![]() |
قراءة في مقدمة ابن خلدون
قراءة في مقدمة ابن خلدون كتب ابن خلدون كتابه الموسوم ب- " العبر وديوان المبتدأ والخبر" وهو تاريخ أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر من سبعة أجزاء، والجزء الثامن فهارس الكتاب، وقدم هذا الكتاب بمقدمته الشهيرة وهي دراسة شاملة لفهم مختلف شؤؤن الحياة تناولت علوم الاجتماع والاقتصاد والشريعة والفقه والتاريخ والفكر والسياسة وغيرها من العلوم. وقد ترجمت هذه المقدمة إلى كثير من اللغات العالمية، وبهذه المقدمة علت مكانته وشهرته فقد حظيت المقدمة منذ أن وقعت عليها الأنظاربعناية المفكرين والباحثين والمؤرخين وعلماء الاجتماع و الفلاسفة عرباً ومستشرقين. قبل أن ندخل في المقدمة نورد شهادات كبار المفكرين يالإشادة بفضل ابن خلدون، فلاديمر ألتش لينين :وتسفيه بعض مفكري العرب له. الفيلسوف الالماني فريدرك هيجل وابن خلدون عندما نقرأ لهيجل عالم الإجتماع الألماني الشهير نرى أنه اقتبس كثيراً في أبحاثه في علم الاجتماع من مقدمة ابن خلدون عن الديالكتيكية كمنهج أساسي في قيام الحضارات وسقوطها وهذا ما أشار إليه ابن خلدون في مقدمته. حيث سبقه ابن خلدون وقد أشار إلى ذلك وأثنى عليه في ذلك، ومساره في أن تستخلص الديالكتيكية من مسار نظريته حول قيام الحضارات وسقوطها. وقد أشار فريدرك هيجل أنها هي أساس قوة القبيلة ولا تكون الرياسة إلا في أهل أقوى العصائب، وأن العصبية تهدف إلى الملك وتنقل المجتمع من البداوة إلى التحضر. هذا ما أكده ابن خلدون في مقدمته قبل هيجل بعشرات السنين. كما أن ابن خلدون سبق كبار علماء التاريخ والاجتماع أمثال مكيافيللي في هذه النظريات. وبهذا عبرارنولد تونبي المفكر والمؤرخ الشهير مؤلف كتاب " سقوط الحضارة الغربية ." مكسيم جوركي : من رسالة بعث بها في 21 سبتمبر 1912 إلى صديقه المفكر الروسي انوتشين يقول فيها:" إنك تنبئنا بأن ابن خلدون في القرن الرابع عشر كان أول من اكتشف دور العوامل الاقتصادية وعلاقات الإنتاج. إن هذا النبأ قد أحدث وقعا مثيرا وقد اهتم به صديق الطرفين (المقصود به لينين) اهتماما خاصا. بعد أن أفاض الثناء على ابن خلدون قال " "تُرى أليس في الشرق آخرون من أمثال هذا الفيلسوف؟ جورج مارسيز: يقول المستشرق : (بروفنسال. أ. ليفي) : إن مؤلف (مقدمة) ابن خلدون هو أحد أهم المؤلفات التي أنجزها الفكر الإنساني. المؤرخ والعالم الإنجليزي جوردون تشايلد : إن مقدمة ابن خلدون وآراءه في التاريخ – قد استفاد منها إلى ابعد حد كل مؤرخ تصدى لعلم التاريخ والاجتماع حيث أن بصمات ابن خلدون تبدو واضحة على أوراق مئات الدراسات التي كتبت حول التاريخ وعلم الاجتماع والاقتصاد. ايف لاكوست : إن مقدمة ابن خلدون يمثل ظهور التاريخ كعلم، وهو أروع عنصر فيما يمكن أن يسمى بالمعجزة العربية. إن صفات العبقرية عند صاحب المقدمة تتجلى في كونه أحرز قصب السبق في مجالات المعارف الإنسانية، مما جعله في مساريثيرنزعة المعاصرين له من المؤرخين، مسار حدد فيه لنفسه مكانته الخاصة المرموقة في مصاف العظماء، ذلك أن منهجيته في فن التاريخ تعكس نظرة مطلقة أهّلته لإدراك حقيقته الخفية ومعناه البعيد. أرنولد توينبي : : " لقد سبق ابن خلدون مفكري التاريخ الأوروبي، خاصة العالم المسيحي الشهير «بوسويه»، بثلاثة قرون إلى فهم حركة التاريخ، وتفسير دلالته ومغزاه، ولكن ابن خلدون سبق أيضا أوغست كونت إلى تأسيس علم الاجتماع بخمسة قرون، لقد طبق ابن خلدون، للمرة الأولى، منهجية جديدة على دراسة المجتمع الإنساني والحضارة البشرية، وكفاه ذلك فخرا ".ابتكر ابن خلدون وصاغ في مقدمته فلسفة للتاريخ هي بدون شك أعظم ما توصل إليه الفكر البشري في مختلف العصور والأمم. المستشرق : فانسان مونتيل ترجم مقدمته، وقال عنه : روجية غارودي: ففيما يتعلق بدراسة هيكل المجتمعات وتطورها فإن أكثر الوجوه يمثل تقدما يتمثل في شخص ابن خلدون العالم والفنان ورجل الحرب والفقيه والفيلسوف الذي يضارع عمالقة النهضة عندنا بعبقريته العالمية منذ القرن الرابع عشر ومقدمته هي أكبر دليل على ذلك. ففيما يتعلق بدراسة هيكل المجتمعات وتطورها فإن أكثر الوجوه يمثل تقدما يتمثل في شخص ابن خلدون العالم والفنان ورجل الحرب والفقيه والفيلسوف الذي يضارع عمالقة النهضة عندنا بعبقريته العالمية منذ القرن الرابع عشر ومقدمته هي أكبر دليل على ذلك. لينين : تُرى أليس في الشرق آخرون من أمثال هذا الفيلسوف؟ في اعتقدي لا يستطيع أحد في العرب يأتينا بمقدمة مثل مقدمة هذا الرجل العربي العظيم. الفيلسوف الفرنسي " تياى " إن هذا المغربي الذي ولِد بتونس سنة 1332م من أسرة ذات أصل عربي، استوطنت الأندلس منذ بدء الفتح، ترك لنا تآليف قيمة، يمكن لنا أن نقول عنها: إنها لم تُثْر الآداب العربية وحدها، بل التراث الثقافي للإنسانية جمعاء، إنه مؤسس علم الاجتماع (السوسيولوجية)، وباعث فلسفة اجتماعية جديدة، كما أنه المؤسس الحقيقي للمنهجية التاريخية. لقد توصل ابن خلدون إلى أن هناك فلسفتين: فلسفة أصيلة صحيحة، وفلسفة كاذبة غالطة، وهذا يعني أن ابن خلدون اهتدى قبل كانط إلى التفكير النقدي الهادف إلى تحديد القواعد والمقاييس المنطقية لاستعمال العقل في البحوث الفلسفية، وانتقاداتها للتفكير الفلسفي الذي يتجاوز المقاصد الهادفة. إن كتاب المقدمة وكتاب العبر لابن خلدون عملٌ نادر ومجهود قيم موجه للناس جميعاً، لا لنخبة من المفكرين أو إلى جماعة محدودة من الفلاسفة. إن التاريخ كما يراه ابن خلدون فرع من الفلسفة، وعلم عقلي. وللتاريخ ظاهر وباطن، إذْ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار الأيام والدول والسوالف من القرون الأولى، تنمق لها الأقوال، وتصرف فيها الأمثال، وتطرق لها الأندية إذا غصّها الاحتفال، وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول الناطق فيها والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال ". تسفيه بعض المفكرين العرب بابن خلدون طه حسين يقول عن ابن خلدون : قال طه حسين في إحدى أطروحاته إن التربية التي تلقاها ابن خلدون في حداثته وصباه لم تكن خارقة ولم تتعد في مجموعها ما يتلقاه اليوم فتيان الأزهر. وإن معلومات ابن خلدون الفلسفية لم تنضج سوى في ألاثني عشر عاما التي قضاها بالقاهرة. ويوغل في اتهامه أن ابن خلدون لم يأنف من ارتكاب الخيانة لنيل السلطة وانه لم يعرف وطنا ولا أسرة، بدليل انه غادر تونس إلى مصر دون أسف! الكاتب العربي علي الوردي : يقول في كتابه "منطق ابن خلدون" ابن خلدون كان يريد التباهي بعلمه أمام غيره من المؤلفين معتقدا انه قد أسس علما جديدا والحال أن تأسيس العلوم الجديدة ليس بالأمر النادر في الإسلام. يتبع.... |
قراءة في مقدمة ابت خلدون يتبع
الكاتب العربي محمد عبد الله عنان : يقول في مؤلفه «ابن خلدون، حياته وتراثه الفكري» يقول أن ابن خلدون كان يضمر الحقد الشعوبي ضد العرب لأنه ينتمي في الواقع إلى البربر. تفنيد مزاعم طه حسين : لا نغتر بما قاله طه حسين وأمثاله عن ابن خلدون فقد تصدى لطه حسين الكثير من كبار المفكرين العرب وفندوا مزاعمه الكاذبة و المخالفة للحقيقة ومنهم العلامة الشيخ علي الطنطاوي. يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله: " أعرف أن طه حسين كان مولعا بالخلاف منذ أن كان طالباً في الأزهر فاستطال عليه طريق التحصيل فتركه وقفز من فوق السطوح كي يبلغ الغاية من غير كد ولا تعب فتطاول على الشعر الجاهلي وأنكره، وتطاول على القرآن الكريم وكذبه . هذا الرجل ليس عنده إلا المخالفة إن ذهب الناس يميناً ذهب شمالاً، وإن أقبلوا على شيء أدبر عنه، وإن أدبروا عنه أقبل عليه. أخترنا من هذه المقدمة ما نستفيد منها وأسقطنا السلبيات عن ما قيل أنه قالها في مقدمته عن العرب، فابن خلدون رجل عظيم لا نعتقد أنه هو قائلها، فالرجل محسود وحساده كثر كما عرفنا من قصة حياته، فلابد أن تكون هذه السلبيات عن العرب مدسوسة عليه في طباعة مقدمته التي شهد بعظمتها الأعداء قبل الأصدقاء، وأن صح ما قيل عنه. فنحن نبحث عن ما هو نافع ومفيد ونترك جانباً ما لا يفيد. فإيجابيات الرجل إن كانت له سلبيات تمحوا سلبياته، ولا معصوم إلا من عصمه الله ولكل عالم هفوة ولكل جواد كبوة ولكل صارم نبوة. المقدمة تشمل مواضيع كثيرة متنوعة نوجزها بإختصار شديد كما يلي: - ابن خلدون يرى عدم فصل الدين عن السياسة. بعد التداعيات السياسية بقيام الثورات العربية المباركة في تونس ومصر وليبيا واليمن، وسوريا إن شاء الله، نرى بعض المحسوبين على المثقفين العرب يطالبون في ضرورة قوانين فصل الدين عن السياسة، لذلك ننقل ما قاله ابن خلدون في مقدمتة لعل هناك من يعتبر.يقول ابن خلدون: - .... فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة وبصرائها كانت سياسة عقلية، وإذا كانت مفروضة من الله بشارع يقررها ويشرعها كانت سياسة دينية نافعة في الحياة الدنيا وفي الأخرة. وذلك أن الخلق ليس المقصود بهم دنياهم فقط، فإنها كلها عبث وباطل إذغايتها الموت والفناء، والله يقول: " أفحسبتم إنما خلقناكم عبثاَ " الآية. فالمقصود به هو دينهم المفضي بهم إلى السعادة في آخرتهم. " صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض "، فجاءت الشرائع بحملهم على ذلك في جميع أحوالهم،حتى في الملك الذي هو طبيعي للاجتماع الإنساني، فأجرته على منهاج الدين ليكون الكل محوطاً بنظر الشارع. فما كان منه بمقتضى القهر والتغلب وإهمال القوة العصبية في مرعاها فجور وعدوان ومذموم عنده كما هو مقتضى الحكمة السياسية. وما كان منه بمقتضى السياسة وأحكامها فمذموم أيضاً، لأنه نظر بغير نور الله: " ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور " . لأن الشارع أعلم بمصالح الكافة فيما هو مغيب عنهم من أموردنياهم و آخرتهم، وأعمال البشر كلها عائدة عليهم في معادهم، من ملك أوغيره. قال صلى الله عليه وسلم: " إنما هي أعمالكم ترد عليكم " ، وأحكام السياسة إنما تطلع على مصالح الدنيا فقط. " يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا " ، ومقصود الشارع بالناس صلاح دنياهم وآخرتهم فوجب بمقتضى الشرائع حمل الكافة على الأحكام الشرعية في أحوال دنياهم وآخرتهم. وكان هذا الحكم لأهل الشريعة وهم الأنبياء ومن قام فيه مقامهم وهم الخلفاء. فقد تبين لك من ذلك معنى الخلافة،وأن الملك الطبيعي هو حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة، والسياسي هو حمل الكافة على مقتضي النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار، والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به. فافهم ذلك واعتبره فيما نورده عليك، من بعد. والله الحكيم. ويقول رحمه الله عن التاريخ : - إن فن التاريخ فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم. و الأنبياء في سيرهم. و الملوك في دولهم وسياستهم. حتى تتم فائدة الإقتداء. إن الاجتماع الإنساني ضروري فالإنسان مدني بالطبع أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدنية، ومن العجز عن استكمال وجوده و حياته، فهو محتاج إلى المعاونة في جميع حاجاته أبدا بطبعه. إن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر حتى تبين صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص، فتقع في قبول الكذب ونقله. إن التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار و لكن في باطنه نظر وتحقيق. - ويقول عن العصبية أنها نزعة طبيعية في البشر مذ كانوا. - ويقول عن المُلك والرئاسة : الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك . إن الرئاسة لا تكون إلا بالغلب و الغلب إنما يكون بالعصبية كما قدمناه فلا بد في الرئاسة على القوم أن تكون من عصبية غالبة لعصبياتهم واحدة واحدة. إن الرئاسة لا تكون إلا بالغلب و الغلب إنما يكون بالعصبية كما قدمناه. إن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة ، أو ولاية ، أو أثر عظيم من الدين على الجملة، بسبب خلق التوحش الذي فيهم ،و هم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض ، للغلظة و الأنفة و بعد الهمة ، و المنافسة في الرياسة ، فقلما تجتمع أهواؤهم. إن العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك و السبب في ذلك أنهم أكثر بداوة من سائرالأمم و أبعد مجالاً في القفر و أغنى عن حاجات التلول و حبوبها لاعتيادهم لشظف و خشونة العيش فاستغنوا عن غيرهم فصعب انقياد بعضهم لبعض لإفلاهم ذلك. وأن الملك إذا ذهب عن بعض الشعوب من أمة فلا بد من عوده إلى شعب أخر منها ما دامت لهم العصبية. أن الأمة إذا غلبت و صارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء و السبب في ذلك و الله أعلم ما يحصل في النفوس من التكاسل إذا ملك أمرها عليها و صارت بالاستعباد آلة لسواها و عالة عليهم فيقصر الأمل و يضعف التناسل و الاعتمار إنما هو عن جدة الأمل أن الدولة لها أعمار طبيعية كما للأشخاص .اعلم أن العمر الطبيعي للأشخاص على ما زعم الأطباء و المنجمون مائة وعشرون سنةً. والمغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه و نحلته و سائر أحواله و عوائده والسبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه. وحالات الدولة و أطوارها لا تعدو في الغالب خمسة أطوار ، الطور الأول طور الظفر بالبغية، و غلب المدافع و الممانع، و الاستيلاء على الملك و انتزاعه من أيدي الدولة السالفة قبلها ، و الطور الثاني طور الاستبداد على قومه و الانفراد دونهم بالملك و كبحهم عن التطاول للمساهمة والمشاركة، الطور الثالث طور الفراغ و الدعة لتحصيل ثمرات الملك مما تنزع طباع البشر إليه من تحصيل المال و تخليد الآثار و بعد الصيت، فسيتفرغ وسعه في الجباية و ضبط الدخل و الخرج...، الطور الرابع طور القنوع و المسالمة و يكون صاحب الدولة في هذا قانعا بما أولوه سلما لأنظاره من الملوك مقلدا للماضين من سلفه ، الطور الخامس طور الإسراف و التبذير و يكون صاحب الدولة في هذا الطور متلفا لما جمع أولوه في سبيل الشهوات و الملاذ و الكرم على بطانته و في مجالسه. " وهذا واقع الحال كما هو حاصل في كافة الدول العربية. " - النوع الإنساني لا يتم وجوده إلا بالتعاون. - الله سبحانه ركب في طبائع البشر الخير والشر كما قال تعالى و هديناه النجدين و قال فألهمها فجورها و تقواها. و الشر أقرب الخلال إليه إذا أهمل في مرعى عوائده و لم يهذبه الاقتداء بالدين و على ذلك الجم الغفير إلا من وفقه الله . يتبع .... |
قراءة في مقدمة ابن خلدون يتنع
وأثنى ابن خلدون على التصوف وصال في هذا المجال وجال نذكرمنه بإ يجاز : التصوف من العلوم الشرعية الحادثة في الملة، وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طريقة الحق والهداية، وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة. وكان ذلك عاما في الصحابة والسلف، فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني ومابعده، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية . - البوادي من القبائل و العصائب مغلوبون لأهل الأمصار - إن اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نحلهم من المعاش. - الفلاحة و الصناعة و التجارة فهي وجوه طبيعية للمعاش .أما الفلاحة فهي متقدمة عليها كلها بالذات و أما الصناعة فهي ثانيها و متأخرة عنها لأنها مركبة و علمية تصرف فيها الأفكار و الأنظار، و لهذا لا توجد غالبا إلا في أهل الحضر. - ومنها تقرب الناس في الأكثر لأصحاب التجلة و المراتب بالثناء و المدح و تحسين الأحوال و إشاعة الذكر بذلك فيستفيض الإخبار بها على غير حقيقة فالنفوس مولعة بحب الثناء و الناس متطلعون إلى الدنيا و أسبابها من جاه أو ثروة. - اختلاف أحوال العمران في الخصب و الجوع و ما ينشأ عن ذلك من الآثار في أبدان البشر و أخلاقهم. - إن النفوس البشرية على ثلاثة أصناف : صنف عاجز بالطبع عن الوصول فينقطع بالحركة إلى الجهة السفلى نحو المدارك الحسية و الخيالية، و صنف متوجه بتلك الحركة الفكرية نحو العقل الروحاني و الإدراك، صنف مفطور على الانسلاخ من البشرية جملة جسمانيتها و روحانيتها إلى الملائكة من الأفق الأعلى.. - إن البدو أقدم من الحضر و سابق عليه و أن البادية أصل العمران و الأمصار مدد لها . - إن أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر و سببه أن النفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت متهيئة لقبول ما يرد. - إن أهل البدو أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر والسبب في ذلك أن أهل الحضر ألقوا جنوبهم على مهاد الراحة و الدعة و انغمسوا في النعيم و الترف و وكلوا أمرهم في المدافعة عن أموالهم و أنفسهم إلى واليهم. - أن الهرم إذا نزل بالدولة لا يرتفع. - اتساع الدولة أولا إلى نهايته ثم تضايقه طورا بعد طور إلى فناء الدولة و اضمحلالها. - إن العدوان على الناس في أموالهم, ذاهبٌ بآمالهم في تحصيلها واكتسابها, لما يرون حينئذٍ من أنّ غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم, وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها, انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك, والعمران ووفوره ونفاق أسواقه, إنما هو بالأعمال وسعي الناس في المصالح والمكاسب ذاهبين وجائين. - ولا أوفر اليوم في الحضارة من مصر فهي أم العالم وإيوان الإسلام وينبوع العلم والصنائع. عن الظلم انه مؤذن بخراب العمران : يقول : إن العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها و اكتسابها لما يرونه حينئذ من أن غايتها و مصيرها انتهابها من أيديهم. وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها و تحصيلها انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك. وعلى قدر الاعتداء و نسبته يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب. فإذا كان الاعتداء كثيرا عاما في جميع أبواب المعاش كان القعود عن الكسب كذلك لذهابه بالآمال جملة بدخوله من جميع أبوابها. وإن كان الاعتداء يسيرا كان الانقباض عن الكسب على نسبته. وعن العمران و وفوره و نفاق أسواقه. يقول : إنما هو سعي الناس في المصالح والمكاسب ذاهبين وجائين. فإذا قعد الناس عن المعاش انقبضت أيديهم في المكاسب كسدت أسواق العمران وانتفضت الأحوال وبذعر الناس في الآفاق من غير تلك الإيالة في طلب الرزق فيما خرج عن نطاقها، فخف ساكن القطر وخلت دياره وخرجت أمصاره، واختل باختلاله حال الدولة و السلطان لما أنها صورة للعمران تفسد بفساد مادتها. ويقول عن التجارة من السلطان أنها مضرة بالرعايا ومفسدة للجباية : أعلم أن الدولة إذا ضاقت جبايتها بما قدمناه من الترف و كثرة العوائد و النفقات و قصرالحاصل من جبايتها على الوفاء بحاجاتها و نفقاتها واحتاجت إلى مزيد المال و الجباية فتارة توضع المكوس على بياعات الرعايا وأسواقهم. ويقول في العمران البشري: ..عزمنا أن نقبض العنان عن القول في هذا الكتاب الأول الذي هو طبيعة العمران وما يعرض فيه... ولعل من يأتي بعدنا ممن يؤيده الله بفكر صحيح وعلم مبين يغوص من مسائله على أكثر ما كتبنا فليس على مستنبط الفن إحصاء مسائله وإنما عليه تعيين موضوع العلم وتنويع فصوله وما يتكلم فيه والمتأخرون يلحقون المسائل من بعده شيئاً فشيئاً إلى أن يكمل وهو للأسف ما لم يتوافر عليه الباحثون من بعده الأمر الذي انعكس في تخلف دراسة الواقع الاجتماعي في العالم الإسلامي. وأعلم أنه لما كانت حقيقة التاريخ أنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل التوحش والتأنس والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها وماينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع وسائر ما يحد ثفي ذلك العمران بطبيعته من الأحوال. ولما كان الكذب متطرقاً للخبر بطبيعته وله أسباب تقتضيه. فمنها التشيعات للآراء والمذاهب فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر حتى تتبين صدقه من كذبه وإذاخامرها تشيع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها عن الإنتقاد والتمحيص فتقع في قبول الكذب ونقله. ومن الأسباب المقتضية للكذب في الأخبار أيضاً الثقة بالناقلين وتمحيص ذلك يرجع إلى التعديل والتجريح. ومنها الذهول عن المقاصد فكثير من الناقلين لا يعرف القصد بماعاين أو سمع وينقل الخبر على ما في ظنه وتخمينه فيقع في الكذب. ومنها توهم الصدق وهو كثير وإنما يجيء في الأكثر من جهة الثقة بالناقلين. ومنها الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع لأجل ما يداخلها من التلبيس والتصنع فينقلها المخبر كما رأها وهي بالتصنع على غير الحق في نفسه. ومنها تقرب الناس في الأكثر لأصحاب التجلة والمراتب بالثناء والمدح وتحسين الأحوال وإشاعة الذكر بذلك فتستفيض الأخبار بها على غير حقيقة فالنفوس مولعة بحب الثناء والناس متطلعون إلى الدنيا وأسبابها من جاه أوثروة وليسوا في الأكثر براغبين في الفضائل ولا متنافسين في أهلها. ومن الأسباب المقتضية له أيضاً وهي سابقة على جمبع ما تقدم الجهل بطبائع الأحوال في العمران فإن كل حادث من الحوادث ذاتاً كان أو فعلاً لا بد له من طبيعة تخصه في ذاته وفيما يعرضله من أحواله فإذا السامع عارفاً بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها. يتبع ...... |
قراءة في مقدمة ابن خلدون
يقول في الدول والخلافة والملك وذكر المراتب السّلطانية. أعلم أنه إذا استقرت الدولة و تمهدت فقد تستغني عن العصبية و السبب في ذلك و السبب في ذلك أن الدول العامة في أولها يصعب على النفوس الانقياد لها إلا بقوة قوية من الغلب للغرابة و أن الناس لم يألفوا ملكها و لا اعتادوه فإذا استقرت الرئاسة في أهل النصاب المخصوص بالملك في الدولة و توارثوه واحداً بعد آخر في أعقاب كثيرين و دول متعاقبة نسيت النفوس شأن الأولية و استحكمت لأهل ذلك النصاب صبغة الرئاسة و رسخ في العقائد دين الانقياد لهم و التسليم و قاتل الناس معهم على أمرهم قتالهم على العقائد الإيمانية فلم يحتاجوا حينئذ في أمرهم إلى كبير عصابة بل كأن طاعتها كتاب من الله لا يبدل و لا يعلم خلافه و لأمر ما يوضع الكلام في الإمامة آخر الكلام على العقائد الإيمانية كأنه من جملة عقودها و يكون استظهارهم حينئذ على سلطانهم و دولتهم المخصوصة إما بالموالي و المصطنعين الذين نشأوا في ظل العصبية و غيرها و إما بالعصائب الخارجين عن نسبها الداخلين في ولايتها و مثل هذا و قع لبني العباس فإن عصبية العرب كانت فسدت لعهد دولة المعتصم و ابنه الواثق و استظهارهم بعد ذلك إنما كان بالموالي من العجم و الترك و الديلم و السلجوقية و غيرهم ثم تغلب العجم الأولياء على النواحي و تقلص ظل الدولة فلم تكن تعدو أعمال بغداد حتى زحف إليها الديلم و ملكوها و صار الخلائق في حكمهم ثم انقرض أمرهم وملك السلجوقية من بعدهم فصاروا في حكمهم ثم انقرض أمرهم و زحف آخر التتار فقتلوا الخليفة و محوا رسم الدولة و كذا صنهانجة بالمغرب فسدت عصبيتهم منذ المائة الخامسة أو ما قبلها و استمرت لهم الدولة متقلصة الظل بالمهدية و بجاية و القلعة و سائر ثغور أفريقية و ربما انتزى بتلك الثغور من نازعهم الملك و اعتصم فيها و السلطان و الملك مع ذلك مسلم لهم حتى تأذن الله بانقراض الدولة و جاء الموحدون بقوة قوية من العصبية في المصامدة فمحوا آثارهم. وكذا دولة بني أمية بالأندلس لما فسدت عصبيتها من العرب استولى ملوك الطوائف على أمرها و اقتسموا خطتها و تنافسوا بينهم و توزعوا ممالك الدولة و انتزى كل واحد منهم على ما كان في ولايته و شمخ بأنفه و بلغهم شأن العجم مع الدولة العباسية فتلقبوا بألقاب الملك و لبسوا شارته و أمنوا ممن ينقص ذلك عليهم أو يغيره لأن الأندلس ليس بدار عصائب و لا قبائل كما سنذكره و استمر لهم ذلك كما قال ابن شرف. مما يزهدني في أرض أندلس أسماء معتصم فيها و معتضد ألقاب مملكة في غيرموضعها كالهر يحكي انتفاخاً صورة الأسد. في العمران الحضري والبلدان والأمصار يقول : وما يعرض فيها من البدو والحضر والتغلب والكسب والمعاش والصنائع والعلوم ونحوها وما لذلك من العلل والأسباب اعلم أنه لما كانت حقيقة التاريخ أنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل التوحش والتأنس والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع، وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال. ولما كان الكذب متطرقاً للخبر بطبيعته وله أسباب تقتضيه. فمنها التشيعات للأراء والمذاهب، فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر حتى تتبين صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها عن الإنتقاد والتمحيص، فتقع في قبول الكذب ونقله. ومن الأسباب المقتضية للكذب في الأخبار أيضاً الثقة بالناقلين، وتمحيص ذلك يرجع إلى التعديل والتجريح. ومنها الذهول عن المقاصد، فكثير من الناقلين لا يعرف القصد بما عاين أو سمع، وينقل الخبر على ما في ظنه وتخمينه فيقع في الكذب. ومنها توهم الصدق وهو كثير، وإنما يجيء في الأكثر من جهة الثقة بالناقلين. ومنها الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع لأجل ما يداخلها من التلبيس والتصنع، فينقلها المخبر كما رأها، وهي بالتصنع على غير الحق في نفسه. ومنها تقرب الناس في الأكثر لأصحاب التجلة والمراتب بالثناء والمدح وتحسين الأحوال وإشاعة الذكر بذلك، فتستفيض الأخبار بها على غير حقيقة، فالنفوس مولعة بحب الثناء، والناس متطلعون إلى الدنيا وأسبابها من جاه أو ثروة، وليسوا في الأكثر براغبين في الفضائل ولا متنافسين في أهلها. ومن الأسباب المقتضية له أيضاً وهي سابقة على جمبع ما تقدم الجهل بطبائع الأحوال في العمران، فإن كل حادث من الحوادث ذاتاً كان أو فعلاً لا بد له من طبيعة تخصه في ذاته وفيما يعرض له من أحواله، فإذا السامع عارفاً بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها، أعانه ذلك تمحيص الخبر على تمييز الصدق من الكذب، وهذا أبلغ في التمحيص من كل وجه يعرض. في أن الأمصار التي تكون كراسي للملك تخرب بخراب الدولة وانتقاضها. قد استقرينا في العمران أن الدولة إذا اختلت وانتقضت فإن المصر الذي يكون كرسياً لسلطانها ينتقض عمرانه وربما ينتهي في انتقاضه إلى الخراب ولا يكاد ذلك يتخلف. والسبب فيه أمور: الأول: أن الدولة لا بد في أولها من البداوةالمقتضية للتجافي عن أموال الناس والبعد عن التحذيق. ويدعو ذلك إلى تخفيف الجباية والمغارم التي منها مادة الدولة فتقل النفقات ويقصر الترف. فإذا صار المصر الذي كان كرسياً للملك في ملكة هذه الدولة المتجددة ونقصت أحوال الترف فيها نقص الترف فيمن تحت أيديها من أهل المصر لأن الرعايا تبع للدولة فيرجعون إلى خلق الدولة:إما طوعاً لما في طباع البشر من تقليد متبوعهم أو كرهاً لما يدعو إليه خلق الدولة من الانقباض عن الترف في جميع الأحوال وقلة الفوائد التي هي مادة العوائد فتقصرلذلك حضارة المصر ويذهب منه كثير من عوائد الترف. وهي معنى ما نقول في خراب الأمر. الثاني: إن الدولة إنما يحصل لها الملك والاستيلاء بالغلب وإنما يكون بعد العداوة والحروب. والعداوة تقتضي منافاة بين أهل الدولتين وتكثر إحداهما على الأخرى في العوائد والأحوال. وغلب أحد المتنافيين يذهب بالمنافي الأخر فتكون أحوال الدولةالسابقة منكرة عند أهل الدولة الجديدة ومستبشعة وقبيحة. وخصوصاً أحوال الترف فتفقد في عرفهم بنكير الدولة لها حتى تنشأ لهم بالتدريج عوائد أخرى من الترف فتكون عنها حضارة مستأنفة. . وفيما بين ذلك قصور الحضارة الأولى ونقصهما ومعنى اختلا لالعمران في المصر. الأمر الثالث: أن كل أمة لا بد لهم من وطن هو منشأهم ومنه أولية ملكهم. وإذا ملكوا وطناً آخر تبعا للأول وأمصاره تابعة لأمصار الأول.واتسع نطاق الملك عليهم. ولابد من توسط الكرسي بين تخوم الممالك التي للدولة لأنه شبه المركز للنطاق فيبعد مكانه عن مكان الكرسي الأول وتهوي أفئدة الناس إليه من أجل الدولة والسلطان فينتقل إليه العمران ويخف من مصر الكرسي الأول. والحضارة إنما هي بوفور العمران كما قدمنا فتنتقص حضارته وتمدنة وهو معنى اختلاله. وهذا كما وقع للسلجوقية في عدولهم بكرسيهم عن بغداد إلى أصبهان وللعرب قبلهم في العدول عن المدائن إلى الكوفة والبصرة ولبني العباس في العدول عن دمشق إلى بغداد ولبني مرين بالمغرب في العدول عن مراكش إلى فاس. يتبع ..... |
قراءة في مقدمة ابن خلدون
الرابع: أن الدولة المتجددة إذا غلبت على الدولة السابقة لا بد فيها من تتبع أهل الدولة السابقة وأشياعها بتحويلهم إلى قطر آخر تؤمن فيه غائلتهم على الدولة. وأكثر أهل المصرالكرسي أشياع الدولة. إما من الحامية الذين نزلوا به أول الدولة أو من أعيان المصر لأن لهم في الغالب مخالطة للدولة على طبقاتهم وتنوع أصنافهم. بل أكثرهم ناشىء في الدولة فهم شيعة لها. وإن لم يكونوا بالشوكة والعصبية والعقيدة. وطبيعة الدولة المتجددة محو آثار الدولة السابقة فتنقلهم من مصر الكرسي إلى وطنها المتمكن في ملكتها. فبعضهم على نوع التغريب والحبس وبعضهم على نوع الكرامة والتلطف بحيث لا يؤدي إلى النفرة حتى لا يبقى في مصر الكرسي إلاالباعة والهمل من أهل الفلح والعيارة وسواد العامة. وينزل مكانهم في حاميتها وأشياعها من يشتد به المصر. وإذا ذهب من مصر أعيانه على طبقاتهم نقص ساكنه وهومعنى اختلال عمرانه. ثم لا بد أن يستجد عمران آخر في ظل الدولة الجديدة وتحصل فيه حضارة أخرى على قدر الدولة. وإنما ذلك بمثابة من يملك بيتاً داخله البلى والكثيرمن أوضاعه في بيوته ومرافقه لا توافق مقترحه وله قدرة - على أوصاف مخصوصة على تغييرتلك الأوضاع وإعادة بنائها على ما يختاره ويقترحه فيخرب ذلك البيت ثم يعيد بناءه ثانياً. وقد وقع من ذلك كثير في الأمصار التي هي كراسي لذلك وشاهدناه.وعلمناه. والسبب الطبيعي الأول في ذلك على الجملة أن الدولة والملك للعمران بمثابة الصورة للمادة وهو الشكل الحافظ بنوعه لوجودها. وقد تقرر في علوم الحكمة أنه لا يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر. فالدولة دون العمران لا تتصور والعمران دون الدولة والملك متعذر بما في طباع البشر من العدوان الداعي إلى الوازع فتتعين السياسة لذلك. أما الشريعة أو الملكية وهو معنى الدولة وإذا كانا لا ينفك اختلال أحدهما مؤثر في اختلال الآخر كما كان عدمه مؤثراً في عدمه. والخلل العظيم إنما يكون من خلل الدولة الكلية مثل دولة الروم أو الفرس أو العرب على العموم أوبني أمية أو بني العباس كذلك. وأما الدول الشخصية مثل دولة أنو شروان أو هرقل أوعبد الملك بن مروان أو الرشيد فأشخاصها متعاقبة على العمران حافظة لوجوده وبقائه وقريبة الشبه بعضها من بعض فلا تؤثر كثير اختلال. لأن الدولة بالحقيقة الفاعلة في مادة العمران إنما هي العصبية والشوكة وهي مستمرة مع أشخاص الدول. فإذا ذهبت تلك العصبية ودفعتها عصبية أخرى مؤثرة في العمران فأذهبت أهل الشوكة بأجمعهم عظم الخلل كما قررناه أولاً. والله قادر على ما يشاء. إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وماذلك على الله بعزيز., أعلم أن الدولة إذا ضاقت جبايتها بما قدمناه من الترف و كثرة العوائد و النفقات و قصرالحاصل من جبايتها على الوفاء بحاجاتها و نفقاتها واحتاجت إلى مزيد المال و الجباية فتارة توضع المكوس على بياعات الرعايا وأسواقهم ... كما قدمنا ذلك في الفصل قبله و تارة بالزيادة في ألقاب المكوس إن كان قد استحدث من قبل... و تارةبمقاسمة العمال الجباة و امتكاك عظامهم لما يرون أنهم قد حصلوا على شيء طائل من أموالالجباية لا يظهره الحسبان... و تارة باستحداث التجارة و الفلاحة للسلطان على تسمية الجباية لما يرون التجار و الفلاحين يحصلون على الفوائد و الغلات مع يسارة أموالهم و أن الأرباح تكون على نسبة رؤوس الأموال... فيأخذون في اكتساب الحيوان والنبات لاستغلاله في شراء البضائع والتعرض بها لحوالة الأسواق و يحسبون ذلك من إدرار الجباية و تكثير الفوائدو هو غلط عظيم و إدخال الضرر على الرعايا من وجوه متعددة .... فأولاًمضايقة الفلاحين و التجار في شراء الحيوان و البضائع و تيسير أسباب ذلك ...فإن الرعايا متكافئون في اليسار متقاربون و مزاحمة بعضهم بعضاً تنتهي إلى غاية موجودهم أو تقرب... و إذا رافقهم السلطان في ذلك و ماله أعظم كثيراً منهم فلا يكاد أحد منهم يحصل على غرضه في شيء من حاجاته و يدخل على النفوس من ذلك غم و نكد ... ثم إن السلطان قد ينتزع الكثير من ذلك إذا تعرض له غضاًأو بأيسر ثمن أو لا يجد من يناقشه في شرائه فيبخس ثمنه على بائعه... ثم إذاحصل فوائد الفلاحة و مغلها كله من زرع أو حرير أو عسل أو سكر أو غير ذلك من أنواع الغلات و حصلت بضائع التجارة من سائر الأنواع فلا ينتظرون به حوالة الأسواق و لانفاق يدعوهم إليه تكاليف الدولة فيكلفون أهل تلك الأصنا فمن تاجر أو فلاح بشراء تلك البضائع و لا يرضون في أثمانها إلاالقيم و أزيد فيستوعبون في ذلك أموالهم و تبقى تلك البضائع بأيديهم عروضاً جامدة و يمكثون عطلاً من الإدارة التي فيها كسبهم و معاشهم و ربما تدعوهم الضرورةإلى شيء من المال فيبيعون تلك السلع على كساد من الأسواق بأبخس ثمن. هو غلط عظيم و إدخال الضرر على الرعايا من وجوه متعددة . فأولاً مضايقة الفلاحين و التجار في شراء الحيوان و البضائع و تيسير أسباب ذلك ...فإن الرعايا متكافئون في اليسار متقاربون و مزاحمة بعضهم بعضاً تنتهي إلى غاية موجودهم. و إذا رافقهم السلطان في ذلك و ماله أعظم كثيراً منهم فلا يكاد أحد منهم يحصل على غرضه في شيء من حاجاته و يدخل على النفوس من ذلك غم و نكد ... ثم إن السلطان قد ينتزع الكثير من ذلك إذا تعرض له غضاًأو بأيسر ثمن أو لا يجد من يناقشه في شرائه فيبخس ثمنه على بائعه... فإذا انقبض الفلاحون عن الفلاحة و قعد التجار عن التجارة ذهبتالجباية جملة... أو دخلها النقص المتفاحش و إذا قايس السلطانبين ما يحصلله من الجباية و بين هذه الأرباح القليلة وجدها بالنسبة إلى الجباية أقل من القليل ... ثم إنه و لو كان مفيداً فيذهب له بحظ عظيم من الجباية فيما يعانيه منشراء أو بيع فإنه من البعيد أن يوجد فيه من المكس و لو كان غيره في تلك الصفقات.تكسبها ثم فيه التعرض لأهل عمرانه و اختلال الدولة بفسادهم و نقصهم ... فإن الرعايا إذا قعدوا عن تثمير أموالهم بالفلاحة و التجارة نقصت و تلاشت بالنفقات و كان فيها تلاف أحوالهم،.. فافهم ذلك ... و كان الفرس لا يملكون عليهم إلا من أهل بيت المملكة ثم يختارونه من اهل الفضل و الدين و الأدب و السخاء و الشجاعة و الكرم ثم يشترطون عليه مع ذلك العدل و أن لا يتخذ صنعة فيضر بجيرانه و لا يتاجر فيحب غلاءالأسعار في البضائع.. و أن لا يستخدم العبيد فإنهم لا يشيرون بخير و لامصلحة. وأعلم أن السلطان لا ينمي ماله و لا يدرموجودة إلا الجباية و إدرارها إنما يكون بالعدل........ وأما غير ذلك من تجارة إنما هو مضرة عاجلة للرعايا وفساد للجباية و نقص للعمارة... و قد ينتهي الحال بهؤلاء المنسلخين للتجارة و الفلاحة من الأمراء و المتغلبين في البلدان أنهم يتعرضون لشراء الغلات و السلع من أربابها الواردين على بلدهم و يفرضون لذلك من الثمن ما يشاءون و يبيعونها في وقتها لمن تحت أيديهم من الرعايا بما يفرضون من الثمن و هذه أشد من الأولى و أقرب إلى فسادالرعية و اختلال أحوالهم ... و ربما يحمل السلطان على ذلك من يداخله من هذه الأصناف أعني التجار و الفلاحين لما هي صناعته التي نشأ عليها فيحمل السلطان على ذلك و يضرب معه بسهم لنفسه ليحصل على غرضه من جمع المال سريعاًو لا سيما مع ما يحصل له من التجارة بلا مغرم و لا مكس فإنها أجدربنمو الأموال و أسرع في تثميره و الله يلهمنا رشدأنفسنا و ينفعنا بصالح الأعمال و الله تعالى الموفق. بتصرف من كتاب يصدر لنا قريباً. |
| الساعة الآن 01:30 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026
