منتديات منابع الأدبية

منتديات منابع الأدبية (http://www.manab3.com/vb/index.php)
-   يحكـى آنـ (http://www.manab3.com/vb/forumdisplay.php?f=27)
-   -   ليست مجرد ذكريات (http://www.manab3.com/vb/showthread.php?t=13320)

باسل جمعة 11-12-2009 11:19 PM

ليست مجرد ذكريات
 
ليلة العيد، اسواق مزدحمة باسراب العائلات محملين بحقائب الملابس والشكولاتة والمكسرات. رائحة القهوة تنتشر من المحامص الخاصة بها والمشترين يفيضون من داخلها وكأنه الحشر.
بعيدا عن عادتي في مثل هذه الليالي اتجه لبيت جدتي. جدتي، زوجة الشهيد كأي لاجئة من القرى الفلسطينية في المخيمات لازالت تحافظ على لبس الثوب الفلاحي المزركش بالالوان الحمراء والخضراء. وجهها المنير، رغم النكسات والانكسارات، وكأنه الامل في عتمة الخيبات. ويدها البظة بتجاعيدها تشعرني بحنان الارض عندما تضم وجهي لتقبلني.
في العادة ازور جدتي اول ايام العيد، اما اليوم فانني ازورها ليلة العيد فاليوم آخر ايامي هنا في ارض الاسرى الاحرار.
اقبل يدها بهدوء وتربت هي على رأسي بحنان و نتخاطف تهاني العيد على عجل. تشدني الى غرفتها. ضعه هناك فوق الخزانة. مشيرة الى صندوق صغير اعلم جيدا ما به.
- هذه حصة عمك سعيد، ارفعها هناك بعيدا عن عمك وابوك فقد اعتادا ان يأكلا حصته من كعك العيد منذ الصغر. يزعجه دائما ان لا يأكل من كعك العيد البيتي، فهو يحب الكعك الذي اصنعه.
لم تعد جدتي قادرة على صنع الكعك الا انها تجمع كل نساء العائلة لتصنعن لها الكعك. وقد اعتادت كل عيد ان تخبئ حصة من هذا الكعك بصندوق كرتوني صغير على ظهر الخزانة لعمي الاسير سعيد.
مهمتي كل عيد، خلال الاثني عشر سنة الماضية، ان اخبئ لها كل حاجيات عمي فوق هذه الخزانة، لا اعلم لكم من السنوات سأستمر هكذا وان كنت سأستمر في فعل ذلك ام لا. لا اعلم كم من الذكريات ستحمل هذه الخزانة بعد.
ارفع لها صندوق هذا العيد وهناك ارى قصاصات لاخبار عن عمي من جرائد متنوعة، صور لفتيات جميلات كانت جدتي ترى فيهن زوجات مناسبات له وحاجيات اخرى.
اقبلها مودعا على عجال وانهض مسرعا نحو الباب. واسمع صوتها تودعني. الله معاك يا سعيد انتبه لنفسك. اقول بصوت غير مسموع ... احمد يا جدتي ... انا احمد.
في مكالمته الاخيرة سألت اخي، كيف هو كعك هذا العيد؟ كم اشتاق رائحته و اصوات النسوة هنا مجتمعات في بيت العائلة يصنعنه. وكيف جدتي؟ هل مازالت تخبئ صناديق الكعك لعمي؟
يجيبني بصوت بعيد كأنه من السماء، هذا العيد صنعت جدتي صندوقان واحد لك و آخر لعمي سعيد.
- لا اعلم كم من الذكريات ستتسع هذه الخزانة.
- ستتسع لكل الذكريات. مادامت سجونهم تتسع بنا، ستتسع خزاناتنا لكل الذكريات التي نريد ولن تفيض يوما بها. مازال لدينا متسع وسيبقى هناك دائما مكان.
الذكريات كم تساعدني على قتل ايام الاسر. فتصبح الايام والساعات بها كأنها لحظات. تتسع جدران الغرفة فتصبح كأنها قصر مشرف على واحة الحرية. وتبقى خزانة جدتي مليئة بذكريات ليست ككل الذكريات. ذكريات لا نعيشها الآن هي ذكريات المستقبل تأتي من الماضي. تسجلها جدتي في خزانتها ويرسمها البعض صورا لنا على الجدران. ذكريات تزحم بها قلوب الامهات وساعات الابناء و الاحفاد. ذكريات درب طويل له بداية ولا نهاية واضحة له.
8-12-2009 الساعة العاشرة مساءا
باسل جمعة
ملاحظة: انتبهت وانا ادمغ التاريخ انه يصادف ذكرى الانتفاضة الاولى. لا اعلم هي المصادفة البحتة ام ان القدر يعبث بي.

سمو الذكريات 12-12-2009 03:56 PM

اقتباس:

هذا العيد صنعت جدتي صندوقان واحد لك و آخر لعمي سعيد.
اثرت فيني كثيراً ماعظمها من حنيه

اخي الكريم باسل
حروف لا تنبع الا من مبدع ماهر
ومصادفة راائعه في التاريخ لطالما الصدف تحصل دونما نعمل لجلبها

استمتعت كثيرا

رزقك المولى..

باسل جمعة 14-12-2009 12:03 PM

جزيل الشكر لك اسعدني رأيك وحقا كم هي مصادفة غريبة

أنثى إستثنائيه 15-12-2009 01:41 AM

كم هي حزينه ومؤثره كم هي ذكريات مستقبليه مؤلمه

قرأتها مرتين واود لو ان اقرأها مرارا لم أتمنى أن تنتهي

مصادفه ليست بغريبه على قلم مبدع وفكر نقي

باسل جمعة 17-12-2009 09:37 AM

شكرا لك عزيزتي على هذا الاطراء الذي اعتز به


الساعة الآن 09:12 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026
إستضافة و تطوير براقما

Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi

كل مايطرح في المنتدى مسؤلية الكاتب فقط وليست للإدارة أية مسؤلية