفها ،وأجد أنها أكبر مني بكثير.
تأملت الممرضة في وجه الفتاة وقالت لها:
- مازلت في عمر الزهرة ،هل أنت في السادسة أو السابعة عشرة من عمرك؟
- إن لي سبعة عشر ربيعاً ،عجباً كيف علمت ،أما تلحظين آثار الخريف على وجهي؟
- إن لك وجها ينضح بالصبا البشوش ،إن الذي تعتقدين بوجوده ،إني رافقتك لأني آمنت به.
تحركت الفتاة على ركبتيها نحو الممرضة وأمسكت برأسها بين راحتيها ،وقالت بحماسة:
- هل لديك بعض العلم ؟ يا صاحبة السجن ،بشريني!.
أنزلت الممرضة يدي الفتاة ،ورفعت ساعديها إلى رأسها ،وراحت تحل بعض العقد في شعرها ،وسقطت ورقة مصفرة مطوية ،التقطتها الفتاة وراحت تبسطها على الأرض باهتمام ،وسقطت ورقة أخرى ،تلتها أخرى ،ثم ركعت الاثنتان على الأوراق المفروشة على الأرض ،وأخذتا تلاحقان الكلمات المتلاصقة فوق سطوحها. تحدثت الفتاة بعد ساعة من التحديق فقالت بتأثر:"إنه هو ،من قال هذا الكلام ،إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة ،وإن خبره لا يجدر بإنسان أن يعلمه ،ولا لشاعر إن يكتبه ،لأنه من عنده وحده ،إنه هو". ثم ارتعدت فرائصها وتحول لونها إلى الأزرق ،وطبطبت على ظهرها ،الممرضة وقرأت ملحنة بصوتها الرقيق:
"تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً ،الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً ،واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يُخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً ،وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم ءاخرون فقد جاءوا ظلماً وزوراً ،وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً ،قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفوراً رحيماً".
ولجّت الفتاة في جزع وصياح ،وأخذت تضرب برأسها الأرض من الانفعال. في هذه اللحظة كانت نفسها تصرخ وعقلها ينبهر وروحها تنتحب. لقد استولى عليها ذهول عنيف وأسكرتها كلمات سطرت على ورق بال مصفر ،بمداد قد تغير لونه ،ولكن الذات الكبرى لا مبدل لكلماتها ولا محول ولا مغير. ولقد اعترتها برهة من سكون ،وكانت ساجدة بين يديها الصحف ،ورفعت رأسها فقالت باطمئنان:"إني أجد روحي هدأت ،يا صاحبة السجن ،عندما يلامس جبيني الأرض". ثم طوت الصحف باهتمام وقالت:"يا أيتها البشيرة ،أتوسل إليك أرشديني لمن وهبك هذه الألواح". أجابت الممرضة وهي تعيدها إلى رأسها:"لا تتوسلي إلي ،أيتها الروح السامية ،لقد أخبرني البشير الذي منحنيها لا أتذلل إلا لذات من أنزلها. يا وزيرتي في أمري إنه مستور في غياهب الظنون ،وورثت منه بعضاً من علمه. إن الأحرار سيحرررونا وسيقيمون دين الذات التي أنت بها مؤمنة". واتصلت أبصارهما تتعلق بحديث ،واجتمعت أكفهما تؤكد ميثاق الوزارة ، سيبصرون العذاب الأليم ،قطعاً سيلحقهم الأذى ،عندئذ ستؤنس أرواحهم بعضها ،أرواح مؤمنة برب وحيد.
و أصغيتا لصوت امرأة تدفع عربة في الممر ،وصرحت الفتاة وهي تقفز من فراشها:"هذه المأمورة ،أتت تلقمنا عشاءنا" "إني أترقبها من أول النهار. إن الحبس يكون مملاً حين لا تجدين أحداً لمحادثته". ودخلت المأمورة تتبعها سجانة حاولت الممرضة أن تبصر ملامحها في ضوء الممر الضعيف ،مالت الفتاة إلى أذن رفيقتها وقالت :" لا تغرنك بسطة جسمها ،إنها سجانة جيدة ،هي لا تسمعنا كلاماً جارحاً". وصفق بالباب بقوة بعد مغادرة الزوار ،أمام ناظري الفتاتين ،فاستدركت الفتاة وقالت بسرعة:"إلا أنها لا تحسن التعامل مع الأبواب". وابتسمت كل منهما في وجه الأخرى ،ومضغتا طعامهما بهدوء. نظرت الممرضة بتساؤل إلى المرأة النائمة ثم إلى وجه الفتاة تترقب جواباً. وفاجأها الوجه الغائب المتأمل الذي يسقي ذقنه وحضنه ،شرابه الذي يحتسيه!.
"إن طعام السجون لا يشبع أحداً ،ولا يظمأ إلى شراب السجن أحد. وليس يجد المستريح في أريكته كسلاً يؤخر فجره إلى ضحاه ،أو سمراً يؤجل رقاده إلى صباح. بين القضبان تنصت النفوس إلى وعظ العقول ،ومن قبل كانت تنفر من سماعه. وبين السياط الحامية يولد العزيز ،مارداً غاضباً ثائراً واثقاً يركض خلف الذليل الضعيف".
تلك قصيدة صادقة شاكية ،فاضت بها قريحة الممرضة السجينة ،ولم تك يوماً شاعرة!. كان النعاس قاب قوسين أو أدنى منها حين لمحت رفيقة السجن ،التي جعلت نهارها لباساً ،محتبية في فراشها تَلقم وجبتها في إناء عميق. كانت تلتمع على الأرض الرمادية ذؤابتين شقراوين من شعرها الطويل الأجعد ،وبدت هيئتها كأميرة كاسفة في عين الممرضة الصغيرة. كانت الفتاة تشخر بصوت أزعج سكون الأم السجينة ،فعلت وجهها الجميل سحنة عبوس ،كانت شديدة الوطء على نفس الممرضة التي لا تحب الجمال الغاضب أو المتألم. وبزغ في ذهنها الغلام الجميل وذكرت..ما عزاها بكلمه ،وأمه من خلفه تجره إلى خارج قاعة المحكمة. والشيخ الجليل قد أخرج قبل أن يتلى حكم القاضي فيها وفيه. تململت الممرضة في مرقدها تريد انتباه الأم لها ،لكن نظرة الأم لم تنحرف عن الجدار المتصدع أمامها ،فأمسكت الممرضة بخصلة من شعرها وجذبتها بلطف ،وألقت إليها الأم نظرة واحدة ثم آبت لجدارها.
في منتصف الليل ،لقد عبر ضوء القمر أرضية الزنزانة فتبدت وجوه النائمات واضحة لمن يرى ،وداعب نسيم لطيف قادم من فتحة صغيرة مطلة على الفضاء ، وجناتهن وأهدابهن ،وحركت رياح أقوى أغطيتهن الخفيفة ،وامتزجت بانسجام مع أجسادهن الدافئة. وتكشّف خسف في زاوية المكان كان لاحقه بصيص النور الخفيف ،ثم استتر متظللاً على استحياء بحجب السواد الداكنة. وتأست به بعض معالم الزنزانة فاختبأت في الظلام حتى جلاها سراج وهاج ،اتحد مع نوره نور ثلاث جباه مشرقة ،لا تميل لغروب ولا يراودها كسوف. لقد رحل ضيف الليل المنتظَر ،وودعت جفونهم التي يقطر منها الماء هذا الضيف العزيز على أمل تجديد الزيارة في حال أفضل ،واستعدت أفواههم لطحن طعام قاس ليس ذي لذة ولا نكهة ،وزيد إلى رصيد الحزن والأمل حزن متأمل له رقم بعيد.
إن السجانة صدّقت ما وعدت به الممرضة ،وسمعت النساء وقع حذائها الجلدي الثقيل قادماً نحوهم.قالت
الصبية للممرضة:"أيتها البشيرة ،لقد حانت ساعة العذاب ،فثقي به وتصبري واذكري دعمي". أجابت الممرضة شاكرة:"إني تاركة ما ورثت بين يديك ،فإني أخاف أن يظهروا عليها فيحرقوها ،ويسومونني سوء العذاب". ونظرت الممرضة نظرة ذات معنى إلى الأم السجينة التي تتقلب في فراشها ،وقالت:"إني أجد لديها مخبئاً مدهشاً لن تطوله أيديهم". ثم استأذناها فأخفيتا الورق في خصلتين كبيرتين من شعرها الطويل. وكن يشكرن لها سعيها حين وصلت السجانة لاصطحاب الممرضة. تبعتها الممرضة باستسلام وراحت تفحص بعينها ملامح المكان الذي تمر فيه. وسلمت السجانة الممرضة إلى مسؤولة أرفع ،وقالت بسخرية قبل أن تذهب وتذر آثاراً لحذائها المتسخ:"لا تبحثي كثيراً أيتها الممرضة ،فجميع المخارج هنا مؤمنة بتيار كهربي صاعق". حضر طبيب وفحص الممرضة ،وقال وهو يحك أنفه بكسل:"لياقتها عالية ،بإمكانها احتمال الصعق لعشر دقائق متوالية..على الدرجة الثالثة". ثم قام بتثاقل يحضر كوباً من الشاي. رحلت المسؤولة بمعية الممرضة فأدخلتها حجرة لها سقف بعيد لا يكاد يصله الناظر بعينيه بسهوله ،ثم أقعدتها في كرسي ضيق وحزمت عليها الأربطة المثبتة ،وسألتها بصوت يخلو من التعبير:"ربما تودين الاعتراف قبل تجريب الشوط الأول من الألم". "لا أريد" أجابتها الممرضة بعناد سيطر على صوتها الرقيق. استدارت السجانة تريد تشغيل الآلة ،وسرت موجات متدرجة في الأسلاك حول الممرضة ،وأغمضت عينها من الوجع ،وتحركت سبابة المعذِبة بسلاسة إلى زر آخر ،وزاد ورود الذبذبات حول جسد الممرضة ،وتشنجت أطرافها فلم تقو على الصياح ،وازرقت شفاهها ،ثم أطاح الألم ببقايا الوعي في ذهنها. وصفعتها سجانتها فرجعت إلى الدنيا. سألتها ببرود وهي تحضر أصابعها لنوبة ثانية:"من قتل الرجال؟ هيا تحدثي". ولم ترد السجينة بكلمة هذه المرة ،فأصابتها نوبة ثانية ،تواترت بعدها أخريات. ثم سحبت سجانتها جسدها الواهن فألقته على منصة إسمنتية منخفضة وقالت وهي تقبض بكفها البارد على ذقن المعذَبة:"سيكون هذا ضريحك إن لم تعجلي بالاعتراف ،في المرة القادمة". وفتح الباب الحديدي بعنف وتقدمت السجانة إلى الممرضة الراقدة على الضريح ،فانتزعتها من ذراعها وقالت تفسر الأمر لرئيستها وهي تهرول خارجة:"لقد طلبتها المديرة". ولم يسع الممرضة أن تسير على ساقيها الخائرتين كل هذه المسافة فتوقفت عن السير ،نهرتها سجانتها وسحبتها على بطنها الذي انحسر عنه الرداء إلى غرفة المديرة. كانت المديرة تصرخ على الفتاة الصغيرة والسجينة الأم وهي تقبض على الكتاب في يدها المكتنزة الكبيرة. لما أن لاحظت وجود الممرضة ابتسمت بعصبية وقالت بغضب:"جلبت هذا الشيء معك هنا أيضاً أنت جريئة جداً". ثم نظرت إلى السجانة التي لم تزل تمسك قيد الممرضة:"لولا أن تداركنا فطنة الفطينة ،للبث في شعرها بضع سنين" ثم حطت قدمها بالتتابع على رؤوسهن إذ كن جاثيات ،وداست بكعب حذائها فوق كف الممرضة على الأرض ،وقالت وهي تطبق فكيها في شراسة:"قد جاوزت التفتيش بيسر ،وأضمن لك أن لا تجاوزي العذاب أبداً". وعلت ذراعها بأ لكتاب فألقته بين قدميها ،ثم ألقت سيجارتها فوقه حتى انتشر دخان الورق الممزوج بفوح الحبر الخفيف ،وسحقت الرماد بقدمها تعلو وجهها نشوة النصر. لم تحتمل الممرضة ورفيقتها إهانة الكتاب المقدس ،فهبتا من مقعديهما قائمتين ،ونطحتا المديرة برأسيهما فخرت على الأرض وأحسوا لوقعتها زلزلة في أرض الحجرة. وفقدت الفتاتان توازنهما فانبطحتا على متن الأغلال في أيديهما ،وتدخلت السجانة فضربت الممرضة بكعب مسدسها الذي تحب رفقته ،وخرت الممرضة على الأرض تحيطها بقعة من دم أحمر. تقدمت رفيقتها الصغيرة ملبية نداء وثيقة الوزارة ،والصداقة ،والتواصي بالحق ،وهمت السجانة الغليظة أن تجلدها بسياطها النفاض ،وأوقفتها المديرة متعللة بأن السجينة ابنة النائب ،ثم أمرتها أن تأخذ الممرضة إلى زنزانة فارغة وتأتي في الحال. وتحركت السجانة طوعاً لأمر مديرتها ،ولكن الأم السجينة هجمت عليها بيديها العاريتين ثم استولت على سياطها فجلدت به كل شيء أمامها ،فحطمت قوائم الكراسي فضلاً عن العظام وبعثرت ما على المكتب من مستندات ووثائق ،وكسرت زجاج النوافذ وألقت بمنفضة السجائر على الحائط فانتشرت قطع الزجاج في كل جزء في الغرفة. صرخت المديرة بأعلى صوتها وكان فوج من العاملات اجتمع حول غرفتها:"لقد أصابتها نوبة الصرع ،اجلبوا الطبيب بسرعة". وجاء الطبيب ولم يسعه ضبط الموقف ،فاستعانوا بنفر من السجانين الرجال ،وأسروها فثبتوها إلى الأريكة ،وحقنها الطبيب بمهدئ دسه في ذراعها ،وسرى الخدر في أطرافها ،وأصبح بإمكان الرجال أن يسحبوا أيديهم فيفكوا أسرها. حدث كل ما حدث والممرضة وجلادتها لم ترحلا ،والفتاة الصغيرة إلى جانب المديرة والحاشية يشهدون ثورة الأم السجينة. وتيقظت من سنتها ولم تستطع تحريك إصبعها ،فاعترفت بهدوء وهي تنظر ببلادة إلى وجه الطبيب :"لقد قتلته من دون إذن قلبي ،إنه طفل شرير. كيف فعلت ذلك؟ كيف قتلته؟ إني لا أذكر وجهه حين طعنته بسكين المطبخ ،آه..آه ماذا أفعل ماذا فعلت..". وسيطر عليها حزن عميق وتحدثت بصوتها المبحوح:"و أسفاه عليك يا بني ،و أسفاه". وصارت إلى نوبة نواح ،وحقنها الطبيب بأخرى قوية الأثر ،واعتدل قائماً ثم قال:"سنريحها في عنايتنا هذا اليوم". ثم عاد الرجال من حيث أتوا،وقامت امرأتان بتنظيف الفوضى العارمة ،وتبادلت الممرضة والفتاة نظرة طويلة ابتسمت خلالها الممرضة وقد احمر وجهها وتلونت أسنانها من الدم. ثم مضت كل منهما إلى سبيل كئيب مع سجانة لا ترحم.
رقدت الممرضة على الأرض وضغطت على جرحها بخرقة قطعتها من ثوب السجن القاتم. و أجاءها النوم فلم تمانع ،وقضت غفوات كثيرة فاتتها بالأمس. وأتتها عاسة الليل تنبأها بوجود زائر ،ودخل الزائر فعرفته على الفور ،قال لها حين ألفاها راقدة على الأرض القاسية بادية الضعف:"أيتها الممرضة ،لا تصبري كثيراً ،لا تصبري كثيراً". ثم جثا على ركبتيه وشاء أن يقعدها فقالت بصوت يكاد لا يظهر:"أنا ماضية في التجلد أيها المحقق ،قد أتيت إلي تسألني عن الصحف ،فإني لن أجيبك بحرف ". وتقرب ببصره إلى وجهها المعاند ،وقال هامساً:"إني دعيت محققاً في ما حصل ،غير أني لن أسألك شيئاً. أحذري أيتها الممرضة فسياط الغد لا ريب تزيد عن سياط اليوم ،أخبرينا بالقاتل ،لقد شج راسك اليوم ولا ندرين غداً ماسيحدث ،هل تجدين هماً غير حفظك لحياة جسدك؟.." قاطعته بسرعة:"أجد غيرها ،بل إني لا أجد نفسي مهمة بدونه ،بدون نور ربي ،إني لا أعبأ بعذابكم ،إني لا يضعفني إرهابكم ،إني لن يبدل جَلدي إكراهكم. سأصبر من أجل الذات التي أنتم بها كافرون". وانتصب المحقق على قدميه وربت على رأسها مواسيا ،ثم خرج.
إن الممرضة في حزن عظيم ،أخذ بكل عزمها فأصابتها ساعة من بكاء. لقد ورطت نفساً بريئة ،أم كسيرة الفؤاد ستعذب بسببها. وصديقة ءازرتها في أمرها ستجلد حتى تتراجع أو..تموت. وذكرت كلام صديقتها أنها لم تقاس كثيراً من العذاب ،وذكرت أن الأم لم تتلق غير جلسة واحدة. والآن مس المديرة غضب غاشم ،فإن لم يتدخل والد الفتاة الذي يعمل نائباً وينهي الأمر ،فستنقلب الفتاة إلى ألم شديد لا تعلمه. والأم المريضة ليست بمفازة من العذاب ،سيصلها الشواظ تلو الشواظ ،وستجني عقاب ذنب لم تقربه. وهداها فكرها أن تحتمل عذاب الاثنتين ،وهي على معرفة بحكمهم ،أنهم لن يقبلون. ونزلت دموعها تسيل دماً متجلطاً على وجنتيها ،وتفطر قلبها ،وتوقفت العبرات في حلقها ،فلم تقدر أن تصدر صياحاً يخرج بغيض من فيض الوجع في صدرها ،فهو كظيم. فنادته بمقلتين تشعان من الدمع في زنزانة لا يدخل جوفها النور ،وختم على لسانها وحدثه جلد ويدين وقدمين بما كان يُصنع بها ،وأمّن هتون الدمع على الشكوى الصادقة ،ونطق لسانها من بعد ذلك فقالت بصوت يسلبه الكمد قوته:"يا من أنا مؤمنة به ،أنجدني. وهب لي من لدنك قوة ،وهب لي من لدنك هداية. يا سيدي قد جار الحظ على امرأتين بائستين ،يا سيدي فضع عنهما العذاب. يا سيدي واحمله إلى الوزر الذي أحمله." ثم ذكرت قد أراح الصبية سجود ،فاعتمدت على راحتيها ولكن لم تسطع على رفع جسدها ،وسجدت بعد أن وقعت على الأرض مرتين. وأطلت حارسة الليل على إثر تكرر السقطة ،فما وجدت غير جسم ضئيل يلقي رأسه إلى الأرض ،في ظلام الزنزانة الدامس. ،ورحلت من المكان.
ناجته مرة أخرى ،فقالت:"يا ربي أنجد امرأة بذلت شعرها لحفظ كتابك ،يا ربي واجعل بركة كلماتك تهدي عقلها وتضع إزرها وتشارك". واستقرت أمام عينها صورة صديقتها الوزيرة ،وأحست بروحها تطير لترتبط بروح الوفية ،وتنعقد. وقد صدقت الرؤيا إذ التقت الروحين المؤمنتين في سقف بناء الحبس ،وتظللت وضلت أسفله الأرواح الكافرة.
إلى الفصل السابع بإذن الله












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

سأحلم بالرجوع معاً حماماً.....أمام الشمس في اليوم الجديدِ

عرض البوم صور حلم ينتظر   رد مع اقتباس