من ذا الذي رفع السيوف
ليرفع اسمك فوق هامات النجوممنارا
كنا جبالا في الجبال وربما سرنا
علـى مـوج البحـاربحـارا
بمعابد الإفرنج كان آذاننـا
قبل الكتائب يفتـحالأمصارا
لم تنس أفريقيا ولا صحراؤهـا
سجداتنا والأرض تقذفنـارا
وكأن ظل السيف ظـل حديقـة
خضراء تنبت حولناالأزهـار
لـم نخـش طاغوتـا يحاربنا
ولو نصب المنايا حولناأسوارا
ندعو جهارا لا إله سوى الـذي
صنع الوجود وقـدرالأقـدارا
ورؤسنا يـارب فـوق اكفنـا
نرجوا ثوابك مغنمـاوجـوارا
كنا نري الأصنام مـن ذهـب
فنهدمهـا ونهـدمفوقهاالكفـارا
لو كان غير المسلمين لحازهـا
كنزا وصاغ الحليوالدينـارا
ومن الألى ِِِِحملوا بعزم أكفهم
باب المدينة يوم غزوةخيبرا
أم من رمى نار المجوس فأطفئت
وأبان وجه الحق أبلجنيرا
و من الذي بذل الحياة رخيصة
ورأى رضاك أعز شئفاشترى
نحن الذين إذا دعوا لصلاتهم
والحرب تسقي الأرض جاماأحمرا
جعلوا الوجوه إلى الحجاز وكبروا
في مسمع الروح الأمينفكبرا
ما بال أغصان الصنوبر قد نأت
عنها قماريها بكل مكان
وتعرت الأشجار من حلل الربى
وطيورها فرت إلىالوديان
يارب إلا بلبلا لم ينتظر
وحي الربيع ولا صبانيسان
ألحانه بحر جرى متلاطما
فكأنه الحاكي عنالطوفان
يا ليت قومي يسمعون شكاية
هي في ضميري صرخةالوجدان
اسمعهموا يارب ما ألهمتني
وأعد إليهم يقظةالإيمان
أنا أعجمي الدن لكن خمرتي
صنع الحجاز وكرمهاالفينان
إن كان لي نغم الهنود ولحنهم
لكن هذا الصوت منعدنان
زار إقبال أفغانستان على إثر دعوة وجهها له نادر شاه ـ ملك أفغانستان ومر في إحدى رحلاته على مصر، وقابل بعض شبابها وأعجب بشاب مصري، ويقول: إن الشاب فرح جدًا عندما علم أن إقبال مسلم ويقرأ القرآن، وقيل: إن إقبال لبس الطربوش بسبب المحادثة التي دارت بينه وبين هذا الشاب، ويذكر الأستاذ أبو الحسن الندوي أنه زار فلسطين في سنة 1931، وكان مما قاله وهو في فلسطين:
ولما نزلنا منزلاً طله الندى
أنيقًا وبستانًا من النورحاليا
أجد لنا طيب المكان وحسنه
مني فتمنينا فكنتالأمانيا
نجده هنا يتمنى أن يحط الرحال ويظل في بلد القدس وأرض مهبط الرسالات، ومن أقواله في افتتاح المؤتمر الإسلامي عام 1930 " على كل مسلم عندما يولد ويسمع كلمة لا إله إلا الله أن يقطع على نفسه العهد على إنقاذ الأقصى". في ألمانيا نال الدكتوراه على بحث له بعنوان: "تطور الغيبيات في فارس". عقب عودته من ألمانيا التحق بمدرسة لندن للعلوم السياسية، وحصل منها على إجازة الحقوق بامتياز.
عودته إلى وطنه
عاد إقبال إلى شبه القارة في شهر يوليو 1908م بعد أن قضى مدة في أوروبا ما بين دراسات علمية وزيارات لدول عربية وإسلامية، وأفادته هذه المدة في التدرب على منهج البحث والإلمام بالفلسفة الغربية ـ ومكث في لاهور، وقدم طلب لتسجيله محاميًا لدى القضاء الرئيسي، وتم تسجيله بالفعل، ولكن في مايو 1909 عُيِّنَ أستاذًا في للفلسفة في كلية لاهور، ولم توافق المحكمة في أول الأمر على أن يتولى منصبين في الحكومة، ولكنها في نوفمبر 1909م وافقت على تعيينه، وصدر قرار تحت عنوان: "الموافقة على تعيين محامٍ في المحكمة كأستاذ مؤقت في كلية الحكومة، وكان ذلك استثناءً لإقبال، وهذا يصور لنا مدى أهمية إقبال ومكانته في البلاد.
استمرت هذه الثنائية حوالي عامين ونصف استقال بعدها من العمل بالتدريس؛ ليكون أكثر تفرغًا للمحاماة وممارسة القانون؛ وذلك نتيجة لحبه الشديد لمهنة المحاماة والدفاع عن الحقوق، ولم يعتزل إقبال التدريس نهائيًا؛ حيث كان يتابع المؤتمرات والاجتماعات التي كانت تعقدها الجامعة؛ حيث كان له دور واضح في إصلاح حالة التعليم في بلده في هذا الوقت.
مرضه واعتزاله المحاماة
اجتمع المرض على إقبال في السنوات الأخيرة من عمره، فقد ضعف بصره لدرجة أنه لم يستطع التعرف على أصدقائه بسهولة، وكان يعاني من آلام وأزمات شديدة في الحلق؛ مما أدى إلى التهاب حلقه، وأدى بالتالي إلى خفوت صوته، مما اضطره إلى اعتزال مهنة المحاماة، وفكر في أن يقصد فيينا طلبًا للعلاج إلا أن حالاته المادية لم تسمح بذلك، وتدخل صديقه رأس مسعود؛ حيث اقترح على يهوبال الإسلامية أن تمنحه راتبًا شهريًا من أجل أطفاله الذين ما زالوا صغارًا وحدث ذلك بالفعل واستمر الراتب حتى بعد وفاة إقبال.
كان من أولاده: ابنه آقتاب إقبال المحامي ورزق به من زواجه الأول، وابنه أجاويد ـ القاضي بمحكمة لاهور العليا، وابنته منيرة باتو وتزوجت في باكستان، وهما من زوجته الثالثة؛ حيث تزوج إقبال ثلاث زوجات ماتت إحداهن هي وابنتها بعد الولادة.
في أثناء مرضه هذا واعتزاله المحاماة ماتت زوجته الثالثة في مايو 1935 ثم مات صديقه العزيز رأس مسعود، ومن العجيب أن إقبال وسط هذه المحن والكرب لم يتوقف عن ممارسة نشاطه السياسي، بل ولم يتوقف عن الإبداع وكتابة الشعر.
حديث الروح
حديث الروح للأرواح يسري
وتدركه القلوب بلاعنـاءِ
هتفت به فطار بلا جناح
وشق أنينه صدر الفضـاء
ومعدنه ترابي ولكن
جرت في لفظه لغةالسماءِ
لقد فاضت دموع العشق مني
حديثاً كان علويالنداءِ
فحلق في ربى الأفلاك حتى
أهاج العالم الأعلىبكائـي
تحاورت النجوم وقلن صوت
بقرب العرش موصولالدعاء
وجاوبت المجرة علّ طيفاً
سرى بين الكواكب فيخفاء
وقال البدر هذا قلب شاك
يواصل شدوه عندالمسـاء
ولم يعرف سوى رضوان صوتي
وما أحراه عنديبالوفاء
شكواي أم نجواي في هذا الدجى
ونجوم ليلى حسّدي أمعوّدي
أمسيت في الماضي أعيش كأنما
قطع الزمان طريق أمسي عنغدي
والطير صادحة على أفنانها
تبكي الربي بأنينهاالمتجدد
قد طال تسهيدي وطال نشيدها
مدامعي كالطّل في الغصنالندي
فإلى متى صمتي كأني زهرة
خرساء لم ترزق براعةمنشد
قيثارتي ملئت بأناث الجوى
لابد للمكبوت من فيضان
صعدت إلى شفتي خواطر مهجتي
ليبين عنها منطقيولساني
أنا ما تعديت القناعة والرضا
لكنما هي قصة الأشجان
يشكو لك اللهم قلب لم يعش
إلا لحمد علاك فيالأكوان
من قام يهتف باسم ذاتك قبلنا
من كان يدعو الواحدالقهارا
عبدوا الكواكب والنجوم جهالة
لم يبلغوا من هديهاأنوارا
هل أعلن التوحيد داع قلبنا
وهدى القلوب إليكوالأنظارا
ندعوا جهاراً لا إله سوى الذي
صنع الوجود وقدّرالأقدارا
إذا الأيمان ضاع فلا أمان
ولا دنيا لمن لم يحيدينا
ومن يرضى الحياة بغير دين
فقد جعل الفناء لهاقرينا
وفي التوحيد للهمم اتحاد
ولن تبنوا العلامتفرقينا
ألم يبعث لأمتكم نبي
يوحدكم على نهج الوئام
ومصحفكم وقبلتكم جميعاً
منار للأخوة والسلام
وفوق الكل رحمنٌ رحيمٌ
إله واحد رب الأنام
وفاته وآثاره العلمية
في 21 إبريل1938 وفي تمام الساعة الخامسة صباحًا فاضت روح إقبال الطاهرة إلى بارئها، وكان يومًا عصيبًا في حياة جماهير الهند عامة والمسلمين منهم خاصة؛ فعطلت المصالح الحكومية، وأغلقت المتاجر أبوابها واندفع الناس إلى بيته جماعات وفرادى، ونعاه قادة الهند وأدباؤها من المسلمين والهندوس على السواء، ويقول عنه طاغور ـ شاعر الهند:
لقد خلفت وفاة إقبال في أدبنا فراغًا أشبه بالجرح المثخن الذي لا يندمل إلا بعد أمد طويل، إن موت شاعر عالمي كإقبال مصيبة تفوق احتمال الهند التي لم ترتفع مكانتها في العالم".
آثاره ومؤلفاته
ترك لنا إقبال ثروة ضخمة من علمه () قلما تركها أحد مات في مثل سنه ومن آثاره ـ أو ما وصل إلينا منها ـ: عشرون كتابًا في مجال الاقتصاد والسياسة والتربية والفلسفة والفكر وترك أيًضا بعض الكتابات المتفرقة وبعض الرسائل التي كان يبعث بها إلى أصدقائه أو أمراء الدول، ذلك إلى جانب روائعه من الشعر والتي استحق أن يسمى بسببها (شاعر الإسلام).
ويقول الشيخ أبو الحسن الندوي: "ومن دواعي العجب أن كل هذا النجاح حصل لهذا النابغة، وهو لم يتجاوز اثنين وثلاثين عامًا من عمره".