الفقدُ يربت رئة و صرير
لا زَال الْغَيهبْ يصيحْ فَوق طَرف خاصرة عقله اليمنى من أعالي رَبوة التفكير وَ ثمة عَزاء يشهق ليذكّره بمن كمّمت رداءها وَ غابت لتغتابها الريح الشمالية و تُهيم سنابل ذكرياته إِلى وَهجِ انحسار هذا الصبـــح وَ جَرة سَوداء تسقط في أرضية عقله ليسـتيقظ من سباته الفكري وَ يحاول بشتى الــــطرق أن يطردها من هذا البلاط . تفرش عينيه جَلوداً مدبــوغة بدبس أزرق وَ وشَاح ذكرى الرمـــادي ذو الخطوط العريضة يبدو كطير قد حلّق فَوق كتف قَدِيسة الخلود . يَــخْرج مِن هذا الجو المشحوُن بذكرياتها و هذا الصباح بقوله : كانت مميزة وَ حُبي لها كقارورة زُجّت بِنفس فَرعون الأخير قبل أن يغرق .
في المقعدِ المقابل له يجلس ناصر صديقه المقرّب : الجمالُ مِنْ أبشع الأشياء التي تأسر الرجال و تبذر الذل في فيافي قلوبهم ، سُبق و أن حذرتك ألا تحب امرأة جميلة و ها أنت مَأكُول تــبدوُ كفزاعّةٍ تُرهب طيور الحقل وَ الوقت قد ابتلع خَطْواتك لِيدعكها بغضب الأرض المالح و تبقى كسيراً حسيراً لحبِ امرأة جعلتك ميّتاً ـ تراءت بسمةٌ مبطنّة بسُخرية جَزلّة على شفتيه .
اضطرمت نيران السأم بجوف طارق بعد أن استعارها ناصر لينفث بيلسان العُطر على الجرح النازف و هناك من يعترض طريق طارق الآن ربما نبض أو ذكريات أو أغنية قديمة تُذكّره بمن رمته بسهام الموْت و رحلت خلف غياهب الضباب لتجعل رئته الثالثة تتسع لنفس واحدٍ فقط قد أطلقته الذكريات للسماء كمظلة عائمة في الجو. من صُلب طهارة حثيث الكلمات يرمق صديقه ناصر الذي يغص في متابعة تبدو مثيرة على شاشة جهازه المحمول : أي ذنب هو ذنبي يا ناصر ...؟ كنت أظن أنني أملك قلب صلباً يقوى على أن ياخذ ثأر والدي من والدها عن طريقها هي ، و لكن قلبي مريض مريض مريض جداً فلا تزال ملامحها كصلاة تنادي بي إليها لأعتقني من كُل نوايا سيئة .
ناصر : حدثتك أكثر من مرّة أنها لا ذنب لها و ليست خطيئتها أنها فقط ابنة لعبد الرحمن الذي تعارك مع أبيك بسبب أراض قديمة عجلّت بتدهور صحة والدك ليسقط جريحاً ثم يموت بعد ذلك ، فهمتك أكثر من مرّة لو أنك حدثت شقيقها " محمد " أو فكرت بحيلة عليه بالرغم من أنني لا أستسيغ الحيل و لكن الحيلة على محمد تبدو أقل جرماً بكثير من الحيلة على ذكرى الجميلة الصاخبة بحب الحياة .
طارق بعد أنْ سحب رجله اليسرى و صفدّها لتبقى اليمنى وحيدة تنهش حيرته المتقدة : كل هذا بسببك ، أنت من أخذت تئن علي كثيراً صارحها و أطلعها على الموضوع ، لو لم أسمع نصائحك السقيمة لكنت في أحضان حبها الآن ..
ناصر يبتسم بلؤم : يبدو أنك نسيت بقية تهديدي لك ، لو لم تطلعها على حقيقتك و نيتك التي تلاشت بعد عشرة لكنت قد أطلعتها أنا فلا تنسَ أن ذكرى صديقتي و يهمني أمرها كأختي " مها " تماماً
طارق بتضجّر تام : لم نستفد شيئاً من إنسانيتك المفرطة هذه إلاّ أنها أردتني قتيلاً و طيلة ستة أشهر و هي تعيش بجوار نشوة الغيم و ترتل أغاني الشتاء
ناصر : اووه يا أغاني الشتاء تبدو طاغية الفتنة بحنجرة الفتيات النرجسيات ـ رفع رأسه ـ هل تعلم أن ذكرى في بيروت الآن ..؟
طارق كظم غيظه : أعلم ذلك ، أو لا تدرك ضيق أنفاسي و تلوث هواء الرياض ..؟
ناصر ضاحكاً رفع حاجبه الأيمن بسخرية : يبدو أنك صنعت الكذبة و صدقتها يا صديقي
طارق يفتح أزارير قميصه العلوية : ياليتني أكذب و ياليتها كانت القاصية ، بل أنها قد أزفت الآزفة يا ناصر ، لم أقوى رغم كل هذه النساء المحيطات بي لم أنسى ذكرى
ناصر : علها مشاعر تأنيب الضمير المضطرمة في ضلوعك ، لعمري أنك قد وصمت ذكرى بصدمات و خيبات ستظل وشماً بأقدارها ليوم يبعثون ..
طارق وضع يده بشعره و يكاد يسحبه و كأنه يقلع ذكراها : ماذا تراها فاعلة الآن و هذا الصباح ..؟ سُخطاً لها ابنة السماء و حفيدة المطر ـ نظر للسماء الصحو و الشمس المتدليّة على المدينة الغاضبة الرياض ـ يا غيث الصحو أيها الهواء الملوّث أُشهدك أنني لم أنساها يوماً منذ الفراق ! فكل العذوق ثمرها ثمرها فقط ..