
اكتفَت من هذه الدنيا بصديق واحد
لطالما حَلُمَت بصديق كالذي تمنته سعاد الصباح
وغنته شعراً ماجدة الرومي
رجلاً يحترم عقلها
يريدها لفكرها وثقافتها
لا لجمالها وقوامها
وهي تعلم وتدرك جيداً
أن مجرد التفكير في مثل هذا الأمر
-الصداقة- بين الجنسين
يعتبر من المحرمات في مجتمعها الشرقي
الذي ينظر لمثل تلك العلاقات بعين الريبة والشك وسوء التقدير والظن
ولأنها تحفظ الله في كل شيء
فقد حفظها الله من كل سوء
وضع في طريقها إنسان
بكل ما تحمله تلك الكلمة من معان
رجل مثقف
ليس كباقي الرجال
فهو أيضاً مثلها.. مختلف
لا يبحث عن امرأة عادية
وهو المغامر
كثير الأسفار والترحال
رجل الأعمال الناجح
صادف في حياته كثير من النساء
من مختلف الأجناس والجنسيات
ومع ذلك
لم يجد فيهن ما يريد
إلى أن رآها
أو بالأحرى
قرأها
فأعجب بفكرها وثقافتها
جذبه عقلها وهدوءها
فرضت عليه احترامها
أحب فيها جديتها
رغم تحفظها وترددها
عرض صداقته عليها
سألته
ما مفهومكَ للصداقة بين الجنسين؟
أدركَ بفطنته ما ترمي إليه
فأجاب
كنتُ على تواصل مع أناس كثر ومنهم نساء وتوقفت
أما لماذا توقفت فلأن هذه النوعيات وخاصة النساء منهم تهتم بالخروج والهدايا والجنس فقط
وهم خاوون من الداخل
ولأكن صادقاً معكِ
فإن بعض من اهتماماتهن تروق لي لأنني في النهاية رجل
ولكن هناك احتياجات فكرية مثلما هناك احتياجات جسدية
وأنا اخترت الأولى لأنني لم أجد من يؤمن لي الاثنتين معاً
ولكِ أن تتصوري إنسان يرغب في إعمال عقله
ويجد الآخر أقرب إلى الدمية وهذا غير كافٍ
ولأن الخيار لي فقد اخترتُ من يلبي حاجة العقل
وهذا أكثر أهمية لي من حاجة الجسد
وكنتُ أعتقد أنني لن أعثر على مبتغاي في صديقة
جادة محترمة
إلى أن وجدتكِ
أما ما يبحث عنه الكثير من الناس من مثل هذه العلاقات وهو الحب المادي والجنس
فهو ليس اهتمامي ولا يمكن أن يكون إطاراً لعلاقتي مع الآخر
أُعجِبت برأيه وصراحته
فوافقت لجديته
اتفقا على صداقة شريفة بريئة طاهرة
تقوم على التواصل الراقي
والحوار المتحضر
في شتى مجالات الحياة
علاقة يسودها الاحترام المتبادل
بعيداً عن العواطف
ولأنهما ناضجان
فقد بدأ التعارف
بسيطاً، عفوياً، سلساً
لا مجاملات ولا رسميات
تواصل جميل عبر الرسائل والإيميلات
فلا وقت لديهما للمسنجر والدردشات
تجمعها يومياً السطور والكلمات
اكتشفا كم هما متقاربين
في الأسلوب وطريقة التفكير
كما أن هناك أمور كثيرة مشتركة بينهما
تعمقا في تفاصيلهما
أكثر
وغاصا في بعضهما البعض
أكثر وأكثر
كل هذا
ولم يطلب منها يوماً رقم هاتفها
ولا صورة لها
لم يلمح حتى إلى رغبته في رؤيتها
كما لم يريها صورته
وهي لم يخطر ذلك على بالها قط
فهما منذ البداية يعرفان ما يريدان
ورسما حدود علاقتهما وإطارها
على هذا الأساس
واستمر الحال
على هذا المنوال
لمدة عام ونيف
إلى أن حدث ما كانت تخشاه
استيقظ قلبها فجأة
معلناً ولادة مشاعر
من نوع آخر
عبثاً حاولت إنكار تلك المخاوف
وما بين الوهم والتكذيب
بانت الرؤية
وانكشف المستور
واستسلمت لذلك الشعور
معترفة بأنها
لم تعد تكتفي منه بالصداقة
تساءلت بينها وبين نفسها
ترى
ما الذي حدث؟
ما الذي استجد؟
هل ما هي فيه صحيح أم خطأ؟
هل يحق لها أن تفعل ذلك أم لا؟
هل هي أحاسيس وقتية أم دائمة؟
خافت على صديقها منها!
نعم ربما خافت أن يتركها
أو خشيت أن يبدر منها قول أو تصرف يزعجه
ويسبب لها الإحراج معه
وهي لا تريد أن تخسره
وفي نفس الوقت تريد أن تحافظ على صورتها الجميلة عنده
وعلى احترامها المتأصل بداخله
وعلى مكانتها الكبيرة في نفسه
هي تدرك
أنه رجل عملي
ولم تنسَ أنه
خالط نساء كثيرات
وسافر إلى بلدان شتى
وزار مدن عدة
ويستطيع السيطرة على مشاعره
وأن يحدد ما يريد من الطرف الآخر
وأن يسير علاقته معه على هذا النحو
أما هي
فلا تملك القدرة ذاتها
فهذه تجربتها الأولى
في عالم الرجال
فهي لا تصادق رجلاً كل يوم لتعرف كيف تتصرف
وتواجه هكذا موقف
إنها في حيرة شديدة من أمرها
لا تقوى على الإفصاح عما بداخلها نحوه
ولا يمكنها البوح له بمشكلتها هذه
إنها المرة الأولى منذ تعارفهما
تخفي عنه سراً
يتعلق بشخص مهم في حياتها
ألا وهو صديقها الوحيد
لم تشعر بالضعف يوماً
إلى أن وصلت إلى هذه المرحلة
لهذا قررت
أن تضحي بعواطفها
وتقدمها قرباناً لإنقاذ صداقتهما
ابتعدت
بهدوء
غابت عنه
انقطعت أخبارها
لم تعد تكتب له
تتألم بصمت
تكابر
تتصنع القسوة
تعاند رغبتها في العودة
تناور
تصارع طيبتها
واشتياقها إليه
لا لشيء
سوى للإطمئنان عليه
فينتصر عقلها على قلبها
أخيراً
ويكسب المنطق الجولة
أصبحت المعركة لصالحها
أو هكذا اعتقدت
هو أيضاَ كان قد غاب عنها فترة
أتراه شعر بها؟
أم راودته نفس الخواطر تجاهها؟
وينازع أفكاره مثلها؟
لكنه عاد مستغرباً سكوتها المفاجئ
وغيابها الذي طال
استفسر
تحرى
كتب لها
مراراً وتكراراً
دون جدوى
وهي تقرأ رسائله
دون رد
وهذا ما يزيد عليها العبء
أخرجت دفتر مذكراتها
وكتبت له قائلة:
سأخبركَ سراً جاهدت نفسي أن أخفيه عنك
لم أعد أقوى على إخفاء مشاعري نحوك
مشكلتي يا صديقي قد تكون مشكلة لك!
ترى لو أخبرتكَ أني ارتقيت بعلاقتنا معاً إلى درجة أسمى من الصداقة
أعلم أن الصداقة التي بيننا جميلة
ولكن ما وصلت إليه من عمق جعلها أجمل
فهل هذا الأمر يزعجك ويضايقك
ويفوق توقعاتك واحتياجاتك من هذه العلاقة
ويعتبر تجاوزاً لحدود تواصلنا بعد أكثر من عام على بدئه؟
لهذا السبب
انزويت وابتعدت
خوفاً من أن تسيء فهمي
أو أن أتسبب بدون قصد مني
بضياع وانتهاء صداقتنا الشريفة
تلك كانت كلماتها الوداعية الأخيرة
التي لم ولن يقرأها
وأغلقت دفترها عليها
ورحلت...

كم جميلاً لو بقينا أصدقاء
إن كل امرأة تحتاج أحيانا إلى
صديق
و كلام طيب تسمعه
و إلى خيمة دفء صنعت من كلمات
لا إلى عاصفة من قبلات
كن صديقي
إني احتاج أحيانا لأن أمشي على
العشب معك
و أنا أحتاج أحيانا لأن أقرأ ديواناً من شعر معك
و أنا كامرأة يسعدني أن أسمعك
إن كل أمراة في الأرض تحتاج إلى
صوت ذكي.. وعميق
و إلى النوم على صدر بيانو أو كتاب
كن صديقي
انا لا أطلب أن تعشقني العشق الكبير
لا أطلب أن تبتاع لي يختاً و تهديني قصورا وتمطرني عطراً فرنسياً
و تعطيني مفاتيح القمر
هذه الأشياء لا تسعدني
فاهتماماتي صغيرة .. و هواياتي صغيرة
و طموحاتي هو أن أمشي ساعات و ساعات معك
تحت موسيقى المطر
كن صديقي
فأنا محتاجة جدا لميناء سلام
وأنا متعبة من قصص العشق
و الغرام
و أنا متعبة من ذلك العصر الذي
يعتبر المرأة تمثال رخام
تلك كانت مقتطفات مختارة من قصيدة "كن صديقي" كما كتبتها الشاعرة الكبيرة سعاد الصباح
غالباً تنتهي الصداقة إلى حب ولكن لا يمكن أن ينتهي الحب إلى صداقة – مثل إنجليزي- 