للقسوةِ في هذه الحياةِ-أختي البديعة عناوين-صُوَرٌ ومظاهرُ شتى،تتفاوَتُ في حِدَّتِها وجبروتِها ولذعِها بتفاوُتِ السبب القاسي الذي صنعها...
وأمامَ تلك الصور من القساوةِ،يكونُ الناسُ أصنافاً وأنواعاً..منهمْ من يتماسكُ مصابراً في جَلـَــدٍ وتحمُّلٍ،ومنهم مَنْ يتماسكُ إلى حين،ومنهم مَنْ لمْ يعُدْ في قوِس صبْره منزعٌ،فينهارُ كالشفير الهائر،لا يقوى على التماسكِ في شيءٍ....
بَيْدَ أن أوْجَعَ ضرَبَاتِ القسوةِ-إن لمْ تكنْ أوجَعَها على الإطلاق-تلكَ التي تمزقُ في كِيَان الإنسان إنسانيَّتـَهُ وآدميَّتـَهُ،لدرجةِ أن يَصِلَ الأمرُ به إلى تقديم مراسيم نعْيٍ وحُدَاءِ رثاءٍ،يبكي بها إنسانيتـَه الكريمة...!!!
يــاهْ-أختي الكريمة-ما أوجَعَها من قسوةٍ...وما أعنفـَها آلاَماً..وما أعطفـَــهُ أنيناً..وما أبكاهُ رثاءً...!!!
لا أدري-أختاه-ونحن نتساءلُ في زمن القهر والضعَةِ الذي يكادُ-من جفافه وقسوته ونضوب أنهاره-أن لا يُبقي على إنسانيةِ إنسانٍ فضلاً عن أنْ يحميها..لا أدري ؛ أقدِّرَ على القلب الخفاق بنبض الآدميةِ الجميل وترانيم دقاته الباسمة المشرقة أن يدفعَ ضريبة َ القسوة بقتل بساتــين الحياةِ من حولِهِ وقطع عرائس خمائلهِ الواحدة تلو الأخرى لغايةِ أن تصلَ المأساة بنا إلى نعْي إنسانيتنا،لأن زمَن الرداءةِ اللغوب هو مَنْ أرادَ ذلك..؟؟!!!
الحقيقة-أختي الدامعة-أن حُدَاءَكِ الرخيم في ترثيةِ الإنسانيةِ الطاهرة النقية،ليسَ حُدَاءَكِ وحْدَكِ فحسب...إنه الصوتُ الجماعي لحُدائنا جميعاً..!!!
كلنا...كلنا يبكي إنسانيَتـَه..وكلنا يستصرخُ فيها الآهاتِ اللاهباتِ والأنـَّاتِ الكاويات..وكلنا يستمطرُ لها سحائبَ الرحمةِ،ويجأرُ لرافع السماء بلا عَمَدٍ أن يرأفَ ببقاياها التي سحَقها الزمنُ الرديئ بجبروته ونقائضــه....
كلنا،حين يُرخي سمْعَ قلبه التعوب لأعماقه،لا يفتأ أن يسمعَ حشرجة ً في إنسانيته تشبهُ حشرجة َالموت لحظة الاحتظار،ولكننا نؤثِرُ فقط أن نوزعَ على وجوهنا القريحة تلك الابتسامة البلهاء،درْءًا لأحساسنا بالقهر والهوان،وإخفاءً لنزيفنا الذي يملأ فينا مِزَقَ الأوردةِ والشرايين...!!!
مسكيـــــــــنة ٌأنتِ أيتها ( الإنسانية الطاهرة )...!!!
لكَمْ طالَ نأيُكِ عن رياضِكِ التي تتغنى دوما في كيْنونتِنا وآدميتنا،فننتشي بلحنكِ العذب في أعماقنا،وإذ بنا نستعذبُ كُنهَ الحياةِ..لأنكِ لستِ شيئاً آخرَ غيْرَ الحياةِ...!!!
خاطرتـُكِ-أختي البديعة-كأنما هي ترجيعٌ حزينٌ لا يخلو من رقةٍ...أو هي دمعَة ٌلا تخلو من بسمةٍ...أو هي ترنيمة ٌلا تخلو من شجْـــو وشجَن...!!!
وهذه هي نوافثُ القلم التي تلجُ عادة ًلشغافي،فتوَشْوشُ في إحساساتي الأدبيةِ والفنيةِ والوجدانيةِ مكامنَ الروعةِ والجمال والأثر والتأثير....
القلمُ الحقيقي..هو ذاكَ الذي نتشمم في مدادِ حبره قلبَ صاحبهِ المشوي،فما تنتهي الأسطرُ في رصفِ الخاطرةِ حتى نجدَ أُوَارَ القلب قد ارتدَّ صدًى في حنايانا نحن القراء...لطالما آمنتُ بذلكَ وتحسسته...!!!
خاطرتـُكِ-أختي-هي استنطاقٌ دامعٌ لإنسانيتنا جميعاً على نحو ما استنطقَ شاعرٌ دامعٌ مثلكِ ذاتَ مرةٍ المُــــــــــرُوءَة َ،فراحَ يبكي على حَالـَها بين الناس :
مررتُ على المروءةِ وهي تبكي ** فقلتُ : عَلاَمَ تنتحبُ الفـــتاة ُ..؟؟!!!
فقالتْ : كيفَ لا أبـــــكي وأهلي ** جميـــــعاً دونَ خلق اللهِ ماتوا..!!!!
وبوركتِ-ست عناوين الكريمة-فإن لينبوع قلمِكِ رقرقة ًمن إبداع،فالعَشمُ دائماً أن لا تبخلي بها علينا....