الموضوع: بائع الطين
عرض مشاركة واحدة
قديم 02-06-2010, 08:25 PM   المشاركة رقم: 11
المعلومات
الكاتب:
فايز الأشتر
اللقب:
نبع جاري
فايز الأشتر
نبع جاري
 
الصورة الرمزية فايز الأشتر

 تاريخ التسجيل : Apr 2010
 رقم العضويـة : 4350
 مجموع المشاركات : 122
 بمعدل : 0.02 في اليوم
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
فايز الأشتر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : فايز الأشتر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

-10-
انطلقت بنا الحافلة تجوب شوارع المدينة،ولم يمضي وقت طويل حتى نزلنا،وركبنا
حافلة أخرى،لأن الحافلة التي نزلنا منها لا تصل إلى المكان الذي نذهب إليه
وعلى الأقل هكذا أفهمني أيمن.
قضينا أكثر من ساعة جالسين في الحافلة وهي تجوب بنا الشوارع،وأنا لا أدري
أين نذهب،وكانت الشوارع بالنسبة لي كلها متشابهة،لا أستطيع أن أفرق بين
شارع وأخر،وكان أيمن كعادته يجلس بجانبي،مُرخياً رأسه على طرف المقعد
متظاهراً بالنوم.
كانت الحافلة قد خرجت من المدينة عندما توقفت في أخر موقف لها،فنزلنا
لنسير على أقدامنا في شارع تمر منه سيارات كثيرة،جيئة وذهاباً،حتى وصلنا
إلى سوق شعبي كبير جداً،يقع خارج المدينة،تحيط به الأراضي الزراعية،وبعض
البيوت التي يقطنها المزارعين.
دخلنا من بوابة السوق التي تدخل منها السيارات إلى موقف كبير،يكتظ
بالشاحنات الكبيرة التي تُحمل بالبضائع،ثم تنطلق إلى مدن أخرى،فقد كان سوق
كبير للبيع بالجملة.
أول ما لفت انتباهي،هو المحلات التجارية،فقد كانت كلها مصنوعة من الصفيح
ولا يتعدى حجم المحل اربعةامتار طولاً،ومترين عرضاً،ولولا أني على يقين بأني
موجود في اوروبا،لظننت بأن أيمن أخذني إلى الصين.
فقد كانت المحلات تكتظ بالتجار القادمين من الصين،ليبيعوا بضائعهم الرخيصة
في اوروبا،وكان السوق مزدحماً لدرجة كبيرة،لأن كثيراً من أهل المدينة الفقراء
يقصدونه لشراء حوائجهم،مستفيدين من فرق السعر الشاسع بين الجملة والمفرق.
كان السوق عبارة عن صفوف طويلة من المحلات،وكل صف من المحلات يقابله صفٌ أخر
والممر بينهما ضيق كثيراً،مما يساعد على الأزدحام،ويساعد اللصوص أيضاً
في تنفيذ مهامهم بجيوب الزبائن،ومما يزيد الأزدحام أكثر،مرور عربات اليد
التي يدفعها العمال امامهم بين الممرات الضيقة،محملة بالبضائع،حتى أنها كانت
تسد الطريق أحياناً.
كنت أمشي وراء أيمن بهذا الأذدحام،وأنا أشعر بأصابع اللصوص تجسُ جيوبي
ثم تعود خائبة من غير أن تجد شيء.
وقفنا بجانب مطعم صغير،وقد أشترى أيمن بعض فطائر الجبن،ولأن المطعم لا يتسع
سوى للبائع،فقد جلسنا على حرف الطريق نأكل ونحن ننظر إلى الزبائن المارين
من أمامنا،وكأنهم نهر يجري بين الممرات.
لم أمضغ أول لقمة حتى شعرت بها تقف في حلقي،وبدأت أعصابي ترتجف،وجسدي يقشعر
وأنا أشاهد أحد اللصوص يتتبع فتاة تمشي لوحدها،وقد أفرغ كل ما في جيوبها
من غير أن تشعر،وهي تتلفت يميناً ويساراً،مستمتعة بمشاهدة البضائع المعروضة.
لم استطيع ضبط نفسي،ولكني لم استطيع التحرك،فقد كان أيمن يطوقني من خلفي
بيديه،ويستحلفني بالله أن ابقى مكاني.
جلست مكاني ودمي يغلي في عروقي،وأيمن يحاول تهدئتي قائلاً:
- أرجوك يا فارس،لا تتدخل في شيء لا يعنيك،وإذا كنت لا تهتم لنفسك،فكر بي
أرجوك فأن جروحي لم تلتئم بعد،افهمني جيداً أرجوك،فهنا لن يساعدنا أحد
سوف يضربونا ولن يتدخل أحد من أجلنا،لقد جئنا نبحث عن عمل ولم نأتي
لنصلح المجتمع،أرجوك الف مرة أن تبقى هادئ،ولا تحاول أن تنجد أحداً،فمهما
فعلت،فلن تغير شيء،انظر إلى باقي الناس،كلهم ينظرون،ولا احد يتدخل.
لم يقنعني كلام أيمن ولكني هدأت قليلاً،ورحت أمضغ فطيرة الجبن بشدة،وكأنني
أنتقم منها بدلاً من اللصوص.
كنت أنظر إلى الزبائن يمرون من امامنا وكأنني أشاهد التلفاز،بشر من جنسيات
كثيرة،وبين الحين والأخر،يمر اللصوص مسرعين ومعهم حقيبة،قد سرقوها،ثم يقفون
خلف المطعم ليتقاسموا الغنيمة،حتى المتسولين،كانت اشكالهم غريبة ومقززة للنفس
فقد كانوا يمرون من امامي وكأنني أشاهد استعراض كبير،رجل مقطوع الأطراف
تجره امرأة وراءها على عربة صغيرة،وبعد أن تبتعد،يأتي رجل يجر طفلة وقد
حُرق نصف جسمها،ثم يتبعهم رجل اعمى وهو يغني ليستعطف الناس.
كنت اتألم كلما رأيت هذه المناظر،وسألت أيمن:
-أننا نجلس هنا منذ فترة،هل تريد أن تعلمني التسول أو السرقة!
ضحك أيمن وقال:
- أتظن أن المتسولين واللصوص يدخلون إلى السوق من غير أن يدفعوا،وأشار
باصبعه إلى رجل طويل وسمين يقف بعيداً بالقرب من بوابة السوق،وقال:
هذا الرجل يتقاسم مع اللصوص ما يسرقوه،ويتقاسم مع المتسولين ما يكسبوه،
مقابل حمايتهم إذا ما تعرض لهم بطل من أمثالك،وبضربة واحدة يجعله بصل،وهو
بدوره يتقاسم المال مع اخرين يحموه من الشرطة،ولكن اطمئن،فنحن هنا لنبحث
عن محل فارغ كي نستأجره،ونبيع فيه بضائع مثل باقي التجار.
- ولكن ماذا نبيع فيه?
- أنا أعرف تجار صينيين،سوف نشتري منهم بضائع ونبيعها،وسوف نأخذ منهم
البضائع بسعر رخيص.
- ولكن ما هو نوع البضائع?
- لا يهم..البسة..أجهزة كهربائية..أي شيء نبيعه.
- ولكن كيف نستأجر محل تجاري ونحن لا نملك ترخيص!
ضحك أيمن بصوت عالي،حتى لفت انتباه أحد المتسولين الذي جاء يركض،وهو يمد يده
فطرده أيمن،وتابع قائلاً:
- في هذا السوق لا أحد يملك رخصة للبيع.
- هل تسمح لهم السلطات بمزاولة التجارة من غير رخصة!
ضحك مرة ثانية وقال:
-بالطبع لا تسمح لهم أن يبيعوا من غير رخصة،لكي لا يتهربوا من الضرائب
ولكنهم يغلقون محلاتهم ويهربون عندما تاتي الشرضة الأقتصادية،أو عندما
يأتي المفتشين عن رخص البيع.
تركنا مكاننا،ومشينا وسط الإزدحام،نتلفت يميناً ويساراً،بحثاً عن مخزن فارغ
نستأجره،وكلمات ايمن عن هرب التجار لا تفارق تفكيري،فكيف سيهرب مئات التجار
بل الاف التجار،ويغلقون محلاتهم عندما تأتي الشرطة،والزبائن ماذا تفعل!
لا..لا أطن أن هذا يحدث..أعتقد أن ايمن يسخر مني،فلا اعتقد أن سوق بهذا الحجم
الكبير والمستودعات الممتلئة بالبضائع،والعمال والزبائن والتجار،واللصوص.
كل هذا كان يدور في رأسي عندما سمعت صرخةً قوية من أحد الصينيين،وساد بعدها
الصمت لثواني،ثم ارتفعت رؤوس التجار تستطلع الصيحة،وعيونهم تحملق بأتجاه
البوابة،وكأنهم قطيع من الأرانب،قد حلق الصقر فوق رؤوسهم.
فجأة قامت القيامة في السوق،فقد سمعت كثيراً عن يوم القيامة،ولكني هنا رأيته
بأم عيني،أخذ التجار يرمون بضائعهم بسرعة داخل المحلات،وابواب الصفيح تغلق
بقوة فتحدث صوتاً مدوياً،والتجار يتراكضون في جميع الأتجاهات،والزبائن تهرب
من مدخل السوق،فسألت أيمن ماذا يحدث?
فقال: الشرطة الأقتصادية..هيا لنهرب..بسرعة
_ ولكن لماذا نهرب،ماذا فعلنا،حتى اننا لم نستأجر محل بعد!
- المهم الأن اركض وانفذ بجلدك،وأخذ ايمن يركض،وانا اركض وراءه،ومن غير أن
أشعر اصطدمت بأحد الصينيين الهاربين،ووقعت معه على الأرض.
نهض الصيني وهو ينظر إلي بغضب،ثم تابع هارباً،ونهضت أنا أيضاً،ورحت اركض
وراء ايمن الذي اختفى عن عيني بين الهاربين،ولم اعد أرى له أثراً.












عرض البوم صور فايز الأشتر   رد مع اقتباس