.
الفصل السادس
المواجهة و الحيرة
مرت سنة على تلك الحادثة ، ازداد فيها مرض أمي و لكن علاقتي بذلك الشاب بقيت على حالها لم تتغير كما ظننت أنه سيكون بعد ما حصل .
و في يوم من الأيام ، رنّ الهاتف.
في تلك اللحظة ، دقّ قلبي بسرعة على رنينه و كأنه يبلّغني أن حدثا جديدا ينضاف لدفتر حياتي .
رفعت السماعة بسرعة ، فإذا بصوت مرتبك أرقّ من النسيم يهمس في أذني " أريد أن أتحدث إليك ، نلتقي أمام الكافيتيريا المعتادة."
ارتجف كل جسمي لهذا ، و ابتسمت دون أن أشعر . ووجدت نفسي أهب لملاقاته ، كأنني طفلة تنتظر أن يأتي والدها بقطعة حلوى و يربّت على رأسها لتبتسم في دلال و مرح.
و أتى ، و يا ليته ما فعل .
رفعت رأسي لأرى تألّق عينيه و لمعانهما ، و احمرار وجنتيه و ارتعاش شفتيه و كأنّ الكلمات تثقلهما فلا ترضيان الخروج. صم سلم عليّ و دعاني لنتمشّى قليلا.
هذه عادته ، عندما يريد أن يتحدّث بشيء مهمّ ، يسير و ينظر إلى الأفق الرّحب و يطلق تنهيدة من أعماقه ثم يباشر الحديث عن طموحاته أو مشروعه أو غير ذلك...
لكنه هذه المرة ، لم يفعل . هذه المرّة لم ينظر إلى الأفق بل إلى عينيّ و كأن الأفق رمز لطموحاته و عيناي كتاب سيقرأ منهما موضوعا جديدا.
و لكنه قال :" لا أعرف كيف أبدأ أو من ماذا أقول . كل ما أعرفه أن حياتي تغيرت بلقائك. أنني صرت إنسانا آخر ، أنني نسيت بفضلك سنوات غربتي ووحدتي و حزني القاتل على وفاة والديّ دون أن يتسنى لي حضور جنازتهما . تعلمين أنني كنت بالخارج حين حصل الحادث."
و اختنق صوته و كأنه يقاوم رغبة جامحة في البكاء. و خلت أنا لوهلة أنني أمام طفل يائس من الحياة ، أو أمام حزن أشد من حزني و ألم أقوى بكثير. لكنه واصل حديثه:" أنت ، أنت وحدك من استطاع أن يعيد لإليّ طعم الحياة من جديد ، رغم الحزن الدائم في عينيك كنت دائما تبتسمين ، أنت من شجّعني على أن أستعيد ثقتي بنفسي. لقد علّمتني الابتسام. كنت دائما تبتسمين كأن شيئا لم يحدث أنت حقا قوية و أنا أعتز بهذا."
و لاحت مني التفاتة إلى السماء ، تصحبها ابتسامة بريئة.
قال:" لعلّك تسخرين من كلماتي ، لكن صدّقيني هذه هي الحقيقة ، ما فعلته حرّك بي مشاعر خلتها ماتت و لن تعود. لقد جعلتني أحبّ. آسف ، لم أقصد الإساءة ، أعرف أنك تكرهين المقدّمات لذلك سأكتفي بهذا و أصارحك بما بداخلي.
لقد صرت أحسّ أنك تشاركينني جزءا من حياتي و أتمنى أن تفعلي ذلك حقّا ، أتمنى أن تسمحي لي بمقابلة والدتك و طلب يدك منها .... أنا أردت أن أكون واضحا معك ، أنا..."
و هنا ارتأيت أنه يجب إيقافه عند هذا الحدّ . لقد تمادى كثيرا في طلبه. لم لا يفكّر بعقلانيّة ؟ أنا لا أصلح له بأيّ شكل من الأشكال . أنا ابنة مختلس و هذا سيؤثّر على سمعة مشروعه ، أنا قاضية تعيش اضطرابات في عملها بسبب هذه الفضيحة بلغت بي حدّ الاستقالة. أنا لا يمكن أن أسمح بإعادة التاريخ و تكراره. لا أريد لقصّة أمي أن تتكرّر معي ، لا أريد أن أخسر كلّ من أحبّهم. لذلك لا يجب أن أحبه أو أن أتعلّق به أكثر من حدّ معيّن .
كيف سأفسّر له هذا؟ لن يفهمني ، سيصرّ على أن المظاهر لا تهمّه ، يجب أن أردّ عليه بطريقة أخرى.
ووجدتني أقول قبل أن يتمّ جملته:" أنا لست من تبحث عنها، آسفة. أنت بالنسبة لي لا تتعدى حدود صديق، لا أكثر. آسفة إن كانت تصرفاتي قد جعلوك تفكر بمنحى آخر ، لكن هذا مستحيل."
هكذا دفنت آماله و أحلامه التي أتى يحتضنها و بقي يرعاها طيلة تلك الفترة ، هكذا دفنت مشاعري دون أن أحتاج إلى التأكد منها . لم أعطي لنفسي حتى فرصة التفكير فيما إذا كان شعوري تجاهه حبا صادقا حقيقيا أم مجرّد إعجاب و صداقة أو تعلق لملئ فراغ.
قطعت كل خيط أمل قد يجعله يفكّر في مفاتحتي بالموضوع ثانية .
لكنه قال :" شكرا لأنك اعتبرتني صديقا على الأقلّ ، إن احتجت لشيء تعرفين كيف تجدينني ."
وواصلنا السير ، و أنا أرى حبات لؤلؤ تلتمع في عينيه وهو يداريها . وودعته على عجل دون أن أبدي اهتماما بالموضوع أو بمشاعره . و عدت أهرول إلى البيت.
و عندما وصلت أحسست برغبة جامحة في البكاء . فارتميت على فراشي و جعلت أبكي بحرقة . أليس ذلك ما أردته أنا ؟ ألم يكن اختياري ؟ لم البكاء إذن ؟ هل أسأت فهم نفسي كالعادة؟ و إن يكن هذا أفضل لكلينا.
بقيت طول الليل أعاني الأرق و السّهاد ، و نهضت فجأة لأقترب من نافذتي أتأمل قطرات الندى وهي تنزل في الفجر . و أرى السحب تسألني:" ماذا عن حلمك الجميل؟ أنسيت رغبتك في الارتقاء فوقي و ملامسة قرص الشمس ثم المضي قدما و ملاقاة القمر الفضي و النجوم المتلألئة ؟
لقد أخذتني الأيام من أحلام الطفولة و تحطّمت آمالي أمام أبواب المحكمة حيث بدأت.
الفصل السابع
فرار مجروح
الأكيد أنك تسألين عمّ حصل بعدها . ببساطة صرنا نلتقي في فترات متباعدة جدا. يقتصر حديثنا على أشياء تحدث من حولنا لكن لا تخصّنا البتّة . ثم ، شيئا فشيئا ، انقطعت أخباره عني. لم يكن يجيب على الهاتف و لا يذهب إلى عمله ، قالوا أنه أخذ إجازة .
حاولت أن لا أهتم بالأمر ثم وجدت نفسي أبحث عنه ، و أسأل أصدقاءه فلم أجد جوابا يريحني إلى أن وجدت رسالة موضوعة تحت باب بيتي.
ركضت بسرعة إلى غرفتي ، و أوصدت الباب و جلست على فراشي أقلب الظرف :"
لن أطيل عليكي في هذه الرسالة . فقط أردت أن أدعوك لأمسية شعرية بالمكتبة الوطنية ، سألقى فيها قصيدة من تأليفي غدا ، في الثالثة. و أتمنى أن ألقى منك ردا نهائيا على موضوع سبق و طرحته . أعدك أن تكون آخر مرة ترينني فيها ، بعدها بأسبوع سأسافر إلى الخارج. لقد قبلوا طلبي العودة إلى هناك للتدريس و اكتساب الخبرة . أتمنى أن تحضري حتى أتمكن من وداعك أو أسمع منك سببا لبقائي.
و السلام
ماذا يمكن أن أقول بعد هذا. الظاهر أن الحياة تمنحني فرصة أخرى ، أو أنني سآخذ منه غدا الأمل الذي منحته إياه ، إنه يهرب حتى ينساني ، إنه يطلب وداعي ، يطلب رؤيتي لآخر مرّة كأنه يحتضر .
أتعلمين بماذا أحسّ أيتها الطبيبة؟ أحسّ أنني وباء ينتقل بحرية في هذه الحياة و يصيب كل من أحبوه بالحزن القاتل . لكنني قلت في نفسي : سينساني و يتغلب على حزنه ، فليس أول و لا آخر شخص يحبّ و يفشل في ذلك.
و أتى الموعد ، و جهزت نفسي و خطوت باتجاه الباب و مددت يدي لأفتحه ، فإذا بها تعود إليّ و تأبى أن تمتدّ. و قرّرت أن أتشجع و أن أفتح الباب و أذهب . يجب أن أثبت له أنه صديق عزيز لا أكثر ، و أنّ حضوري لن يغيّر شيئا.
و في نفس تلك اللحظة ، أسمع صرخة اجتثت روحي من أعماقها و احترق لها جوفي.
إنها صرخة أمي . أسرعت لها ، ناديتها ، فإذا بها تتخبط في الأرض تصارع آلام صدرها المبرّحة ، أسرعت أتصل بالإسعاف و أنا أحاول أن أجعلها تتنفّس بانتظام ، ز لكن الموت يا ابنتي لا يمهل أحدا.
إنه دقيق للغاية في مواعيده بحيث نعجز عن إيقافه إذ لا سبيل لذلك.
هكذا رأيتها تموت أمامي ، تنسل روحها من بين يديّ ، و عيناها تنظران إليّ بحنان و خوف.
هاهي تحتضر ، إنها تموت ، تموت لقد ماتت.
و صرخت و ناديتها مرارا و بكيت ووضعت رأسي على صدرها و ترجّيتها أن تنهض ، أن تكلّمني أ ن تسمعني صوتها قبل أن ترحل ، أن تقول لي أنها سامحتني على كلّ شيء حقا ، لكنها لم تفعل ، لم تتحرّك إطلاقا.
و أتت سيارة الإسعاف ، لتجد أمامها جثة هامدة لا تحتاج لشيء غير تقرير طبيّ إعتياديّ للمباشرة بالدفن و مراسمه.
هكذا خسرت كل شيء في لحظة ، خسرت أبي ثم صديقي الوحيد ثم أمي ، أكثر من أحبني في هذه الحياة .
لكنه هو ، أتى ليواسيني ، أتى لتعزيتي و التخفيف عني و لم يفارقني و لو للحظة إلى أن تمّ كل شيء.
كان يأتي كل يوم و يجلب لي معه بعض الأكل و يترجاني أن أقتات ما يجعلني أستمرّ في العيش و يمسح دموعي المتناثرة كالسيول، و يصبرني بكلمات لا تداوي جرحي ، و إنما تسكّن الآلام لبعض الوقت.
و مرت هكذا الأيام بساعاتها الثقال لأجد بعد أسبوع مخاوفي في رسالة ثانية تحت الباب.
لم أمهل هذه المرّة ، بل فتحتها بسرعة ، لأقرأ الآتي:
لم أشأ أن آتي لأودّعك ، لأنني أكره لحظات الوداع و لأن الدموع التي في عينيك تعتصر قلبي و لأنني قرأت في عينيك جوابا واضحا و أنا لا أستطيع تأجيل سفري. آسف على صراحتي ، و أنت في هذه الظروف سأسافر تاركا ورائي أغلى ما وهبتني إياه الحياة. أردت أن تعرفي فقط أنني لا أتخلى عنك ، لكنك من اختار هذا و لا أظنك تتراجعين عنه . أرجو أن تستمري في الحياة بقلب صامد قويّ كما عهدتك . أرجو أن تنال القصيدة إعجابك ن لم أرد أن تفوّتي سماعها و قد كتبتها لك:
فرار مجروح
تأتي و تذهب مثل الخواطر
و قلبي إلى الأشواق ناظر
أين المفرّ من عذاب القدر
إنني أموت أموت أحتضر
لو تسعفني يداها من ظلال الخطر
سأفرّ
سيول و أنهار واحات و أشجار
إني أجري أجري أفرّ
لو تأتيني قطرات المطر
تحملني لبلاد النور
تملأ قلبي بعبق الزهور
تنير دربي للحبور
تستأصل حزني ...فأفرح
تمسح دمعي .....فأمرح
تشاركني الأتراح... تبتسم للأفراح
تلك هي الروح تأتي و تروح
و أنا أمشي أمشي..........
المجروح
بقيت تقريبا ساعة من الزمن أنظر إلى هذه الرسالة ، فلا يغادر بؤبؤ عيني كلمة مجروح.
لقد تهت بين السطور ن همت في الكلمات ، فككت رموزها و فهمت المعاني . ليست قصيدة أراد أن يسمعني إياها ، بل إحساس أراد أن يعرّفني كنهه.
إنه الضياع الذي يسكن الروح بعد أن تفارق أحباءها . إنني أعرفه جيدا ، أقصد ذلك الشعور المحبط بالضياع.
لقد خبرت هذا الشعور مرات على حافة نافذتي ، أمام تلك الخزنة ، في المحكمة و أنا أقدم استقالتي ، عند جثة أمي الهامدة و قبلها عندما نطقت بكلمة صديق.
ماذا يمكن أن أفعل الآن ، إن كنت أنا نفسي ضائعة في هذه الحياة، حائرة في مستقبلي ، حائرة في الآتي الغامض ،حائرة في نظرة الناس القاسية لي .
الضياع ليس تيها في الطريق فقط ، بل ضياع الروح أكبر و أعتم. إنه أن تمشي و تمشي دون هدف ، إنه أن تسلك طريقا في حياتك ، أن تختار في العتمة فتظلّ الصواب ، هو أن تجد نفسك وحيدا في الدنيا و الناس من حولك.
يئست ن أجل أحسست أنني بائسة من بؤساء فيكتورهيقو ، أنني وحيدة على سطح الأرض التي فقدت والديها و أصدقاءها و عملها . فماذا بعد؟
كنت أتذكره ن فأحس بالذنب ، و أوعز ذلك للشفقة. أقول ربما كلمة مجروح جعلتني أحس أنني ظلمته ن كسرت قلبه ، خنت مشاعره ، أقفلت بابا في وجهه. لكن الحياة مستمرة ، سينسى ذلك مع الوقت ن سيجد من تستحقه و لا تكون ابنة مختلس مثلي و قاتلة أمها.
أنا قاسية؟ لن أدافع عن نفسي لكنني سأقول أن قسوة أمي عليّ جعلتني أفتقد حنانها و فاقد الشيء لا يعطيه ، أليس كذلك؟
كنت كلما تذكرته ، قرأت الرسالة:" أرجو أن تستمري في الحياة بقلب صامد قويّ".
طبعا سأستمر ، لن انتحر ، لن أنهي حياتي لن أتوقف من أجل أحد لأن أحدا لم يوقف حياته من أجلي حتى هو سافر و تركني قبل أن يسمع كلمتي الأخيرة. كلماته تبعث فيّ أحيانا الأمل لدقائق ليخبو بمجرّد خروجي من غرفتي.
و الآن ، لا بدّ لي من إيجاد عمل ن لا بدّ أن أواصل طريقي ن فالرحلة طويلة و شاقة. سأبدأ حياتي من جديد ، سأعمل سأحقق ذاتي ، سأعيش بمالي الحلال و أترك بيت المختلسين بلا رجعة.
و طفقت أبحث عن وظيفة محترمة بإحدى الشركات ، إن شهاداتي العالية في الحقوق قد تؤهلني لأكون مثلا مستشارة قانونية بإحدى الشركات . أو ربما أجد نفسي في شيء آخر لا أعرف بالضبط ، لكن الأيام كفيلة بإيضاح المستقبل.
و عثرت عليها بعد بحث طويل و صبر جميل ، مشرفة على قسم الشؤون القانونية بشركة محترمة للهندسة المعمارية . ليست بداية سيئة بالتأكيد.
لقد ارتحت كثيرا في تلك الوظيفة . بصراحة ، في البداية كنت أكثر من خائفة، كنت وجلة مرتعبة ، إنني أختلط بالناس من جديد ، ابنة المختلس و القاضية السابقة ستصبح جزءا من المجتمع بعد أن استقالت منه.
لكنني يا ابنتي اكتشفت أن هنالك من لا يهتم بتاريخ الماضي و لا يسأل عن شيء . ترى هل لأنني من مدينة أخرى ؟ ألم تصل الأخبار إلى هنا؟
و اندمجت مع زملائي في العمل و تحولت شيئا فشيئا من إنسانة متقوقعة ن منغلقة على نفسها إلى أخرى مختلفة تماما ، متفتحة ، متفهمة ، تحس بعذاب الآخرين و ترحمهم و تجد الأعذار لمن أذنب بعد أن كانت تدين المذنبين بلا رحمة.
هكذا تذكرته من جديد. لأكون صادقة ، أنا لم أنسه للحظة في حياتي ، بل أنام و أصحو على ذكراه.
لماذا لم أنسه؟ لماذا أشعر بشيء بداخلي لا يوصف ؟ بشيء لا أعرف طبيعته ؟ شيء يخنقني حدّ البكاء ، ثم أشعر برغبة في تذكر نبرات صوته ، في رؤيته ، فأخذت صورة مدرسية قديمة و تأملتها ثم أعيد قراءة الرسالة بعين دامعة.
أنا أفتقده ؟ لن أنكر هذا. صحيح أفتقده كثيرا لدرجة القلق و الأرق و السهاد. أفكر ماذا فعل في حياته. إلى أين وصل في طريقه التي اختارها؟ يفصل بيننا بحر شاسع يجعلني أعجز عن الاعتذار ، أريد أن أعتذر على كل كلمة قلتها ، كلمة أحسست بعدها بالضياع .
لا تنظري لي هكذا أنا أعترف يا ابنتي و لا أخجل .
مع طلوع فجر كل يوم ، أتأكد من أنني خنت قلبي ، من أنني كسرت جزءا من روحي من أنني مذنبة بحق نفسي.
لقد أحببته كثيرا ، بل إني أحبه أكثر من أي شيء.لكن أين هو؟ لو أراه فأعتذر ، هل يسامحني؟
لكنني لم أفعل شيئا غير أنني قلت له أنه صديقي فحسب. و هل هذا قليل؟
كم أريد أن أبحث عنه ، أن أعترف له بما في قلبي أن أنفجر بالحقيقة على مسامعه ، لكن عزّة نفسي لا تسمح لي.
ها أنا ذا من جديد ، أصرّ على العناد . أيّ نخلة لم يهزّها ريح؟
الفصل الثامن
الصدفة مرة أخرى
الآن تمرّ السنوات ، لتطوي سنوات أخرى ، ليتقدم العمر . أربع سنوات مرّت على سجن والدي و لا أعرف عنه شيئا ، و سنتان مرّتا على وفاة أمي .
إنّ العمر يمرّ و يتقدّم بأسرع مما اعتقدت . لكن مفاجآت الحياة لا تنتهي أبدا ، فكل يوم بقصة و كل قصة بحكمتها و تقديرها.
من يستطيع أن يتكهّن بالمستقبل ؟ من يستطيع أن يقف في وجه القدر عندما يشاء أن يفرض أقداره؟
وجدته . وجدت الأمل الضائع مني ، وجدت قبس الحياة و نورها وجدت قلبي ، وجدته.
كانت لهذه الشركة التي أعمل فيها ، علاقات خارجية من أجل تطوير وسائل العمل و الخطط التنفيذية و لذلك يقومون بإرسال مستشارهم القانوني صحبة ثلّة من المهندسين لتبادل الخبرات و التشاور في أمور العمل.
هكذا وجدته ، الأكيد أنك عرفته.أنه المهندس المبتدئ الذي كان يريد فتح مكتب صغير للهندسة. هاهو الآن مدير قسم بشركة كبيرة بالخارج ، لقد شق طريقه بنجاح ، الظاهر لم يؤثر جرح قلبه في عمله و لا في مستقبله ، هل نسيني؟
كل تلك الهواجس التي اعترتني أول ما رأيته اضمحلت في لحظات بابتسامة عذبة لاحت منه وهو ناظر إليّ و يتقدّم مرحبا بي في حرارة.و قال:" مرحبا بصديقتي ، كيف حالك؟"
هكذا وجه لي خنجرا حادّ الشفيرة إلى صدري ، أحسست أن الجرح ينزف بعمق ، لكن من قلبه هو، ينزف سخرية و استهزاء ممزوجا بحرقة الماضي.
و خانتني الكلمات ، فاختنقت و اختنقت ، ومددت يدي أسلم عليه ، ثم تمالكت نفسي و قلت في حشرجة :" الحمد لله أحسن بكثير ........صديقي..."
و تواصل التعامل مع تلك الشركة ، فتعددت لقاءاتنا . كنا نتبادل نظرات حارقة في البداية ، نظرات ملتهبة فتحسّ أن كلينا يود الانفجار في وجه الآخر . ثم أصبحت نظرات فاحصة لأثر الزمان على نفسينا . ثم كلمة من هنا و أخرى من هناك تحولت نظراتنا إلى عتاب قاس جارح .
لن أتذمر ، لن أشتكي من الألم الذي أحسه عندما يرميني بسهام نظراته القاسية.
كانت أحاديثنا في خلاف ذلك سطحية جدا . و سألني ذات يوم:" لم لم تتزوجي إلى الآن؟
نظرت إليه مستغربة ، حقا لم أفكر في هذا الموضوع و لو للحظة ، لكنني أجبت:" لم أجد شخصا مناسبا يفهمني دون أن أتكلّم ، يواسيني حتى عندما أجرحه ، شخصا لا يهمه الماضي ، بل فقط ما أنا عليه حاضرا . و أنت؟"
هنا أجابتني إحدى الزميلات :" هذا شيء خيالي لا يوجد رجل بهذه الصفات في أيامنا هذه. لقد أخذت المادة معها كلّ شيء. المشاركة الفعلية صارت كلاما و نظريات فقط لا غير."
فقلت :" ليس صحيحا، كل شيء نسبي في الحياة . سأجده يوما."
ابتسم هو في لطف و كأنه فهم من كلماتي أنني أعتذر ، لكن كالعادة اعتذار ضمني لا يضع أنفي في التراب ، اعتذار بين السطور فقط. هذه أنا أأبى الاعتذار حين تكون عزّة نفسي في الواجهة.
قال:" ليس هناك من تستحقّ."
قالها بكل برودة دم ن و بكل هدوء . هل أنا سيئة لهذا الحدّ.؟
لكنه واصل الحديث بعد سكوت طويل:" كانت هناك واحدة تستحقّ فعلا، لكنها..... لكنّ قلبها لم يكن ينبض من أجلي حسب ما قالت."
فانطلق لساني بالسؤال:" و أنت هل مازل قلبك ينبض من أجلها . آسفة.....ربما تجاوزت حدودي، إنسى الأمر.."
" لم تتغيري أبدا."
" ماذا؟"
فقالت زميلتنا:" كأنكما تعرفان بعضكما منذ زمن طويل."
فاستدرك هو الأمر قائلا:" لا شيء الأحسن أن نعود إلى الاجتماع انتهت فترة الاستراحة...."
قالها كمن أراد أن يبتلع كلماته و يعيدها إلى جوفه و أنا التي تمنيت أن ينطق ، أن يقول أنه قد صفح عني.
و بقيت طيلة الاجتماع هائمة صامتة، أختلس النظر إلى عينيه لأقرأ فيهما أسئلة كثيرة هي تقريبا نفس أسئلتي. أتساءل عن عبث الزمان بقلبينا و ما إذا بإمكاننا أن نصلح الأمر أم أنها صفحة و طويت كما تطوى باقي صفحات حياتي. الشيء الوحيد الذي أريد التأكد منه هو ما إذا كانت هناك رواسب من ذلك الحب القديم أم أنه صار مجرّد ذكرى.
لن أختلق الأعذار لنفسي ، فقط أردت أن أعبر عن فداحة الخسارة التي أحس بها.
و ذات يوم ، سمعت خبر عقد صفقة جديدة محورها دمج الشركتين ، أو بالأصح شراء تلك الشركة العالمية للشركة التي أعمل فيها في نطاق توسيع أعمالها و استثماراتها. كنت خائفة من فقدان وظيفتي في البداية إلى أن أتتني دعوة لحضور حفل بهذه المناسبة و تشير الدعوة إلى أن الشركة الجديدة لم تستغني عن الموظفين القدامى.
و فوجئت به في الحفل يعتلي المنصة و يقدم نفسه معلنا عزمه على تقديم قصيدة هدية بسيطة لتوسع استثمارات الشركة و آفاقها.
خفق قلبها حينها كما خفق عند كل مرة قرأ فيها القصيدة الأولى . و ها هو يقف بقامته المنتصبة و ينظر إليّ في هدوء ، ثم يبتسم.
هذه المرة ، لم تكن ابتسامة سخرية ، بل هي تلك التي أفتقدها بشدة . أنها ابتسامته الحنونة المليئة بالمعاني و الصدق. و قال :"
عودة أمل
أمل يعود
يمسح دمعا بالأخدود
روح تعود
ترى عبق الورود
أمل جديد
لحن مجيد
نور سعيد
حياة جميلة
لروح كانت عليلة
بسمة عادت
لشفاه سكتت
ضحكة ملأت
قلوبا ذبلت
....
هكذا الحياة
خوف ووجل
يأس فأمل
و أعود بلا كسل
للحياة شابا عنيد
شابا سعيد
إنه أمل يعود
يمسح دمع الأخدود
شكرا
كان في كل مرة ينطق فيها بكلمة ينظر إليّ متفحّصا تأثيرها فيّ . و أخيرا ابتسم لما رأى حبات اللؤلؤ تتدحرج من عيني في خجل و أنا أداريها .
ثم نزل من على المنصّة الشرفيّة و توجه ليسلم على زملائه الذين وقفوا مصفقين له بحرارة و اندفعوا ليعبروا له عن إعجابهم بما ألقاه على مسامعهم.
فسمعت أحدهم يقول:" لقد عادت البسمة إلى شفتيك منذ أيام. و ما إن سمعت القصيدة حتى فهمت أنك قد عثرت على أملك الضائع."
هنا اشتد خفقان قلبي ، لن تغيب عني معاني كلماته، لكن بقي أن أتخذ أنا خطوة مهمة و حاسمة لهذا الموضوع. أجل ، أنا التي التزمت الصمت ، أنا التي كنت كتومة معه ، أنا التي كنت جبانة أمام قلبي ، يجب أن أقهر هذا الضعف الأنثويّ بداخلي . يجب أن أكون أكثر جرأة و شجاعة ، هذا ما يتطلّبه الأمر ليس أكثر.
و فكرت كثيرا ووجدت أنني ربما لا أكون قادرة على المواجهة المباشرة وجها لوجه. لذلك قررت كتابة رسالة ، عن لقيت صدى لديه ، فهذا يعني أن الأمل الذي تحدث عنه الآن لم يكن سواي أنا.
و أخذت القلم لأكتب ، لكن يدي صارتا ترتعشان كثيرا و خانتني أصابعي فما قدرت على كتابة شيء.
ثم قلت في نفسي سأستغل كل ما يأتيني من إلهام و من الكلمات و أحاول صياغة قصيدة . أكيد أنني سأرتكب الكثير من الأخطاء لكن على الأقل أحاول:"
حبي لك
حبي لك نور يضيء شمعه
حبي لك عين تبعث دمعه
حبي لك قلب يحترق ولعه
حبي لك شمس تنضج ثمره
حبي لك سماء تحمي زرعه
حبي لك تيه يرسم دمعه
...
لو تراه تعرف قلبا
لو تلمسه تشعر سحرا
لو تشمه تلمح عطرا
لو تسمعه تحس صدقا
....
إنه حبي لك يملأ الوجود
إنه حبي لك يمسح دمع الأخدود
إنه حبي لك.....
ماذا يمكن أن أقول أكثر من هذا في رسالتي .
هذه الكلمات كافية ، بل أكثر من كافية ، إنها تصريح واضح بأنني أود أن أكون الأمل الذي يمسح دموع خده و البسمة التي تفرح قلبه و الضحكة التي تملأ الأجواء بعدما سكتت.فماذا أكثر من هذه الجرأة؟
و بعثتها موقعة باسمي ، حتى لا أظل الطريق مرّة أخرى ، حتى أستعيد ما كان لي و أضعته في لحظة غباء تواصلت لسنتين.
ستقولين أنني جريئة و أنها خطوة مهمة.
سأرد عليك بأنني كنت أجبن مما توقعت . فانا لم أذهب بعدها للعمل ، بل أخذت إجازة لأسبوع.
لقد شعرت بالخجل مما فعلت . فما هذا بتصرّف فتاة ناضجة في مثل هذا العمر. بل هو تصرف مراهقة طائشة لكنني قلت :" ربما يكون الطيش أحيانا مفيدا.
و مر يومين ، كنت فيهما كمن تنام على خشبة ملتهبة و تمشي على جمر حام. هي أيام تمرّ دون معنى أعيش فيها على الماضي و لوعة الانتظار تقتلني و ألف هاجس يعترضني . لو اعرف فقط ماذا يفعل الآن و فيما يفكّر.
و ملأت الهواجس رأسي ، الأكيد أنه يتّهمني بالكذب و النفاق ، يظن أنني طائشة و مراهقة ، الأكيد أنه لن يلتفت إليّ ، لقد تغيرّ من ناحيتي. لو كان صادقا معي فلماذا لم يتكلم إلى الآن ، لماذا لم يجب و لو برنة هاتف.
كم أود أن أقتلع هذه المشاعر التي تسبب لي هذا الألم ، أن أنتزعها من جذورها و أرمي بها في حفرة عميقة ليس لها قرار. لم لا يرن هذا الهاتف اللعين ؟ سأنسى أمره ، لا يهمني عذابه ، لا تهمني كلماته ، لا يهمني إن بقيت عانسا أن كسرت قلبي ، فهو في النهاية مكسور منذ البداية ، لقد عانى بما فيه الكفاية . إذهب أيها الحبّ من قلبي و دعني أعيش بسلام ، لا تزد عليّ قهر الدنيا و خطاياها ، أتركني لحالي فأنا قد شربت كأس المرارة لآخرها و هذا يكفي ، دع تلك القطرات الراسبة في قعر الكأس لا أريد تجرعها.
أنا جننت أم ماذا؟ ما الذي يعتريني ؟ إنها الوحدة . لأول مرّة أحسّ بأنها قاتلة خانقة أكثر من اللازم.
هكذا يا ابنتي عرفت معنى أن تصاب بالجنون ، حالة نفسية غريبة ن وهم كبير يدخل رأسي فأحلم و أتألم و أفرح و أكلم نفسي في المرآة في الآن نفسه. تولّدت لدي قناعة حينها أنني بحاجة لطبيب نفسيّ و إلا سأصل لمبلغ الجنون الذي لا دواء له."
لم أستطع تحمل كل ذلك و قررت فعلا زيارة طبيب نفسي. ترددت كثيرا قبل دخول العيادة ن لم أكن أتصور أنه سينتهي بي المطاف عند طبيب المجانين. كنت خائفة من أن يراني أحد يعرفني هناك.
سألتني السكريتيرا:" ما هو اسمك بالكامل و سنك و عنوانك و هل هذه أول مرّة تقابلين طبيب نفساني ؟
" أنا ...أنا...لست مجنونة أو مريضة ، في الحقيقة أريد أن أقابل الطبيب لسبب شخصي."
ابتسمت المرأة في مكر و قالت :" كلّهم يقولون هذا في البداية ، ليست مشكلة يا عزيزتي ، نحن هنا نحتفظ بالسرية التامة ."
هكذا وجدت نفسي أدلي بالبيانات اللازمة و ادفع الأجرة ثم أدخل إلى ذلك المكتب الذي أسميه بوابة الحقيقة.
كنت أرسم للأطباء النفسيين صورة غريبة ، أناسا مضطربين قد لا يختلفون كثيرا عن مرضاهم في حالاتهم العقلية. لكنني وجدت الهدوء يسود المكان و رجلا لطيفا يقول:" تفضلي يا آنستي ، أتمنى أن تتصرفي على راحتك ، ربما تودين التمدد على الكرسي و التكلم عما يضايقك . إن أردت أغمضي عينيك كي لا تشعري بالإحراج ن لكنك ستتعودين سريعا على هذا أؤكد لك هذا. دائما المرة الأولى في أي شيء تكون صعبة."
و لاحت منه ابتسامة جعلتني اعتقد أنه عليم بما أخفي. تمددت على ذلك الكرسي المخصص للاعترافات و أغمضت عيني ليمر شريط حياتي أمامي. قال لي:" أريد ان أسمع منك وصفا لما ترينه و أنت مغمضة العينين." فإذا بي أقول:"أنا التي جعلت نفسي أتعذب ، أنا سبب كلّ هذا. أرى أيام طفولتي ن ووهمي الكبير ، أمي لا تحبني و تقسو عليّ و ترسّخ ذلك لديّ كحقيقة لا تقبل الشكّ. بل ذهبت لأبعد من ذلك لأصدق تخيلا زائفا مفاده أنني لست ابنتها . ثم عشت عذاب الضمير المهني و عذاب أن أكون ابنة خائنة ، ثم عذاب أن أفقد صديقا اعتبرته جزءا من حياتي، بعدها أما الله أعلم إن ماتت وهي راضية صافية القلب أن تحمل شيئا من الحقد تجاهي.
أحس أن قلبي ينتفخ و ينتفخ و كأنه سينفجر. لم أعد أفكر إلا في شيء واحد . أن يرن الهاتف ، أن يوصل لي الباب رسالة أو يستقبل دقاته لأفتح له مبتسمة . لكن لا شيء يحدث ، إنه فقط الإنتظار و الإنتظار لساعات لأيام تصبح مثل الشهور ، بل إنه الدهر يسخر مني و يطوي أيامي بتأن ليذيقني لوعة الإنتظار. "
و فتحت عيني عندها. فرأيته يجلس بقربي و الاهتمام باد على وجهه .ثم قال:"اهه، أنت إذن تعانين من ترسّبات الماضي ."
و شرحت له شيئا فشيئا ما حدث بالتفصيل فقال لي:"سنرى ما يمكن أن نناقشه بشأن هذا في المرّة القادمة ، أما الآن فسنكتفي بدواء للأرق و مهدأ خفيف المفعول."
حتى الطبيب لم يهتم كثيرا ،سأبقى أذهب كل مرة إليه لأكشف له أسراري و أزيده فوق ذلك أجرا دون أي نتيجة. ما نفع المهدئات معي ؟ أنا هادئة .
و قررت العودة إلى العمل ، يجب أن أنسى أحلامي التافهة و ألتفت إلى شغلي ، يجب أن أطوي الماضي أو ترسباته كما يقول . سأصبح جيدة بعدها ، هذا هو الدواء النافع .
دخلت المكتب و كأنني أدخله لأول مرّة .كنت أحس بالخجل ، خجل يعتريني من رأسي لأخمص قدميّ و كأن كلّ من في المكتب يعرف ما فعلت و قرأ ما كتبت.
لم أستطع فعل شيء ، كنت أنظر في الأوراق أمامي كأنني أنظر إلى بياض السحاب ، تائهة في السطور ، في الأحرف ، عاجزة عن تمييز الصحيح من الخطأ و عن فهم محتواها أصلا.
لا أعرف كم مرّ على دخوله، أو إن مضت دقائق على وقوفه أمامي لكنني انتبهت لوجوده لما أطلق صوت حشرجة ثم سعال قويّ اجتثني من هيماني.
ثم قال:" هل تسمحين لي بدقائق من وقتك ؟ لو سمحت."
و نهضت دون وعي ، ثم سرت وراءه كما تتبع الخراف صوت الناي.
و مشينا جنبا إلى جنب في طريق طويلة ، دون كلمة واحدة . ثم دخلنا مطعما صغيرا على ناصية الطريق . قال لي :" لن تمانعي إن دعوتك للغداء.؟ "
انتبهت حينها إلى أن الساعة صارت منتصف النهار ، كم مضى من الوقت على هيماني في المكتب ؟ غريب أنني لم أحس بمرور ثلاث ساعات بأكملها.
دخلت المطعم دون أن أنبس ببنت شفة . كنت كمن عقد صفقة مع الصمت. و جلسنا إلى إحدى الطاولات نختلس النظر إلى بعضنا. لم يجرؤ أحدنا على قول كلمة في البداية لكنه بصراحة كان أجرأ مني فيما بعد.
قال لي و كأنه قد انتظر كل هذا ليستجمع شجاعته :" قصيدة جميلة ، كلمات مؤثرة لكنها مملوءة بالأخطاء خاصة في الوزن الشعري ، كما أن بعض الكلمات غير متناسقة تدلّ على عجز في الاختيار أو تراكم للكلمات في ذهنك حينها أو لعلّ الكلمات تاهت منك.
أنا أقول لك رأيي بصراحة . إنها تستحق أن تنشر في إحدى الصحف دون مجاملة لكن يلزمها بعض التعديلات الهامة ."
هل يسخر مني بكلامه هذا؟ ألم يفهم بعد؟ أم تراه يدعي ذلك؟
اكتفيت بابتسامة شاحبة و قلت:" يجب أن أذهب الآن ." ورددت في نفسي :" أنا لم أفكر في كتابة شعر بل لا أعرف كيف كتبت ذلك."
: لكننا لم نتغذى بعد."
" آسفة ، تأخرت و علي أن أعود ، لدي الكثير لأفعله . و نهضت كاليائسة و هممت بالانصراف . و إذا به يمسك يدي و يقول:" انتظري ، لا أريد أن يغادرني الأمل بعدما وجدته ثانية."
و تجمدت في مكاني و اغرورقت عيناي بالدموع ، بقيت واقفة أعجز عن الالتفات كمن تعاني الشلل.
و لكنه استطرد :" أردت فقط أن أجعلك تتكلمين و تفصحين عما بداخلك ، لكنك لا تتغيرين أبدا . دائما كتومة ، و كتومة جدا أيضا."
و ضحكت ، حقا ضحكت و التفتت إليه فإذا به يشرق بابتسامته الدافئة ، و صوته الحنون العذب. و قال :" هل يمكن أن تجلسي ، و تشاركيني الغداء ، إنه آت قريبا لقد أوصيت على طبقك المفضل . ما أجملك حين تبتسمين."
ثم قال:" لم أنسك في غربتي لحظة واحدة ، و كنت أتساءل عن حالك كل يوم ، لم أتركك كنت دائما جزءا من كل شيء ، غريب أنني أصفح عنك بعدما كسرت قلبي ذلك اليوم.
:صديق" هكذا قلتي لي يومها ، فهل تراني مازلت كذلك ؟ كان شيء بداخلي يقول أنني لا يمكن أن أكون كذلك بالنسبة لك ، لكنني حاولت. رؤيتك في تلك الحال أثبتت لي أنني لا أستطيع أن أكون صديقا ، آسف لأنني تركتك في تلك الظروف."
فخرجت من بين شفتي كلمات خجولة ، لكنه القلب يتكلم في مثل هذه المواقف :" ربما كنت صديقا ، لأنني لم أقدر على فهم نفسي في تلك الفترة العصيبة من حياتي ، الآن أشعر أنك يمكن أن تعوضني عما فقدته بسبب الماضي."
و أتى الغداء في تلك اللحظة ، دائما في الوقت غير المناسب . سبحان الله لا يتغير حظي حتى في لحظات السعادة.
لم أحس برغبة كبيرة في الأكل مثل ذاك اليوم ، لم أحس بالجوع الشديد و الرغبة في أكل كل ما هو متوفر أمامي من أطباق شهية مثل تلك اللحظة .لكنني خجلت من نفسي. و أمسكت عن الأكل.أيعقل أن أبدو أمامه أكولة و حمقاء.
لكنه قال:" أشعر بجوع شديد كأنني لم آكل منذ أيام ، فلا تضحكي علي إن التهمت كل شيء." ثم ختم قوله بضحكة ملأت الأجواء لدرجة أن كل من في المطعم التفتوا إلينا."
فقال:" أنا آسف أيها السادة ، عفوا......."
و هنا بدأت أضحك في لطف ، ثم نظر هو إليّ و انفجر ضاحكا ، محاولا كتم صوته .
تمنيت أن يتوقف الزمن في تلك اللحظة فأواصل حياتي ضاحكة ، أعوض ما فاتني و أدخر شيئا للآتي.
و تحدثنا بعد ذلك ، ما يقارب ساعتين نسيت خلالهما أن لديّ التزامات في العمل و نسيت أنني لم أطلب رخصة للخروج كذلك.
لكن ذلك لا يهم ، لأنني أخيرا وجدت ما يضمن لي أن أضحك من أعماق قلبي مستقبلا ، وجدت ما ينهي قصة الألم و المعاناة.
لقد تعلّمت يا ابنتي أنه في أحلك الأوقات و أشدّها قسوة لا بدّ لنا من الأمل.
اليأس لا يوصلنا سوى لطريق الألم و الظلام الدامس إنه ظلام الروح، أما الأمل فهو شمعة تنير الدرب و تجعلنا نتمسك بالحياة و إلا لكنت فكرت بالانتحار منذ بداية قصتي.
الصبر و الأمل هما اللذان أوصلاني إلى طريق السعادة. الصمود أمام ما قد يعتريك من خسف الزمان. لا يمكن أن أصف مقدار سعادتي يومها ، لأنها كانت سعادة حقيقية ، فمجرد ذكراها تجعلني أبتسم و أفرح من أعماقي
في انتظار ردودكم و بعدها ساكمل الحكاية