![]() |
والدي العزيز
والدي العزيز
كانت السنوات مرة ومتعبة، حتى خيل إلينا أن حصارا مجحفا فرض علينا ولمدة غير معلومة، لكثرة ما طلب إلينا من شد الحزام والاقتصاد في المعيشة. ولقول الوالدة مكررة ومؤكدة وهي صارمة الملامح واثقة الكلمة: على من يريد شيء خاص به عليه شراءه من مصروفه، فراتب والدكم زهيد لا يمكنه تغطية كل احتياجاتكم. شددنا حزام الاقتصاد حتى تقلصت أمعائنا، ولم تعد لدينا القدرة على التنفس، كمن أجريت له عملية ربط معدة. وشددنا حزام التقشف، حتى اجتاحنا الخوف من انقطاعه بنا. كنا نتذمر في الخفاء وتحت ملائات النوم، خوف غضب والدنا، لكثرة ما حذرتنا أمنا من ذلك. علاما كل هذا، والى متى؟ ولما لا نعيش مثل بقية حلق الله؟ فمرة والدكم يريد رفع راتبه التقاعدي، لنتمكن من العيش برفاهية حينها. وأخرى يجمع كمية من المال، تجهيزا لسفرة عائلية قريبة. الأكل داخل البيت لا تقبل عليه نفوسنا، وخارج البيت لا تقدر عليه جيوبنا. ورفقاء الدراسة تنهال عليهم الأموال كسيل من الماء جارف، دون حسيب ودون رقيب. ونحن ندفن رؤوسنا في التراب، كما تفعل النعامة، خوف أن يرانا احد ونحن نعد القروش لزهيد الطعام. والملابس تلك التي لها هم خاص، ووقتها فقط في المناسبات المهمة، ومطلوب منا الحفاظ عليها لبقية العمر . تأتي الأوامر عبر الناطق الرسمي: عليكم بالهدوء وعدم الإزعاج، فوالدكم يمر بحالة نفسية عصيبة جراء ضغوط العمل. إذا كنا الإنسان لا يستطيع التعبير عن دواخله في بيته، أين يتمكن أن يقوم بذلك؟! بعد أيام تدخل الوالدة علينا غرفنا على غير العادة، وهي تحاول كتم ابتسامة تكاد تملئ صفحة وجهها، كأنها قنبلة على وشك الانفجار. داخلنا الخوف أول الأمر، فلم نعد نحتمل المزيد من هزات المقاطعة وشدة الحصار. أخرجت آهة حارة من جوفها، لتزيح عن صدرها حمل ثقيل قد أجهدها ثم قالت: افرحوا وتنعموا بالخير الذي وصل إلينا فجأة، لقد انتهى حصاركم وانقشع غبار مقاطعتكم، والدكم حصل على وظيفة جديدة براتب مجزي. فرحنا واستبشرنا خيرا، واخذ كلمنا يمني نفسه بقائمة طويلة من الطلبات. لم يمضي وقت طويل على ذلك الكلام حتى تبخرت كل أحلامنا. بقلم: حسين نوح مشامع – القطيف، السعودية |
اية روعة هذه الرواية النافذة الى الوجدان...اي حديث هذا عن دقائق الأمور...عن أحلى أسرار عائلية هتكتها ....فجرتها وبحت بها في غير كلف ولا عناء
تسربت الي وأنا أقرا بوحك ذكريات دافئة عشتها في عشنا الدافئ ...كنا عائلة وفيرة العدد...وراتب ابي لا يفي بحاجتنا ...وشهواتنا تفوق العرض...وكنا وكانت الدنيا على غلوها بسيطة ...حلوة...يسير...وكنا وكانت الشهوات مباحة ولكنها غير متاحة ...وكنا وكنا....لله يا أخي حسين كم كان اباؤنا يتفانون ...يكدحون...يعملون من أجل اسعادنا...كنا نسعد بقطعة حلوى ومزمار مبحوح ودمية مبتورة الساق وكرة من الخرق البالية وكانت الدنيا من حولنا جنة ...فما أبعد اليوم عن أمس ...ذاك جيل وهذه اجيال لا ترحم لا تبالي لاتشد احزمتها ابدا ...ابدا... حديثك هزني ..رجني...واشعل في حنينا الى طفولة ايام زمان...وحياة ايام زمان وعيش ايام زمان...ابدعت اخي فعلا ...رحم الله والدك ووالدي واباءنا جميعا ...فبغيابهم أغتيلت أحلامنا...وقصفت في صدورنا الى الأبد |
اشكرك يا الغالية على الموضوع الطيب وربى يرحم والدك ووالدى ويرحم اموات امة محمد وربى يجعل مثواهم الجنة يارب ودمتى بخير وعافية
|
رائع ماكتبت والاروع هو ذاك الكم الهائل من الاحاسيس التي تحاصر من يقرا ماسردت....
كتابه رائع اتمنى ان تستمر تحياتي لك :v9v9net_031: |
خيو حسين لم أجد لقلمك سوى أربع كليمات كل واحدة منهن اروع أرجو منك المزيد لآنك مبدع يسعدك ربي في دنيا وآخرة تحياااتي القلبيه |
| الساعة الآن 04:37 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026
