الموضوع: بائع الطين
عرض مشاركة واحدة
قديم 07-06-2010, 11:16 PM   المشاركة رقم: 28
المعلومات
الكاتب:
فايز الأشتر
اللقب:
نبع جاري
فايز الأشتر
نبع جاري
 
الصورة الرمزية فايز الأشتر

 تاريخ التسجيل : Apr 2010
 رقم العضويـة : 4350
 مجموع المشاركات : 122
 بمعدل : 0.02 في اليوم
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
فايز الأشتر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : فايز الأشتر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي


-13-
كان كل يوم يمر،مثل اليوم الذي قبله،لا يتغير شيئاً،اجمع الطين في المساء
وأذهب به إلى السوق في الصباح،وأحياناً كنت أبيع كل الكمية،وأحياناً
أخرى تبقى نصف الكمية إلى اليوم التالي،وكنت أعطي زوجة الحارس نصف النقود
التي أكسبها من بيع الطين،حتى لا أكون عالة عليهم،وكانت العجوز ترفض أن
تأخذها،ولكني كنت أضعها في جيبها شاءت أم أبت.
وفي يوم من الأيام حصل ما لم أكن أتوقعه ولا كان ليخطر ببالي،استيقظت
في الصباح فوجدت كل شيء في الخارج أبيض،فقد تساقط الثلج طوال الليل،ولم
استطيع الذهاب إلى السوق من شدة البرد،حتى الطين تجمد وأصبح قاسياً،وقد
غطته الثلوج،وصار من المستحيل تعبئته بأكياس.
غيرت الثلوج كل نظام حياتي،وكنت كل يوم أنتظر أن تتوقف الثلوج،وأعود
لعملي،ولكنها كانت تتساقط بغزارة،حتى ارتفعت بحوالي المتر عن سطح الأرض.
كنت اذهب كل يوم إلى السوق،وأقف بجانب البوابة،ليس لكي انتظر ايمن،لأني
فقدت الأمل منه،ولكن ربما يحتاجني أحد التجار او الزبائن،فأكسب بعض المال
ولكن بسبب برودة الجو،والتي كانت تتجاوز العشرين تحت الصفر،فقد كان أكثر
الأحيان السوق فارغاً،حتى المتسولين واللصوص هجروه إلى مرتع أخر.
كنت أشعر بها تلاحقني بنظراتها كل يوم عندما أقف بجانب البوابة،وكانت
الأبتسامة لا تفارق وجهها عندما تقع عيني بعينها،ولكني حاولت مراراً أن
أبقى بعيداً عنها،فما رأيته من روكسانا جعلني أكره كل الفتيات في هذا
البلد،ولكن مع هبوب عاصفة ثلجية على السوق،وجدت نفسي أرتجف من البرد
بجانبها،في المتجر الذي تعمل به.
قالت:
-لماذا تقف بعيداً عني
- لا أريد أن أضايقك
- تعال وأجلس بجانبي،البرد شديد وسوف تصاب بالزكام
- لا عليك فقد تعودت
- اقترب فأنا لا أكل البشر
ضحكتُ،واقتربت منها،لتعطيني نصف الغطاء الذي تضعه على كتفها،ثم سألتني:
- ما اسمك
- فارس
- فلوري
- مرحباً بك
- اهلاً وسهلاً
ثم صمتت فلوري ولم تعد تقول شيئاً،واسم فلوري يعني "وردة" وكانت وردة حقيقية
فتاة في التاسعة عشرة من عمرها،وجنتاه مثل البرتقال،وعيناها خضراوتان
كبيرتان،فمها صغير،وشعرها الذهبي المتماوج يتراقص على كتفيها،كانت وردة جميلة
جداً،ولكني لم أشعر بها حتى الأن،ربما لكثرة الهموم التي تلاحقني.
كانت فلوري تقيم في المدينة وتأتي كل يوم إلى العمل في السوق،فهي تعمل عند
تاجر صيني كبائعة،ومنذ أن تعارفنا كنت أقضي معظم وقتي بجانبها،حتى رأني
الصيني،وعرض علي العمل عنده في تحميل البضائع من المستودع إلى المحل،ولكن الأجر
كان زهيداً،فوافقت ريثما تتوقف الثلوج،وأعود لبيع الطين.
كانت الايام تمر بسرعة،وكنت سعيداً جداً بمعرفة فلوري،فكنت أمضي معها معظم
النهار،وفي الليل انام عند الحارس وزجته العجوز الطيبة.
لم أكن أعلم أني قد وقعت في حب فلوري إلا عندما أتيت إلى السوق في الصباح
ولم أجدها،فسئلت الصيني عنها،ولكنه هو أيضاً،لايدري عنها شيء،وأنتظرت
قدومها طوال النهار،ولكنها لم تأتي.
لم تغمض لي عين طوال الليل،كنت افكر،ماذا حصل لفلوري?لماذا لم تأتي?
وقبل موعد مغادرتي الطبيعي كل يوم إلى السوق،ذهبت مبكراً،وأنتظرتها عند
البوابة،وبقيت واقفاً أحدق في كل الفتيات التي تدخل السوق،ولكنها لم تأتي
وبين الحين والأخر،كنت اسأل الصيني عنها،فربما دخلت من غير أن أراها،ولكنه
كان يجيبني بالنفي،وهكذا مرت ثلاثة أيام بلياليها من الأنتظار والترقب.
كانت عيناي لا تفارق البوابة،،وفكري مشتت بين همومي
وفلوري التي ضمتني،حلقت بي إلى السماء،نسيت معها همومي وألامي،عوضتني عن الحرمان
أعطتني الحب والحنان،وقلبي دائم الخفقان،شعر معها بالأمان،فأغمضت عيني بهيام
فضاعت كل الأحلام،حبيبتي،قد خطفها الزمان،قدمت له القربان،صرخت ناديت،
سخر مني الزمان،لن ترى حبيبتك بعد الأن،سحرها عفريت من الجان،فتلاشت مع زبد
الشطآن،ارجع من حيث أتيت،قد فات الأوان.
لم استطيع البقاء كثيراً في السوق،فخيال فلوري يلاحقني في كل حركة اتحركها،
عدت إلى بيت الحارس،وأنا محطم،مشغول البال،ارتميت على السرير،ووضعت الوسادة
فوق رأسي،محاولاً الهروب إلى اعماقي الدفينة،لعلي أجد فيها شيئاً يواسيني
فشعرت بشفتيها تلامس أصابعي،وأنفاسها تدق أبواب قلبي،لم يكن حلماً،كانت هي
حبيبت،لم أقول شيء،شعرت بأن القلب الذي توقف،عاد ينبض من جديد،وضمتني
إليها،ثم قالت:
- اشتقت لك
- وأنا أيضاً،أين كنت كل هذه المدة?
- لقد زرت عمتي،وكانت مريضة جداً،فلم استطيع تركها وحدها،حتى تعافت.
- وأنا
- ما بك
- لقد مرضت بسبب بعدك عني،فمن سيبقى بجانبي?
ضمتني بقوة وقالت:
- لن اغيب عنك بعد الأن
- وإذا مرضت عمتك مرة ثانية!
- عندها،سوف نذهب سوية إليها
شعرت أن الحياة عادت من جديد،وكل شيء رجع كما كان،حتى الثلوج،لم تعد
تتساقط بغزارة،وعدت إلى بيع الطين،ولم أكن أفارق فلوري نهائياً،كنت أبقى
بجانبها حتى تركب الحافلة في أخر النهار،وأبقى واقفاً أنظر إليها حتى تغادر
وفي الصباح كنت انتظرها عند موقف الحافلة،وعندما تاتي أضع يدي
بيدها ونمشي إلى السوق.
عشت أيام جميلة مع حبيبتي فلوري،فقد نسيت كل الدنيا،ولم يبقى في عقلي وقلبي
سواها،اتفقنا على الزواج،وأن نبحث عن بيت نقيم به،ولكن بعد أن نجمع بعض
المال،وكانت تحبني كثيراً،فقد كانت تبكي عندما تأتي في الصباح ولا تجدني
بأنتظارها عند موقف الحافلة،فكنت أضمها إلى صدري،وأشرح لها سبب تأخري
فتهدأ،وتعود البسمة إلى وجهها الجميل.
كان الشتاء في أيامه الأخيرة،يحاول عبثاًالبقاء،ولكن الربيع لن يعطيه من
وقته مهما هدده بالثلوج والأعاصير،والشمس كانت تساعده،فقد ملت الشتاء
الطويل،وحنت للبلابل والعصافير.
كالعادة كنت أنتظر فلوري كل يوم في الصباح عند موقف الحافلة،ثم تعانقني
وأضع يدي بيدها،ونذهب للسوق،ولكن هذه المرة جاءت فلوري،وهي حزينة،وقد
احمرت عيناها من البكاء،وبالكاد تسطيع الكلام،فسألتها،ما بك:
_ عمتي مريضة جداً،وقد سهرت معها طوال الليل
- وكيف حالها الأن
- صحتها ليست جيدة،وقد جئت أخبرك بأني سوف أبقى بجانبها لبضعة أيام
حتى تشفى من المرض
- ولكني لا أستطيع البقاء من دونك
- سوف أخذك معي إلى عمتي لكي تتعرف عليك
- هل أخبرتيها عني?
- كلا ،لم أجد الوقت المناسب،فقد كانت مريضة جداً
- أمهليني بضع دقائق كي أخبر الحارس وزوجته،ثم نغادر فوراً.
ودعت الحارس وزوجته العجوز بعد أن أخبرتهم بأني سوف أغيب لبضعة أيام،مع
فلوري،وأخذت نقودي التي جمعتها من بيع الطين،تحسباً لطارئ ما قد يحدث معي.
وبسرعة وجدت نفسي جالساً بجانب فلوري في الحافلة متجهين إلى المدينة،وكنت لم
أرى المدينة منذ شهرين،عندما جئت مع أيمن،وتركني في السوق أعاني الويلات.
كانت فلوري تجلس بجانبي،وهي تمسك بيدي،وكأنني عصفور تخاف أن يطير منها،ويهرب
من النافذة.
نزلنا من الحافلة،ثم ركبنا بأخرى،لأن الحافلة التي تأتي من السوق لا تذهب
مباشرة إلى بيت عمة فلوري،وكنت قد بدأت أتذكر الشوارع التي سارت بها
الحافلة عندما جئت مع أيمن،فسألت فلوري:
- أين تقيم عمتك?
ابتسمت فلوري مع أنها حزينة على مرض عمتها،وقالت:
- لماذا تريد أن تعرف?
- لا شيء،مجرد فضول!
- على كل حال،عمتي تقيم في حي يقع على اطراف المدينة،في منطقة تكتظ بالغجر
وما يضايقني أكثر إنها تقيم بالطابق العاشر،وأغلب الأحيان يكون المصعد
معطل.
فسألتها بسرعة:
_ وما اسم عمتك?
ابتسمت مرة ثانية،وحدقت بي بدهشة،وكنت أتابع حركات شفتيها،وشعرت أن
الكلمة تحتاج يوم كامل لتخرج من فمها












عرض البوم صور فايز الأشتر   رد مع اقتباس