؛
ابتعلت ذكرى طنين الليل بإعتكافها فيْ محرابها القلم وَ الورق فكتبت :
طَال الفَجرُ الذي تقولْ أيها الطارق
لذا فتشّت عَنهْ في الناحية خاصتُّهُ
فحدثني الليل المُنصرم أنّهُ :
بَعْدَ قَليل سيأتي
وَ لا زَالْ للبعْد قَليل بَقيّه
حتى الآنْ ، لذا فقد خلقت لك فجراً
مِنْ علبةُ الألوان وَ كراسة النرجسيّة رسمت فجرك كوطنٍ
يلج الأفق الرابع عشر ، و يتدلىّ من غيمهِ السكن
فوانيسٌ تُضيء الأموات بقناديلٍ مِنْ وَسن
لتخيف الأحياء الراكضين في زوبعة الشجن
فمتى تنتاب الموتى سَكرةُ الحزن ,
وَ تُثقل أرواحهم و تحنو لعدلِ الزمن !؟
متى تُصاب يا صديقي بالجمود وتخمد الفتن ..!
متى تتخشبْ أهدابك كيْ لا يكونْ الليل وثن ؟
متى يرتديك العدم و يَتلبسّك النسيان ككفن ..
و تنطفئ فيّ وميضك كلّ الشموس !
و تهوي منّ أعلى ذاكرتك الأشواق , و يدفنك الماضيّ ,
و يئدك الحاضر و تتوه فيّ متاهاتِ المستقبل ..!!
ليبتلعك صوتك فلا تقدرْ على الإستنجادِ بأحدٍ ,
تختبئ بالتراب غيرَ أنّ قبرك يضيق بك و يلفظك
تجرب مرةً آخرى أنْ تدفنك فينزاح التراب بعيداً ,
ترتجيّ الموتَ فلا يلتفتْ عزرائيل . . .
تصرخ بأنّات صامتة أنّ ساعدوني فلا يساعدك أحدا ..
تصيح بـصمتٍ أكثر " انقذوني " و لا مُنقذْاً
تتشبثُ أيها العَاجز بأطيافِ اللوحات الثلاث فيسقطن
واحدة تلو الآخرى
هههه
حينها تبرق لك غيمة ذكراي ؟
تُفتّش ملامحي فيّ بقاياَهنّ و لا تجدنيّ ,
تناديني و أتباهى بالصممّ , ولا ألتفت
يعتريك البُكاء و تجرُّك أرواحُ شياطين الألم لأسفلِ الظلام
تُرتّب رجولتك مُجدداً , تحاولُ أنّ لا تموتَ خنوعاً / حسرةً
و لكنك تشهق تمتمات تائهة و تكشف ساقيك للندمِ
و أخيراً تُصغي لقهقهتي الباكية , لتقوّي ضعفك
وتصيحَ مجدداً : أنْ " عوديّ "
فأخذلكَ ولا أعودْ ..
و تصيحَ بصمتٍ أعمق : عوديّ ,
و أبكيكَ هذه المرة و لا أعودْ ..
و تصرخُ حدّ الهلاك : عوديّ ..
و قبلْ أنْ ألتفت وَ أعود
يصيحْ مؤذن يسمى صوتُ الحسم : ألا تذكر أيها الفاني أنْ الأحياء ليسوا حِلاً للأموات ...
اختفى صوتك أخيراً ، أرجوك لا يعوْد على كفِ ريح آخرى ..
وعلى ضريحك مائة ألف ذكرى
و غصن زيتون مُرا ؛.
يكفيك أنْ تعلم أن في حكاية الألوان المائة هذه
ترقد حكاية أخرى لم تستيقظْ بعد
لكن أبطالها يترنمّون فوق أذني طرباً ..
و في لحنِ أحدهم ينام اللون الحادي عطشا
اللون الذي جردّني ، و لم يُنهي ملء رسمته بعد
وَ في جوف ِ حكايتي هذه ـ أيضا ـ
حكاية مُحتضرة شخوصها لم يحصدوا
شرف الدفن حتى الآن ..
و في صدر أحدهم وميضاً مُتقداً
اُختلس مني ليلة المطر الوفير
حينما اعتمرني كمظلةٍ أو قبعّة
لأنني أعجبه عندما تغرق مياديني
و أعجبه أكثر إن تجمّدت بردا ً
و اُبتليت بداءٍ دواءه سُقماً ..
و أنا في هذه الألوان أمحو أولئك
وميضاً وميضاً ..
مطرا ً مطرا ً..
ليلاً و سهراً
أعرفت الآن يا صديقي الميت
لِمََ تنفث حكايتي الملوّنة ًرائحة الموت في كل فصلا !؟
لأنْ فوقها أيضاً
ترقدْ حِكاية أخرى من ألمٍ و سُهداً
تقتات بالفرح الناقص نُهماً
و أبطالها يجوعّون الدواء
و يعيرونني باللا جداء
و أنا في هذا اللون سأطبّب هؤلاء
و سينفذ الدواء ، و أداوي بالهجاء
هل عرفت الآن لم أكتب حكايتي معك
بحرف " سين " من نداء ؟
ليس السُقم دليلاً على حدادي عليك فقط !
أعلمْ أنني فيْ حكايتي هذه قضمت كبد الصمت قضماً
وَ سأعلن الصمت رفضاً و إحتجاجاً
علَى البوح..
عندما يُصبحْ البوح
" إثم مَنِ اتبّع الرَّدى " !
بعض الصمت غواية ـ نعم ـ
و لكن هل قد يغوي الموتى ؟
بعض الثرثرة إزاحة ـ نعم ـ
و لكن هل قَدْ تصل لموتى ؟
تنهيدةٌ تُُحرق شرايين فكرة ذكرى لتتبعها قائلة :
رُبما فثرثرةُ طارق لي تبدوْ كخيطٍ سال من ثغر الملائكة
ذات غفلة
وقعت عينها علىْ أقرب كٍتاب ، كانْ قد أهداه لها طارق ذاتْ عهد
ابتسمتْ مُنتصرة أوْ مُنهزمة فيصعب تحديد المشاعر الآن لأنها مُمتزجّة
يقول العقّاد :
” لسنَا نهوَىْ القراءة لنكتُبّ
و لا لنزدادَ عُمراً فيْ تقديرِ الحسَاب ،
إنَّما نهوَى القراءَة لأنّ لنَا فيْ هَذهِ الدُنيَا حياّةٌ واحدّةْ ،
وحيّاةٌ واحدِةّ لا تكفينَا
و لا تُحركْ كُلّ مافيْ ضميرنَا من بواعثّ الحركَةْ ،
القرَاءةْ وحدهَا هيَ التيْ تُعطيْ الإنسَانَ الواحِدّ أكثرَ منّ حياةٍ واحدَةْ ،
لأنّها تزيدُ هذهِ الحيَاةّ عُمقًاً “
هكذا كتبت يا رفيقي الميت
عندما بعثت لي بكتاب العقّاد " ساعات بين الكتب "
طالما كرهت مؤلفات العقاد النقدية
إلا أنني قرأته علني أستلذَّ فناجين إرتشافك له
و لأن الإنتظار خدعة صنعها من لا يأتِ ، فقد ابتلعت الخدعة
و لظتني فناجين العقّاد الساخنة !
حتىْ سكبتها مُمتعضة ، لأستدركْ حَقيقَة
أمس انتهى بموتك ..
و الغد قادم و في الغياب
حتى الهدوء مزعج
فيْ فوهة الكتاب والديوان ..
لا أجد تاريخاً إني نسيان النسيان
إني محبرة لا تغفو ..شوقٌ بملامحِ إنسان
فكيف تقرؤني و النوارس هاجرت الخُلجان !
فأنا لا أملك إلا قدراً يرقص في كفِ شيطان
حييني يا " أنا " حييني جئتك متأبطة العنفوان
و بشرائع نارسيس سجلّت إنتصاراتي على النسيان
فأنا لا أزال بعض شهر نيسان ...
بل أنا كل نيسان
و كا قال العقّاد لا تكفينا حياة واحدة ،
فهل تتوق بالقراءة يا صديقي الميّت
لحياة آخرى تختلف عن السابقة !
هذا أمل لا أفهمه يا أنت
أملٌ أحمق يجعلني أقول خلاف ما أضمر
يجعلني اتباهى بكل شيء إلا بحضورك
و أمر بقربِ الظلال وَ ظلك يتبعني !!
ستغضب إذا جرحت ظلك بصمت
من هذه الحروف التي تكتسيني بلا وجه حق
لكنني لست أفهم و عليك أن تصبغ هذا اللون !
يا أيها الميت :
يا من يشبه مطراً مدراراً اغدقني قديما ً
ولكنه رحل مع كل الأشياء التي رحلت
عندما علمت باشتهائي لها و أنني أخبىء
كل السعادة في كتبي و أوراقي
شاهقٌ أنت كنجمٍ قدسي
عليه ألا يحيا سوى في السماء و بين النور
لكن النور كبير !
أترى !
وأنت أكبر منه
أترى !
لكن الموت أكبر منكما !
وَ لا تقلقْ يا طارق
لا تكفينا حياة واحدة كمّا كُنت تقولْ ،
فلتقرأ تفاصيل آخرىْ علك تنسىْ الصُخب و تحيا ؛؛
* ليقرؤك مبعوث الأحياء تحيتي و يخُبرك حينما يصل في تمام الحامسة و عشر حقائق
ـ ذلك الذي تنتظره خلف بوابة الأموات ـأنني و عباس محمود العقّاد بُتنا رفقة : ) ..
يتبع