-12-
لم أدري ماذا جرى بعد أن وقعت على الأرض مغمياً علي،ولكني عندما فتحت
عيناي شعرت أني قد نمت لمدة طويلة جداً،واعتقد بأنني نمت يومين أو أكثر من
شدة التعب و الأرهاق ،وكانت معدتي الفارغة تلتصق بظهري من الجوع.
وجدت نفسي مستلقياً على سرير في غرفة صغيرة،مبنية من الطين،وسقفها من جذوع
الأشجار،فأدركت بأنني في بيت ريفي لشخص فقير.
رفعت عني الغطاء الذي غطوني به،وكان عبارة عن بساط أحمر مصنوع يدوياً.
أردت أن أنهض،ولكني لم أستطيع،فقد كنت مقيداً بالسرير.
حاولت جاهداً فك قيدي،ولكني لم أستطيع،فقد كنت مقيداً بإحكام شديد،بدأت
أصرخ،أنادي لعل أحداً يسمعني،ولكن لم يجيبني أحد.
مر الوقت ببطئ شديد،فأنا لا أعلم أين أكون! وماذا حصل لي!ولماذا أنا
مقيد هكذا? ومرة ثانية عدت للنوم،لعلي أستيقظ فأجد نفسي في غير هذا
المكان،وربما أستيقظ من هذا الكابوس الذي يطبق على أنفاسي،ولكني استيقظت
على يد الحارس الذي رأيته في السوق،وأعتقد بأنه هو الذي أنقذني في تلك
الليلة،وجاء بي إلى بيته،ولكن لماذا قيدني?.
فك الحارس قيدي،وتركني وخرج،من غير أن ينطق بأي كلمة.نهضت من على السرير
ولحقت به.
عندما خرجت من باب الغرفة لم استطيع أن أفتح عيناي ،فقد سطعت أشعة الشمس
بوجهي،وكأنني لم أرى الضوء منذ فترة طويلة،وكما توقعت فقد كنت في بيت ريفي
له حديقة صغيرة قد امتلئت بالأوراق الصفراء المتساقطة من الأشجار المحيطة بها
معلنة قدوم الشتاء القاسي جداً في اوروبا الشرقية.
كان البيت عبارة عن غرفتان ومطبخ كبير،والحمام موجود في الخارج بجانب
الأسطبل،الذي يحتوي على قسم للدجاج،وقسم أخر للخنازير،وبقرة كبيرة.
كان الحارس يُقيم في المنزل مع زوجته العجوز،التي لم تستغرب عندما رأتني
أخرج من باب الغرفة،لأني كنت موجود في بيتهم منذ أيام غائب عن الوعي.
ابتسمت لي العجوز التي كانت تقوم بجمع أوراق الأشجار المتساقطة من ساحة
المنزل،وبدأت تكلمني،ولكن الحارس قاطعها بصوت عالي،وأظنه كان يقول لها،ألم
أقل لك إنه لا يعرف لغتنا،وتابعت العجوز الكلام،ولكن هذه المرة مع الأشارات
وكنت قد بدأت أفهم بعض الكلمات،فقد كانت تدعوني لتناول الطعام.
دخلت معها إلى المطبخ،وجلست أنظر إليها وهي تضع الطعام على الطاولة،ثم
نظرت بعيني،وهي تريد أن تقول شيئاً،ولكنها عجزت أن تُفهمني بالأشارة،وفجأة
حملت صحن الطعام الذي وضعته على الطاولة،وجرتني من يدي كما تجر الطفل
الصغير،ومشينا حتى وصلنا إلى الأسطبل،فقد كنت في حيرة من أمر هذه العجوز
ماذا تريد مني ? هل تريدني ان أكل في الأسطبل مع الحيوانات!.
أدخلتني إلى قسم الخنازير،ثم أشارت بأصبعها إلى الخنازير،ومن ثم إلى الصحن
لتفهمني أن الطعام لا يحتوي على لحم الخنزير،وبعد ذلك،أدخلتني إلى قسم الدجاج
وعملت نفس الشيء،لتفهمني بأن الطعام يحتوي على لحم الدجاج فقط.
فوجئت بثقافة هذه العجوز التي تعلم بأننا لا نأكل لحم الخنزير،فشكرتها
كثيراً،لأنني تعلمت كلمات الشكر،ثم عدنا إلى المطبخ،ورحت ألتهم الطعام
بشراهة من شدة الجوع.
بعد أن تناولت الطعام خرجت من المطبخ،وجلست بجانب الحارس،وكنت أحاول
ببضع كلمات تعلمتها أن أفهم منه السبب الذي جعله يقيدني بالسرير
فتشجع الحارس وراح يكلمني ويشرح لي بالكلام تارة وبالأشارات تارة أخرى،وبعد
جهد جهيد،فهمت أنه بعد أن أنقذني من بين الكلاب المشردة،وجاء بي إلى بيته
كنت أستيقظ بين الحين والأخر،وأصرخ بصوت عالي،ثم أطرق على باب الغرفة بكل
قوتي،ولا أتوقف حتى يغمى علي،فقرر تقيدي كي لا أجرح نفسي
وكي يضمن سلامتي أثناء نومه،فشكرته كثيراً،لما فعله من أجلي.
أمضيت وقتي في ساحة البيت،أنظر إلى السوق الذي بدا صغيراً من بعيد،وبصعوبة
بالغة استطعت إخبار الحارس وزوجته العجوز بقصتي،وكيف فقدت أيمن في السوق
فوعدني الحارس بأن يأخذني كل يوم إلى السوق كي ابحث عن أيمن،حتى أجده.
أيقظني الحارس،ولم تكن الشمس قد أشرقت،فتعجبت لأمره!لماذا يريد أن يأخذني
في هذا الوقت المبكر إلى السوق? ولكني عرفت الجواب عندما وصلنا إلى السوق
فقد كان مكتظاً بالزبائن الذين يأتون قبل بزوغ الفجر ليشتروا بضائعهم
ويغادرون قبل أن تزدحم الشوارع.
لم يمضي وقت طويل حتى انتشرت أشعة الشمس بالمكان،وكانت الشاحنات تدخل إلى
السوق فارغة ثم تخرج ممتلئة بالبضائع،أما الحارس فقد كان يعمل في تحميل
البضائع على الشاحنات في النهار،أما في الليل فقد كان يتولى الحراسة.
جلست بجانب البوابة وأنا أراقب كل شخص يدخل ويخرج لعلي أرى ايمن،وقد جاء
ليبحث عني،أو لعلي أرى أحد العرب فيساعدني أو يدلني على المنزل،ولكني
لم أرى سوى الصينيين،وعندما كنت أرى شخصاً يشبه العرب،كنت اركض نحوه
كي أكلمه،ولكني أعود بخيبة أمل،عندما أكتشف إنه تركي أو إيراني،لا يفهمون
من لغتي شيئاً سوى التحية (السلام عليكم،وعليكم السلام).
جاء الحارس ومعه أكياس من النايلون،وطلب مني بأن أذهب إلى بيته،وأملئ هذه
الأكياس بالطين من حديقة بيته،كي يغلق بها مجرى مياه الأمطار عن غرفة الحراسة.
لم اتأخر كثيراً،فقد ملئت الأكياس بمساعدة زوجته العجوز،ثم وضعتها على عربة
صغيرة،دفعتها أمامي،وعدت إلى السوق.
جلست بجانب البوابة،والعربة أمامي انتظر الحارس كي يأتي ويأخذ الطين،ولكن
الحارس تأخر بسبب تفريغ شاحنة كبيرة ممتلئة بالبضائع،فجلست في مكاني أنظر
إلى زبائن السوق،ربما أرى أحداً من العرب يساعدني.
شعرت بالجوع،فقد انتصف النهار ولم أكل شيء،وكنت أنتطر عودة الحارس كي اطلب
منه أن يجد لي عملاً في تحميل البضائع،أكسب منه بعض المال،ولا اكون عالة على أحد
لم أستطيع الأنتظار أكثر،فقررت أن أذهب إليه،فربما يدعني أعمل معه
في الشاحنة التي يفرغها،وما أن تحركت من مكاني،حتى رأيت رجلاً يقف بجانب الطين
ويسأل عن سعر الكيس،فقلت له بكلمات متقطعة،ولكنه فهمها،هذا الطين ليس
للبيع،ولكنه أصر على الشراء،وأخرج نقوداً من جيبه،ووضعها في يدي.
حملت كيس من الطين،وأعطيته للرجل وأنا مصاب بالذهول،تعالي ياأمي لتري
ابنك يبيع الطين،أنا متأكد بأنك لن تصدقي بأن الطين يباع،ولكني أنا
هنا ياأمي أبيع الطين،ومعي نقود استطيع شراء الطعام بها.
جلست مكاني وراء أكياس الطين،ورحت أرتبها الواحد بجانب الأخر،ولم يمضي
وقت طويل حتى بعتها كلها.
جاء الحارس،وهو ينظر إلي مستغرباً،فهو يرى العربة أمامي فارغة،وهذا يعني
أنني ذهبت إلى المنزل،وأحضرتها،إذاً أين الطين?
ظن الحارس بأنني لم افهم عليه جيداً،وقد أحضرت العربة فارغة،لكني قلت له
أني بعت الطين،وطلبت منه أن يأخذ النقود،لكنه رفض،وضحك كثيراً
لغرابة هذا الأمر،وضحكت أنا أيضاً رغم المصائب التي لا تفارقني.
كنت ادفع كل يوم مبلغ من المال حتى يُسمح لي بالوقوف جانب بوابة السوق
لأبيع الطين،وكنت صباح كل يوم أملئ الأكياس بالطين من الأراضي المجاورة
للسوق،وأبيعها بجانب البوابة،ومضت الأيام وأنا أبيع الطين من أجل الزهور
أو لأشياء أخرى،وكنت أمضي معظم وقتي في السوق وعيني تراقب مدخل
السوق،ولكن لم أرى أثراً لأيمن.